Menu
حضارة

الاقتصاد السياسي لحكم حماس في غزة

حسن شاهين

أرشيف: مسيرات حركة حماس في غزة

ثمن أن تحكُم غزّة

على ضوء تصريحات القيادي في حركة حماس، محمود الزهار، الأخيرة حول دولة أو إمارة في غزة؛ يحاول هذا المقال تفنيد مزاعم استقلال غزة تحت حكم حماس، من زاوية اقتصادية.

تتجنب حركات المقاومة المشاركة في العملية السياسية الرسمية، إلا في الحدود الدنيا (كحالة "الشين فين" الجناح السياسي للحزب الجمهوري الأيرلندي، قبل اتفاقية الجمعة العظيمة، أو حزب الله في لبنان قبل مشاركته في حكومة نجيب ميقاتي، حزيران 2011)، وحتى أنها غالباً ما تعارض أو حتى تعادي سلطات الحكم ذاتي، وترى أنها تؤدي دوراً وظيفياً لصالح المُحتَل. وهذا كان رأي حماس في السلطة الفلسطينية قبل أن تقدم على الانفراد بتشكيل حكومتها بعد فوزها بانتخابات 2006، ثم سيطرتها على غزة بقوة السلاح في حزيران/يونيو 2007.

سيطرت حماس على غزة، واقتصاد القطاع يعتمد بشكل رئيسي على التحويلات المالية الخارجية، التي أصبحت عصب الحياة بالنسبة له في ظل التراجع الحاد في مساهمات القطاعات الإنتاجية المختلفة في الناتج المحلي، منذ بدء الانتفاضة الثانية، وازداد هذا التراجع مع تشديد الحصار وإعطائه بعداً دولياً من قبل الرباعية الدولية بعد تشكيل حكومة هنية الأولى. والأمر كذلك؛ كان لا بد لأي إدارة تحكم غزة أن تحافظ على تدفق هذه التحويلات المالية ليبقى اقتصاد القطاع حياً، وإن في غرفة الإنعاش.

وعكست أرقام الموازنة العامة لحكومتي غزة والضفة، هذه الحالة بكل وضوح، حيث تشير أرقام حكومة غزة للعام 2010، إلى أن إجمالي الإنفاق العام بلغ (528,807) مليون دولار، فيما بلغت الإيرادات المحلية حوالي (55) مليون دولاراً فقط،  أي حوالي 10.4% من إجمالي النفقات العامة، والـ90% الأخرى تغطيها المساعدات الخارجية التي تأتي من حلفاء حماس وداعميها. 

علماً بأن السلطة في رام الله تُحوِّل حوالي مليار ونصف المليار دولار سنوياً إلى غزة، جزء منها لتشغيل خدمات الصحة والتعليم والطاقة ودعم البلديات، والجزء الآخر -الذي يشكل معظمها- يُصرف على شكل رواتب للموظفين. 

أي أن ما يحوّل من أموال من سلطة (فتح) في رام الله إلى غزة، يعادل ثلاثة أضعاف إجمالي الموازنة العامة لحكومة حماس في القطاع، كما تشكل الأموال التي تدفعها السلطة في رام الله حوالي 63 % من الناتج المحلي لقطاع غزة الذي بلغ عام 2011: (2,438) مليار دولار.  وبالتالي فإن شريان الحياة لاقتصاد قطاع غزة يأتيها عبر رام الله، وبدون هذه الأموال تتوقف الدورة الاقتصادية في القطاع بالكامل تقريباً، وهو ما يلمسه سكان القطاع عندما يتأخر صرف رواتب موظفي غزة في السلطة الفلسطينية (حكومة رام الله)، حيث تتراجع حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ، ويهبط النشاط الاقتصادي عموماً إلى أدنى مستوياته.

هذه الأرقام على دلالتها تعكس جانباً من الواقع فقط؛ فالأموال المحوّلة من رام الله هي في معظمها عبارة عن مساعدات خارجية تتلقاها حكومة السيد رامي الحمد الله من أطراف دولية عدة، أبرزها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية. أي أن الجهات الخارجية الداعمة للسلطة الفلسطينية بإمكانها في أي لحظة وقف تمويل السلطة أو تقليصه، وإجبار هذه الأخيرة على عدم تحويل أي أموال لغزة، بعد أن تُخصم حصة غزة من مساعداتها، وبالتالي تَحُول دون وصول أي فلس من رام الله إلى غزة. وهذا ليس كل شيء، فالأموال تُحَوّل إلى غزة بشكل رسمي عبر عملية مقاصة تشرف عليها إسرائيل وتمر من خلالها، وذلك حسب الآلية التي نظمها بروتوكول باريس الاقتصادي، وبإمكان دولة الاحتلال أن توقف التحويل متى شاءت، وقد قامت بذلك أكثر من مرة، وتسببت بأزمات نقدية خانقة داخل القطاع على فترات.

