Menu
حضارة

لماذا أخفق الإصلاح الدينى فى الإسلام؟

أرشيف

د. علي مبروك

إذا كان الانشغال بالمسألة السياسية هو الأصل فيما أصاب خطاب النهضة العربية الحديثة، على العموم، من الإخفاق والعجز، فإنه يجوز تصوّر أن يكون هذا الانشغال ذاته هو الجذر الغائر لما طال الإصلاح الدينى فى الإسلام من العجز والإخفاق ذاتهما. ويتفرع ذلك عن حقيقة أن الإصلاح الدينى قد نشأ، هو نفسه، بوصفه أحد الصور- أو حتى الأقنعة- التى يشتغل بها، ومن ورائها، خطاب النهضة العربية الحديثة. وبالطبع فإن ذلك يلزم عنه أن يتحدد الإصلاح بذات المحددات الحاكمة لخطاب النهضة على العموم؛ بمعنى أنه إذا كانت السياسة هى المحدد الحاكم لخطاب النهضة الحديثة، فإنها قد راحت تمارس ضغوطها على الإصلاح وتوجه خطابه على نحوٍ شبه كامل. ولسوء الحظ، فإن هذه الضغوط السياسية على الإصلاح قد انتهت به إلى المآلات التعيسة التى انتهى إليها كل شيء فى العالم العربي؛ حيث لم يحصل منها العرب إلا على «الإسلام السياسى» الذى استحال إلى راية سوداء تحارب تحت ظلالها الفيالق المنفلتة الهائجة التى تنخرط الآن فى نشر الخراب والفوضى فى مشرق العالم العربى ومغربه.

ويرتبط ذلك بما تؤول إليه السياسة من إجبار الخطاب، الذى تصبح مركزاً له، على الانشغال بكل ما هو «إجرائى»، على حساب ما يمكن القول إنه الإهدار الكامل لما هو «تأسيسى». وهكذا، فقد وجهت السياسة خطاب النهضة العربية الحديثة إلى الوقوف عند محض الجوانب الإجرائية فى الحداثة الأوروبية التى اصطدم معها عند بداية القرن التاسع عشر؛ بمعنى أنه لم يعرف إلا مجرد استهلاك منتجاتها البرانية الصلبة. وكان ذلك، بالطبع، على حساب الإهمال شبه الكامل للقيم والمبادئ التأسيسية الكبرى التى هى الأساس الجوانى الذى أنتج الحداثة نفسها. وهكذا مثلاً، فإن الخطاب قد انشغل باستهلاك المنتج النهائى للعلم الحديث، من دون أن ينشغل بامتلاك «العقل الحديث» بوصفه المبدأ التأسيسى الذى قام عليه بناء هذا العلم نفسه. بل إن الخطاب قد راح يجاور بين استغراقه فى استهلاك المنتجات البرانية للعلم الحديث، واشتغاله بذات «العقل التقليدى» الموروث. ولقد كان من الحتم أن تصبح «التلفيقية»- والحال كذلك- هى السمة الجوهرية لخطاب النهضة؛ وبالكيفية التى كان لابد أن تنتهى به إلى مآلاته التعيسة.

خطاب الإصلاح بين التوفيق والتلفيق:

ليس من شكٍ فى أن هذه «التلفيقية» هى ما ستجعل الطهطاوى يضع «تدبير السياسة الفرنساوية» القائم على «إن ملك فرنسا ليس مطلق التصرف، وإن السياسة الفرنساوية هى قانونٌ مقيَّد»(1)، إلى جوار «تدبير الدولة المصرية» القائم على «إن للملوك فى ممالكهم حقوقاً تسمى بالمزايا، فمن مزايا الملك أنه خليفة الله فى أرضه، وأن حسابه على ربه، فليس عليه فى فعله مسؤولية لأحدٍ من رعاياه»(2). ولقد كان ذلك بمثابة التجسيد الفعلي- فى مسألة بعينها- لحقيقة أن الطهطاوى لم يفعل على العموم إلا أن طلب من التراث الأشعرى أن يرقد فى سلام، كمكوِّن جوانى، تحت زخارف الممارسة الحديثة، كمكوِّن برانى، ليتشاركا معاً فى بناء خطابه الذى لا يزال يشتغل- فى عالم العرب- حتى الآن. وهكذا، فإن مبدأ «التحسين والتقبيح العقليين»، ذو الأصل المعتزلى، الذى استخدمه الطهطاوى كجسرٍ  ينقل بواسطته ممارسة المُحدثين إلى عالمه، قد كان عليه أن يتجاور مع مبدأ «نفى السببية» الأشعري؛ القاضى بأن «التأثير فى الحقيقة للمولى سبحانه وتعالى، وأن إطلاق لفظ المؤثر على السبب إنما هو باعتبار الظاهر»(3). وكان ذلك يعنى أن ما يستحيل قيامه إذا غابت السببية (وهو مبدأ التحسين والتقبيح العقليين) عليه أن يشتغل إلى جوار مبدأ «نفى السببية» المناقض له؛ وعلى النحو الذى بدا معه أنه خطاب النقائض المتجاورة.

