على مدار الساعة
أخبار » منشورات

مواقع التواصل الاجتماعي: العلاقات والقيم الاجتماعية بين الافتراضي والواقعي!

24 كانون ثاني / أغسطس 2016
  • التواصل الاجتماعي
  • التواصل الاجتماعي

نصار إبراهيم

تقديم:
"الفضاء الافتراضي" هذا هو المصطلح الأكثر شيوعا واستخداما في وصف الفضاء الذي توفره شبكات التواصل الاجتماعي... وبهذا المعنى فهو يحمل شحنة مضمرة وحكما مسبقا بأن هذا الفضاء هو مجرد افتراض أو وهم .. وهذا ليس صحيحا... 
صحيح أن هناك بعدا افتراضيا في هذا العالم التواصلي لكنه من جانب آخر أصبح واقعا موضوعيا حقيقيا يلعب دورا مؤثرا ومباشراً في إعادة بناء الوعي والعلاقات والسلوك... بل وأصبح قوة للفعل والمبادرة في مختلف المجالات وله تأثير مباشر، سلبا أو إيجابا، في بناء "المخيلة السوسيولوجية" وفق تعبير عالم الاجتماع البريطاني أنتوني غِدِنز.
الكثيرون يذكرون وائل غنيم الذي أطلق من على صفحته الفيس بوك عام 2011 بدء الحراك في مصر، إنه يعيش الآن في أمريكا، ويعمل في وادي السيلكون، في كانون الأول الماضي نشر شريطاً اعترف فيه أن مواقع التواصل الاجتماعي نجحت في (الربيع العربي) بتحطيم الأشياء لا في بنائها، واعترف قائلاً: (قلت من قبل إنك لو أردت أن تحرر مجتمعاً فكل ما تحتاجه هو الانترنت، كنت مخطئاً، قلت تلك الكلمات في 2011.. وكشف الربيع العربي الإمكانات الهائلة لمواقع التواصل الاجتماعي، بيد أنه أظهر أوجه قصورها الرهيبة أيضاً، نفس الأداة التي وحدتنا كي نسقط الحكم هي نفس الأداة التي مزقتنا.. لأننا فشلنا في تكوين إجماع، وساعد الصراع على خلق حالة من الاستقطاب الحاد.. عن طريق تسهيل نشر المعلومات المضللة والشائعات وأحاديث الكراهية، فقد كان الجو مسموماً تماماً. وأصبح عالمي الافتراضي مملوءاً بالغيلان والأكاذيب والكراهية).
ثورة الاتصال والتواصل والفضاء الذي تتيحه شبكات التواصل ليس مجرد مسألة تقنية.. إنه ثورة في الوعي وعلى الوعي والسلوك والعلاقات، لهذا فهو ظاهرة جدية وعميقة تحتاج لنقاش علمي جدي لإدراك أبعادها وتأثيراتها... مما يستدعي من المختصين في علم الاجتماع وعلم النفس إيلائها الجهد اللازم لدراسة دورها ووظيفتها وآثارها وإخضاعها للبحث السوسيولجي العلمي ارتباطا بخصوصية كل مجتمع.. وذلك من أجل مراكمة الوعي في كيفية التعامل معها بأعلى قدر من الفاعلية والإيجابية... 
شبكات التواصل الاجتماعي ليست فقط مجرد مساحة للتعبير وتبادل التعليقات أو لنشر منتوج أدبي أو ثقافي او بحثي.. بل هي عملية اجتماعية نفسية ثقافية وسلوكية شديدة التعقيد، بحيث أصبحت تلقي بآثارها على كامل مناحي الحياة وتعيد تشكيلها وبنائها من جديد.. لقد حطمت هذه الظاهرة الحدود والخصوصيات وتجاوزت القيود والمحرمات على أكثر من مستوى وصعيد... بل وأصبحت قوة تنظيم سياسي واجتماعي سواء باتجاه إيجابي أو سلبي... كما أصبحت تلعب دورا أساسيا في صياغة الرأي العام.. فإذا لم ننتبه لأبعاد وتأثيرات هذه الظاهرة فإنها تصبح مثل الجني الذي تم إطلاقه من القمقم ولم يعد بمقدور أحد السيطرة عليه وعلى أفعاله.