مرة أخرى، الوضع هو كالتالي: حماس تحكم إقليماً اقتصاده غير مُنتج، وبحاجة إلى التحويلات المالية الخارجية ليبقى على قيد الحياة ولو ضمن الحدود الدنيا، وإيرادات حكومة حماس تغطي فقط 10% من نفقاتها، والتحويلات المالية الداخلة إلى القطاع في معظمها؛ تأتي من جهة على خصومة مع حماس، وتُحَوّل عبر جهة معادية لحماس، وبتمويل من جهات تعتبر حماس حركة إرهابية. وحتى الأنشطة الاقتصادية التي قامت بها حماس في القطاع مستغلة سيطرتها عليه (مشاريع عقارية وتجارة الأنفاق وغيرها) جميعها مشاريع تجارية تعتمد بشكل أساسي على القوة الشرائية للمواطنين المتأتية بمعظمها من التحويلات المالية الخارجية.

والحال هذه، كيف يمكن لحماس أن تحافظ على خيارات سياسية متعددة وعلى قرار سياسي مستقل؟ بإمكان حماس أن تقول ما تشأء حول أنها لم ولن تُقَدّم أي ثمن سياسي لحكمها في غزة، لكن في جردة حساب سريعة نجد أن الحركة خلال سنوات سيطرتها الثماني على غزة، قبلت لأول مرة بحل دائم على حدود 1967، شريطة موافقة الشعب الفلسطيني عليه (بعد أن كانت فلسطين أرض وقف إسلامي ليس من حق أحد حتى الشعب الفلسطيني التفريط بشبر منها).  كما أنها قبلت بالتفاوض مع إسرائيل، وهو ما أعلنه صراحة القيادي في الحركة نايف الرجوب في حوار مع صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بتاريخ 17 آب/أغسطس 2013.

إن استمرار حكم حماس لقطاع غزة أنتج داخلها –ويُنتج- تحولات على الصعيد الأيديولوجي والسياسي ستنتهي بها مع الوقت إلى القبول بكل ما قبلت به قيادة فتح وربما أكثر. واليوم، رغم كل التقدير لأداء المقاومة في غزة ومن حماس تحديداً؛ إلا أن السلطة الفلسطينية في غزة ما زالت تضطلع بالدور الوظيفي المطلوب منها إسرائيلياً رغم تغَيُّر من يديرها. الدور الذي أُنشأت سلطة الحكم الذاتي بالأساس لتقوم به، وهو رفع عبئ المدنيين الفلسطينيين عن كاهل دولة الاحتلال، دون إنهاء الاحتلال.

الهوامش:

1-     مؤتمر صحفي للنائب جمال نصار، رئيس لجنة الموازنة والشؤون المالية في المجلس التشريعي، منشور على موقع الجزيرة نت على الرابط: http://aljazeera.net/NR/exeres/E8A3462E-5D23-47F0-BAEB-E3E0E00D8C67.htm?wbc_purpose=HH%5C.

2-     بحسب بنود موازنة حكومة حماس للعام 2010، والتي حصل عليها الكاتب من مصدر داخل وزارة المالية في الحكومة نجد أن: النفقات الجارية بلغت (412,378) مليون دولار، أي (78)% من إجمالي الموازنة، وبالتالي فإن ما تنفقه حكومة حماس داخل غزة على التطوير والبناء لا يتعدى (127) مليون دولار فقط.

3-     بحسب بيان وزير مالية السلطة الفلسطينية في رام الله، المرفق مع قانون الموازنة العامة للسلطة لسنة 2012، والصادر بتاريخ 27 آذار 2012، فإن (45)% من النفقات الجارية للسلطة -والتي تشكل الرواتب معظمها- تذهب إلى غزة. وبعد مراجعة الموازنة العامة للسلطة تبين أن بند إجمالي النفقات الجارية يعادل (3,365) مليار دولار، أي أن نصيب غزة يعادل (1,514) مليار دولار.

4-     الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، الناتج المحلي الإجمالي والإنفاق عليه حسب المنطقة للأعوام 1994-2011 بالأسعار الجارية،

 http://www.pcbs.gov.ps/Portals/_Rainbow/Documents/ExpCurrentA1994-2011.htm

5-     أنظر حوار أجراه خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، مع قناة البي بي سي البريطانية، 28/5/2010.