ولقد راحت هذه التلفيقية نفسها تضرب خطاب الإصلاح الدينى بقوة؛ وإلى الحد الذى انتهى به إلى نهاياته الدامية التى يتردى فيها العرب الآن. وهنا، فإنه إذا كانت هذه التلفيقية قد ظهرت صافية عند رجل الإصلاح الأول (جمال الدين الأفغاني) ابتداءً من الهيمنة الكلية للمسألة السياسية على خطابه، فإن خفوت صوت السياسة عند تلميذه محمد عبده قد جعل التلفيقية عنده أقل بروزاً مما هى عليه عند أستاذه. وإذ سيعود صوت السياسة زاعقاً مع رشيد رضا (تلميذ الأستاذ الإمام)، بسبب التطورات التى ستبلغ ذروتها مع إعلان سقوط الخلافة، فإن الأمر سيتجاوز- مع ورثة رضا- مجرد البناء «التلفيقى» إلى الانقلاب من «الإصلاح» إلى «الإسلام السياسى».

فإذ بدا للأفغانى أن من سمّاهم «المغفلين من الإفرنج»، يردون ما يعيشه «المسلمون من فقرٍ وفاقة وتأخر فى القوى الحربية والسياسية عن سائر الأمم»(4)، إلى الإسلام وعقائده، فإن سعيه إلى دفع هذا الاتهام قد جعله يتبنى آلية اعتذارية تقوم- على نحوٍ أساسي- على تصور أن ما يرد إليه الإفرنج «تأخر المسلمين» ليس هو الإسلام/الأصل، بقدر ما يمثل نوعاً من الإسلام/ المُحرَّف/ المُشوَّه الذى صنعته عصور الانحطاط. وكالمُتوَقع، فإنه يمكن تصوُّر أن استعادة هذا الإسلام/الأصل النقى تمثل جوهر ما يُقال إنه خطاب الإصلاح الذى انشغل بتجديد الإسلام فى القرن التاسع عشر.

وإذ الإسلام/الأصل هو إسلام ما قبل التأويل، فإنه يبدو- لسوء الحظ- أن تحليلاً لتفكير رجل الإصلاح يكشف عن أن الإسلام المُستعاد عنده لم يكن الإسلام/ الأصل (على فرض أن هناك مثل هذا الإسلام حقاً)، بقدر ما كان بدوره من قبيل الإسلام المؤّول. وبالطبع، فإن ذلك يعنى أنه إذا كان الإسلام/ المُحرَّف هو كذلك، لأنه ليس أصلاً، بل مؤّولاً، فإن ما راح الإصلاحيون يستعيدونه على أنه الإسلام/الأصل قد كان- وللغرابة- إسلاماً مؤّولاً أيضاً. فإن ما كان يستدعيه رجال الإصلاح كأصل، لم يكن إلا مجرد أحد التأويلات التى اتسع لها الخطاب الذى تحققت له السيادة فى الإسلام. وينشأ ذلك عن حقيقة أن هذا الخطاب المهيمن يتسع لأقوالٍ وتأويلات لا يلغى ما قد يقوم بينها من الاختلاف حقيقة اندراجها تحت مظلته الواسعة، بحسب ما تنطق دلالة مفهوم الخطاب. وإذ الإسلام المُستعاد بوصفه الأصل/النقى هو- والحال كذلك- مجرد قولٍ مؤّول، فإن ذلك يعنى أنه لا يختلف- فى العمق- عن نقيضه المُحرَّف. بل إن الأمر يتجاوز مجرد ذلك إلى حقيقة أنه يكاد- وللمفارقة- أن يكون بمثابة إعادة إنتاج لنفس ما جرى النظر إليه على أنه الإسلام/ المُحرَّف، وإن كان على نحوٍ مراوغ أو مخفف نسبياً. يعنى ذلك أن ما يُقال إنه الإسلام/ المُحرَّف سوف يكون قادراً على أن يطوى تحت مظلته ما يتعامل معه رجل الإصلاح على أنه الإسلام/ الأصل. ولعل ذلك ما تؤكده قراءة مدققة لما كتبه الأفغانى حول عقيدة «القضاء والقدر» التى رأى رجل الإصلاح الكبير، أنها بمثابة «حصان طروادة» الذى يتسلل بواسطته الافرنج للنيل من الإسلام.