لقد حطمت ثورة الاتصال وشبكات التواصل الحدود سواء بين المجتمعات المختلفة أو داخل المجتمع الواحد أو حتى داخل الأسرة الواحدة وربما داخل الفرد ذاته.. وهي بقدر ما كسرت الحدود وكشفت الخصوصيات إلا أنها في ذات الوقت أصبحت قوة تبني حدودا ووعيا جديدا بين الأفراد ومحيطهم الاجتماعي القريب والبعيد
في غمرة الانفعال والتفاعل والانفتاح اللامحدود تكسرت قيود وقيم ونواظم... كما توفرت مساحات وفضاء لا محدود لتواصل الأفراد والجماعات بحيث لم تعد أساليب التربية والتوجيه والسيطرة التقليدية (المعنوية أو القانونية) كافية أو قادرة على ضبط إيقاع التحولات وما يترتب عليها من آثار وبنى ذهنية وسلوكية واجتماعية وقيمية
اللغة
بمعنى، أن تأثير شبكات التواصل أصبح يتخطى كثيرا مسألة العلاقات العادية والتواصل بين الأفراد ليطال وفي العمق اللغة وطريقة التفكير والسلوك... فاللغة مثلا تتعرض الآن لتحولات تطال بناها وتشكيلاتها ودورها... حيث فرضت شبكات التواصل لغتها ومفاهيمها ورموزها الخاصة... سواء كتعابير لغوية أو كأشكال تعبيرية، فلم يعد الإنسان مثلا بحاجة لوصف حزنه أو فرحه أو غضبه أو مشاعره الخاصة جدا تجاه حدث شخصي جدا بكلماته وطريقته ولغته الخاصة.. إذ يكفي أن يضغط على رمز "أيقونة" ليعبر عن الحالة... هكذا أصبح التعبير عن الحزن أو الفرح أو الغضب أو الحب يجري باستخدام الرموز ودلالاتها المقررة مسبقا، أي الأيقونات التي توفرها إدارة شبكات التواصل.. إننا أمام عملية تنميط في التعبير عن المشاعر بصورة جماعية... هكذا تراجعت أو انزاحت خصوصية النص أو التعبير الجسدي المباشر أمام اجتياح الرمز النمطي العام
الصداقة
الأخطر من ذلك هو إعادة إنتاج المفاهيم الاجتماعية... ولكن وفق مضامين وتجليات جديدة... ووفق ركائز وقيم وفهم مختلف.. مثلا مفهوم الصداقة: في غمرة "الصداقات" التي تتشكل هكذا على صفحات التواصل (يكفي إرسال طلب صداقة واستجابة)، أصبح هذا المفهوم يحمل معان مختلفة، حيث اهتزت ركائز المفهوم وتعبيراته الواقعية التي انبنت بالتجربة والممارسة والمعايشة في سياقات الحياة اليومية في البيت والحارة والقرية والمدينة، أو في المدرسة أو الجامعة أو العمل او الرحلة... لتصبح مجرد أفكار ومشاعر وكلمات يتم تبادلها على صفحات التواصل بين أفراد، في الغالب العام، لا يعرفون بعضهم مطلقا، بل وكثيرا لا يتحدثون ذات اللغة.. كما لا يعرفون سياقات بعضهم الاجتماعية أو الفكرية أو الثقافية... فقط يجري اعتماد علاقة الصداقة المفترضة بالاستناد السريع إلى ما يقدمه الإنسان عن نفسه وبالطريقة التي يريد... 
هذه الحقيقة التي فرضتها ثقافة شبكات التواصل تترك تأثيرات نفسية واجتماعية وسلوكية عميقة جدا... حيث أصبح الإنسان وبسهولة يستبدل أو يتخلى عن صديق واقعي تماما بما له وعليه من أجل "صديق افتراضي تماما" لا يعرفه ولم يختبره... هو فقط يعتمد على المخيال وعلى الأحاديث المجردة...

