على مدار الساعة
أخبار » منشورات

جرابلس واستعادة الأملاك العثمانية

28 آيار / أغسطس 2016
جرابلس - Google
جرابلس - Google

اسطنبول_ خاص بوابة الهدف

إنّ ما حدث في منطقة جرابلس شمال سوريا، هو احتلال عسكري تركي لجزء من الأراضي السورية، لا يحمل فقط صفة التصعيد، ولكن أيضاً يحمل ملامح الطموح التركي في المنطقة.

التدخل التركي جاء مغطىً بطبقات متعددة من الذرائع، فما أُعلِن منها هو كون هذا الهجوم جزءًا من عمليات مكافحة الإرهاب، وهو أمر يُعتبر عرضةً للتشكيك الكبير من معظم المتابعين، فتركيا داعمٌ أساسيّ للعديد من قوى المعارضة المسلحة الشريكة مع جبهة النصرة المصنفة كفصيلٍ إرهابي، وهو ما دفع المتابعين لتفسير التدخل التركي بكونه ضربة استباقيةً لمنع قيام كيانٍ كردي متصل بالشمال السوري المتاخم للحدود التركية.

الدرجة الكبيرة من الجزم التي تحدث بها المحللين عن استراتيجية الأمن القومي التركي القاضية بمنع قيام كردي كسبب للتدخل العسكري التركي المباشر تحمل في طياتها تبنٍّ للرواية التركية بشقيْها: الرسمي المعلن وغير المعلن صراحةً، والتي تتشعب لتتحدث عن مخاطر قيام كيان كردي في الشمال السوري على تركيا، عبر حديث تفصيلي عن إمكانية نجاح هذا الكيان أولاً في المساعدة بقيام كيان كردي في المناطق الكردية داخل الحدود التركية، وكذلك نجاحه في خلق مانعٍ متصلٍ بين تركيا وسوريا.

ويتجاوز هذا التنظير عدد من الاعتبارات الموضوعية التي لا يمكن إغفالها، خصوصاً من محللين عرب وليس أتراك، فحماية تركيا لوحدة أراضيها ومنع انفصال الأكراد في الجنوب "المُتاخم للحدود الشمالية السورية" لا يمكن منعه عبر مواجهة الأكراد السوريين، فهناك أقلية كردية ذات مطالب استقلالية تاريخية في هذه المناطق من تركيا تسبق المطالب الاستقلالية لأكراد سوريا بكثيرٍ، كما أن أيّ دولة إقليمية كانت لتُرحب بوجود كيان عازل بينها وبين الساحة السورية الملتهبة والمرشحة لتصدير الجهاديين لكافة الجيران، وهو دورٌ كان سيلعبه الكيان الكردي في الشمال السوري، وبالتأكيد فإن هذه الرؤية لم تغِب عن الأمريكيين الراغبين بتحصين حدود الأطلسي في وجه هذا التهديد المحتمل.

واللافت هنا أنه منذ بداية تفاعل تركيا مع الأزمة السورية يجري الحديث عن طموحات تركيا لتوسيع دورها في المنطقة، لكن في ظل تجاهل كبير لطبيعة التركيبة الحاكمة في تركيا اليوم ورؤيتها للمنطقة.

طموحات النخبة التركية الجديدة:       

لطالما نظر حزب العدالة والتنمية الحاكم للإمبراطورية العثمانية الزائلة كمثال لما يجب أن تكون عليه تركيا، ولدورها المستقبلي في هذا العالم، وهو ما تتشاركه مع هذا الحزب قطاعات واسعة من النخبة السياسية التركية الجديدة، وفي سياق هذه الرؤية هناك اعتبارين اساسيين يحضر كل منهما بقوة :

  •  يتم النظر الى سوريا والعراق على أنهما أملاك عثمانية تم اقتطاعها على يد الغربيين، وإلى المنطقة العربية كمنطقة لطالما تبِعت للأسِتانة عاصمة الدولة العثمانية وعمل سكانها في خدمة المصالح العثمانية إبّان عهد تلك الإمبراطورية الضخمة.
  • ضرورة وجود صلة بين الشعوب التركية المختلفة، والمقصود بها شعوب تلك الدول الناطقة باللغة التركية في آسيا الوسطى، والذي يشمل أيضاً ما يزيد عن 20% من سكان إيران (وهم إيرانيين ذوي أصول تركية يحملون المذهب الشيعي ويُطلَق عليهم الأذر)، هذا الشق تحديداً لم ترِثهُ تركيا عن الشق الإسلامي في الهويّة العثمانية ولكن عن رغبات حركة الاتحاد والترقي والقائد العسكري انفر باشا الذي عمل على توجيه الجهد العسكري العثماني لاحتلال هذه المنطقة إبّان الحرب العالمية الأولى.

 اتصالاً بهذه الرؤية يجري البحث جدياً في تركيا عن إمكانيات تفعيل اتفاقية لوزان القاضية بإعادة منطقة الموصل العراقية لتركيا بعد 99 عام من تسليمها للحلفاء البريطانيين والفرنسيين، وكذلك يجري الحديث عن حلب والشمال السوري كمناطق نفوذ ملحقة بتركيا، وعن الجمهور السوري كما لو كان جزءًا من رعايا الدولة العثمانية الجديدة.

ولتمثيل الأمر للقارئ العربي يمكن القول أن هذا مماثل لنظرة أي حزب قومي عربي لضرورة وجود وحدة قومية عربية، فلا يمكن أن نتخيل حزب البعث أو أي حزب قومي أو ناصري لا يحمل أُمثولات الوحدة العربية ويسعى لتحقيقها.

اليوم وفي ظل اتضاح استحالة اسقاط النظام السوري بالقوة العسكرية المباشرة أو غير المباشرة، في ظل الدعم الروسي والإيراني ميدانياً وسياسياً الذي يمنع حدوث زخم دولي كافي لإسقاط النظام، وبشكل أكبر بات من الواضح انغلاق الباب أمام أي طموحات تركية لتنصيب حكومة موالية لها في دمشق، باتت الرغبة التركية تتخذ مساراً آخراً، وهو البحث في إمكانية استفادتها من الأزمة السورية بشكلٍ محدد، لا يتضمن بالضرورة تغيير النظام السوري وطبيعة الحاكمين في دمشق، ولكن بضم مناطق الشمال السوري للقبضة التركية، وهو طموحٌ يمتدّ أيضا لمناطق العراق الغنية نفطياً، وهنا لا يمكن الاعتداد كثيراً بما تقوله السياسة التركية حول حرصها على وحدة سوريا.

ما يدعم هذه الفرضية هو ارتباط السياسات الخارجية في عالمنا اليوم بالرؤى والتنظير الداخلي، وعدم وجود إمكانية واقعية لفصل ما هو داخلي عما هو خارجي، فطموحات تركيا في سوريا والعراق وغيرها من دول المنطقة تتصل بنظرة الأتراك الحاكمين اليوم لذاتهم ودورهم في هذا العالم، ولنا أن نعتبر أن اختيار ذكرى معركة مرج دابق التي سيطر فيها العثمانيين على بلاد الشام كموعد انطلاق للتدخل التركي في سوريا لم يكن عفوياً على الإطلاق.

متعلقات
انشر عبر