علاقات الصداقة الواقعية والطبيعية التي تتكون في سياقات التماس والتفاعل والاختبار المباشر يتم استبدالها بوهم الصداقة من خلال الاكتفاء بإرسال إعجاب أو طلب صداقة، ليقول الفرد أن له "صديقا" دون أن يعرف حتى سمات وحقيقة ومواقف وخلفيات هذا "الصديق"، والأهم أنه لم يختبر تلك الصداقة في الواقع... هذه العملية ليست مجرد إزاحة شكلية بل هي إزاحة في الوعي العام... إزاحة في العلاقات باتجاه السطحية، ذلك لأن هذا النمط من علاقات "الصداقة" تفتقد للعمق والملموس والتجربة.. وتكتفي بالمجاملات الافتراضية... هذا يؤسس لاحقا لحالة الصدمة أو الانتكاس إن جاز التعبير حين تتعرض هذه "الصداقة المفترضة" للاختبار.. حين يكتشف الفرد بالممارسة أن هناك مسافة بين هذا النمط من الصداقة وبين التوقعات المبنية تاريخيا واجتماعيا على الممارسة والتجربة... إذ يكفي خلاف أو تناقض حول مسألة معينة لتنهار العلاقة الافتراضية.

*المشاعر العاطفية:

ذات الشيء يمكن قوله بخصوص ما ينشأ ويتشكل أو ينتج من علاقات أو مشاعر "عاطفية" على شبكات التواصل... هذه ظاهرة تستحق الدراسة العميقة لأن آثارها وما يترتب عليها من توقعات وخيارات تؤدي لنتائج اجتماعية ونفسية بعيدة المدى...
فغالبية هذا النمط من العواطف التي يجري بناؤها والتعبير عنها على صفحات التواصل الاجتماعي هي أيضا عواطف افتراضية.. أو لنقل عواطف لم تخضع ولم تمر في اختبارات واقعية وحقيقية.. إنها تتشكل بناء على تصورات وعلى مخيال ليس له علاقة بحقيقة كل فرد كما هي: وعيه، ثقافته، سلوكه، سماته الشخصية.. وغير ذلك من تفاصيل مهمة... فشبكات التواصل الاجتماعي تبيح للفرد أن يقدم نفسه بتلك الصورة المثالية التي يريدها... مما يخلق توقعات ورهانات ووهم عاطفي يقود في الغالب إلى صدمة عاطفية حين تتكشف الحقائق والتفاصيل، وخاصة حين تنتقل العلاقة من الافتراضي إلى الواقع في بعض الحالات... حيث تنفجر التناقضات العميقة التي تعبر عن الخلافات في مستويات وحقول كثيرة لا تستطيع عواطف الأفراد المفترضة أن تصمد أمامها.... ذلك لأن بناء العواطف على شبكات التواصل يشبه بناء صورة رومانسية متخيلة للشريك وليس كما هو في واقع الحياة الملموس.
هذه الظاهرة في بعض أبعادها تعبر عن نوع من الهروب من القيود والضوابط المفروضة اجتماعيا.. باتجاه البحث عن تعويض أو إشباع نفسي عاطفي كحماية والتفاف على الكبت والانغلاق والقيود التي تفرضها العلاقات الاجتماعية في مجتمعات تفتقد للحرية الاجتماعية والحرية العاطفية.
وهم العلاقات والعواطف على صفحات التواصل الاجتماعي تؤسس لعملية تفكيك اجتماعي عميقة.. انفصال عن الواقع والتناقض مع البنى من خلال الرهان على علاقات مثالية ونموذجية تقدمها ثقافة شبكات التواصل... مما يقود لتمزقات نفسية واجتماعية عند اكتشاف المسافة الشاسعة ما بين المتخيل والافتراضي والواقعي الملموس.
قيم الاحترام
في هذا السياق تأتي أيضا عملية أو ظاهرة تفريغ قيم الاحترام الشخصي والإنساني من مضامينها... وهي ممارسة أصبحت تجري تلقائيا وعفويا في ضوء ما توفره شبكات التواصل والتكنولوجيا من إمكانات التواصل في الزمان والمكان.. ويشمل ذلك حرية التدخل والتعليق لمن يشاء وعلى ما يشاء وبالطريقة التي يشاء وفي الوقت الذي يشاء.. سواء كان يعرف أو لا يعرف الشخص.. وسواء كان يعرف أو لا يعرف في الحقل أو الموضوع قيد النقاش... نلاحظ ذلك من خلال التطاول الشخصي والشتائم وعدم الانضباط لأي من القيم التي كانت تفرضها المعرفة الشخصية والتواصل الحسي والحوار المباشر... يساعد في ذلك استخدام الأسماء الوهمية على شبكات التواصل بحيث لم يعد بمقدور الإنسان أن يعرف مع من يتم النقاش وممن يأتي هذا التعليق أو ذاك
هذه العملية تنتقل برد الفعل من مستوى الدقة والاحترام للأشخاص وآرائهم التي تفرضها المعرفة والتواصل المباشر وما يرتبط بذلك من منظومات سلوكية إلى ردود فعل لا تقيم وزنا للياقة الاجتماعية.. ففي ظل علاقات غير مباشرة وافتراضية يشعر الإنسان أنه لم يعد مقيدا بتلك النواظم.. وخاصة من قبل الأجيال الشابة التي لا تمتلك الوعي والخبرة على هذا الصعيد... فبما أن الإنسان على شبكات التواصل الاجتماعي لا يعرف الآخر ولا يواجهه مباشرة ولا يستشعر ردود فعله ولغة جسده وصوته.. فإنه يصبح متحررا من النواظم وبهذا فهو يستخدم الحرية المتاحة بدون قيود، فيشتم ويغضب ويتطاول ويقول بدون أي رادع أو مرجعية... بمعنى أنه يستخدم جرأته الافتراضية في مواجهة جمهور افتراضي... وبذلك يشعر أنه متحرر من أية قيود بما في ذلك قيم الاحترام
بل وتصل عملية ضرب قيم الاحترام حتى في العلاقات المباشرة إذ يحدث كثيرا أن تلتقي مجموعة من الأصدقاء أو العائلة أو في لقاء.. فيبدو الكل مشغولا بهاتفه النقال... وكأن العلاقة الجارية على شبكة التواصل أهم من الحضور الفعلي والتفاعل المباشر
التحشيد الغريزي ووحدة المجتمع:
ما تقدم هو بعض الظواهر والأثار ولكن هناك ظاهرة لا لها تأثيرات جماعية أكثر شمولية وتتمثل فيما توفره شبكة التواصل من إمكانية للتحشيد والتحريك الاجتماعي الغريزي حول موقف أو حادث ما، حيث تتحول شبكات التواصل إلى ما يشبه الميدان الذي تتحرك فيه القطعان فيتم تحريكها وتوجيهها في كثير من الأحيان من قبل قوى خفية منظمة ولأهداف في غاية الخطورة..
إذ يكفي مثلا إطلاق إشاعة أو تبني موقف ما تجاه حادثة عادية جدا دون توضيح سياقاتها وملابساتها حتى تنفلت الجموع من عقالها.. فتبدأ بالتحشيد والتحريض الذي عادة ما يستخدم الوعي الجمعي والذاكرة لكي ينجح في توجيه حركة "القطيع" .. كاستخدام الدين مثلا، الطائفة، الأصل الإثني وغير ذلك من محفزات فطرية أو غريزية...
تكمن خطورة هذه الظاهرة حين يتم الاشتغال عليها وتوظيفها من قبل قوى خارجية مناهضة للشعب أو الأمة أو المجتمع... حيث تقوم تلك القوى، التي تكون قد أخضعت مسبقا المجتمع للدراسة بهدف معرفة تناقضاته وخصوصياته وتمايزاته، بتوجيه النقاشات من أجل تغذية الخلافات والتناقضات الثانوية وإطلاق ديناميات الصراع والتفكيك الذاتي .. ما يقود إلى ضرب مفهوم الوحدة والنسيج الاجتماعي والوطني... يحدث هذا حين يتم وضع الخصوصيات والجزئيات الاجتماعية والدينية والثقافية والفئوية والسياسية في مواجهة تناحرية مع ركائز الانتماء الوطني والهوية الجامعة
التفاعل الثقافي ومفهوم النقد
في هذا السياق نقاش دور وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي تأتي إشكالية التعامل مع الشأن الثقافي ومقاربة المنتوج الثقافي... فكم يبدو غريبا وسرياليا الكثير مما نشاهده ونقرأه ونسمعه على شبكات التواصل الاجتماعي بما يتعلق بحقل الثقافة... فمن الغرائب مثلا أن يقوم بضعة "مثقفين" باستغلال الفرصة التي يوفرها هذا الفضاء المفتوح ليشكلوا ما يمكن أن أدعوه "عصابة أو شلّة ثقافية" تشبه إلى حد بعيد عصابات/شِلل المراهقين في الحارات.. حيث تدعي تلك "العصابات" أنها الأحرص على الثقافة.. ويتبدى ذلك "الحرص" دائما على شكل "نقد"، في الواقع رفض، كل شيء وكيفما اتفق... فلا يعجبهم شيئا... والغريب جدا هنا هو أننا نسمع منهم جعجعة فقط ولكن لا نرى طحينا... ليتنا نجد بعض الطحين لكي نتزود "برغيف خبز أو حتى ولو كسرة" ثقافية
الانتاج والإبداع بصمت ودأب لا يهم تلك "الشلل" التي وجدت في فضاء شبكات التواصل الاجتماعي المفتوح الفرصة لتخرف وتهرف بكل شيء دون حسيب أو رقيب... ( لسان الحال: أنا حر.. هذا رأيي).
يعتقد هذا النمط من "المتثقفين" أن الفعل الثقافي هو مجرد حملة علاقات شخصية، ولقاءات ثرثرة وشتائم أو"تقييم" الشأن الثقافي على فنجان قهوة في الأمسيات ... لهذا نلاحظ أن الكثير من النقاشات "الثقافية" التي تجري على صفحات التواصل لا تناقش عملا أو نصا أو إبداعا بل تتركز على الأشخاص وليس على إنتاجهم، سواء كان جيدا أو غثا... 
حسنا قد يكون الإنتاج الثقافي كذلك أو لا يكون.. لكن ليتنا نقرأ تحليلا نقديا لهؤلاء الشتامين يبين لنا كيف أن هذا المنتوج الثقافي ردئ أو جيد... والأهم ليتهم يقدمون لنا جيدهم إن كان لديهم وليتركوا الحكم والتقييم للناس والزمن... هذا لا يعني حكما قاطعا وعاما... فهناك نقاشات وكتابات وإبداعات ثقافية تستحق الاحترام العالي... لكنها كثيرا ما تضيع أو لا تأخذ حقها في غمرة الاشتباك الذي يجذب أيّاً كان ليشارك في سوق النقاش المفتوح دون أية ضوابط أو معرفة
النقد الأدبي والاجتماعي هو علم تأسس وتطور عبر صيرورة معقدة وتاريخية.. فأصبحت له مدارس تأسست في سياق ذلك الاشتباك المعقد ما بين الأدب والثقافة ارتباطا بالنظريات الاجتماعية التي تعود في مرجعياتها إلى التطورات الاجتماعية في الواقع السياسي والاقتصادي وتطور قوى وعلاقات الانتاج (فهناك المدارس التي تستند في مقارباتها إلى المدرسة التفكيكية وهناك ما يستد إلى المدرسة التركيبية وهناك ما يعتمد على مدرسة علم النفس، أو المدرسة الكليّانية (الغشتالت) أو المدرسة الواقعية وغيرها الكثير) .. بمعنى أن النقد هو علم له نظرياته ومنهجياته وأسسه وأصوله وفصوله.. إنه ليس ملاسنات "مراهقين" كما ليس مناسبة لتصفية الحسابات في العلاقات الشخصية المتوترة.. كما ليس منافسات في الشتائم... فحين يقف الإنسان أمام عمل إبداعي وفي أي حقل، ولكي يحاكمه ويقيمه عميقا فإن ذلك مشروط بتقديم الأسس المنهجية التي سيعتمدها في محاكمة ذلك العمل... في هذا السياق تجري مقاربة العمل بذاته وإخضاعه للتحليل الجدي.. ولا يحضر المبدع كشخص في التحليل إلا بقدر ما يوضح ويخدم النقاش .. أي بهدف إحالة منتوج الفرد لسياقاته الاجتماعية والتاريخية الكبرى بوضوح وصرامة ودقة.. بمعنى أنه لا يكفي أن يقول الإنسان مثلا هذا هابط.. أو هذا سفيه... أو هذا رائع، يجب أن يبرهن علميا على ذلك.. وإلا سيصبح "النقد" مجرد ألعاب خفة في الكلمات... تستهوي الهواة ولا تثير الخيال.. 
الفكرة أن النقد هو جزء من تطور الإبداع، فجدل العلاقة ما بين المبدع والإبداع والناقد ونقده هي عملية جدلية وعميقة... إنها تشكل شرطا للتطور ولإغناء التجربة.. بهذا يكتشف المبدع الثغرات والسلبيات فيحاول أن يتجاوزها في أعماله اللاحقة... أما الهلوسات والتوهيمات والإيحاءات الساذجة فهي مجرد تعبير عن أزمة وعي ومعرفة وضحالة فكرية... 
يرتبط بهذه الظاهرة أو الإشكالية؟؟ ظاهرة لا تقل خطورة وتتمثل بشيوع السرقة الأدبية سواء على شكل انتحال نصوص كاملة أو سرقة فكرة وإعادة كتابتها بطريقة مختلفة.. أو من خلال إيراد اقتباسات واستشهادات دون التنويه للمصدر... بالمناسبة هذه الإشكالية في واقعنا عميقة حتى عند كثير ممن يدعون أنهم باحثون علميون.. حيث كثيرا ما يستخدمون معلومات أو أفكار دون التنويه للمصدر.
المنتوج الثقافي ليس شأنا شخصيا ذلك لأنه يخاطب الوعي الجمعي ويؤثر فيه.. من هنا يجب الارتقاء بالنقد لهذا المستوى الرفيع.. وذلك بهدف كشف التناقض أو الخلل أو الضعف في الإبداعات الثقافية... كشف نقاط الضعف والقوة والأبعاد الجمالية والاجتماعية... وايضا تحليل وقراءة سياقاتها الاجتماعية والنفسية لكي نتعلم كيفية تأثيرها في الوعي الاجتماعي العام
خلاصة
شبكات التواصل الاجتماعي وثورة الاتصالات باتت ظاهرة إنسانية موضوعية.. لا يمكن إلغاؤها.. وهي ظاهرة تعيد تشكيل الوعي والعلاقات وفق مضامين وممارسة جديدة... وهي بقدر ما تشكل ثورة معرفية إيجابية في التجرية الإنسانية فإنها مثلها مثل أي تطور علمي لها تأثيرات جانبية سلبية... هذا يستدعي من الدولة ومؤسسات المجتمع السياسية والمنظمات الأهلية والمثقفين والإعلاميين والباحثين الاجتماعيين وعلماء النفس والتربية وغيرهم.. الوقوف أمام هذه الظاهرة ودراسة تأثيراتها في مختلف مناحي الحياة والواقع الاجتماعي.. وجعلها عنوانا وموضوعا دائما للبحث والنقاش بهدف تأسيس وعي اجتماعي عام لمواجهة أثارها ومخاطرها الكبرى.. وأن يجري التخطيط لكي تكون هذه العملية علمية ومستمرة وخاصة على صعيد تأثيراتها على فئة الشباب... وذلك بهدف بناء وعي وقناعة اجتماعية حول كيفية الاستفادة القصوى من الإمكانيات التي توفرها هذه الثورة العلمية المعرفية... وفي ذات الوقت تحييد آثارها السلبية وتعزيز وحدة المجتمع وترسيخ قيم الحرية من على قاعدة المسؤولية والاحترام... وربما أيضا نقاش الأبعاد القانونية والتشريعية التي تساعد في ضبط استخدام هذه الشبكات بما يمس مصالح الشعب والمجتمع العليا وخصوصيات الأفراد.

متعلقات
انشر عبر