فهم (أى الإفرنج) يذهبون- على قوله- إلى أن المسلمين قد «قعدوا عن الحركة إلى ما يلحقون به الأمم فى العزة والشوكة، وخالفوا فى ذلك أوامر دينهم مع رؤيتهم لجيرانهم، بل الذين تحت سلطتهم يتقدمون عليهم ويباهون بما يكسبون....، ونسبوا إلى المسلمين هذه الصفات وتلك الأطوار، وزعموا أن لا منشأ لها إلا اعتقادهم بالقضاء والقدر، وتحويل جميع مهماتهم على القدرة الإلهية، وحكموا بأن المسلمين لو داموا على هذه العقيدة فلن تقوم لهم قائمة، ولن ينالوا عزاً»(5). ومن جهته، فإن الأفغانى يأخذ عليهم أنهم لم يفرِّقوا «بين الاعتقاد بالقضاء والقدر والاعتقاد بمذهب الجبرية القائلين إن الإنسان مجبور فى جميع أفعاله، وتوهموا أن المسلمين بعقيدة القضاء يرون أنفسهم كالريشة المُعلَّقة فى الهواء تقلِّبها الرياح كيفما تميل»(6)؛ وبما يحيل إليه ذلك من تمييزه القاطع بينهما. ومن هنا ما صار إليه من أنه «لا يوجد مسلم فى هذا الوقت من سنى وشيعى وزيدى وإسماعيلى ووهابى وخارجى يرى مذهب الجبر المحض، ويعتقد سلب الاختيار عن نفسه بالمرة، بل كل من هذه الطوائف المسلمة يعتقدون بأن لهم جزءاً اختيارياً فى أعمالهم، ويُسمى الكسب، وهو مناط الثواب والعقاب عند جميعهم»(7). وضمن سياق هذه المقابلة، فإنه لابد من توقُّع أن «الكسب» سيقوم- عند الأفغاني- مقام الإسلام/الأصل المقبول، وذلك فيما سيكون «الجبر» هو القول الناطق عن الإسلام/ المُحرَّف المرذول.

وبعبارة أخرى، فإن «الكسب» سيكون هو الأصل الذى جرى الانحراف عنه إلى «الجبر»؛ وبما لابد أن يترتب على ذلك من أن جوهر «التجديد» عنده سوف يتمثل فى السعى إلى استعادة الكسب/ الأصل، باعتباره النقيض الكامل للجبر/ الانحراف. ولعل ما يلفت النظر، هنا، هى تلك التسوية التى يقيمها الأفغانى بين الإسلام/ الأصل والكسب؛ وهى التسوية التى تستهدف التغطية على المضمون الأيديولوجى للكسب الذى يجعل منه مرادفاً للجبر على نحوٍ يكاد أن يكون كاملاً. ولسوء الحظ، فإنه يترتب على هذه التغطية انفتاح الباب واسعاً أمام تثبيت الجبر الذى يجرى استدعاء الكسب لكى يكون الأداة التى ترفعه؛ وتلك هى مفارقة التجديد التى تجعله يؤول- عند الأفغاني- إلى تثبيت نقيضه.

إذ تكشف هذه القراءة عن أن القول الأشعرى فى القضاء والقدر الذى اعتبره الأفغانى بمثابة الأصل/ المقبول لا يكاد يختلف، فى جوهره، عن القول الجهمى فيها الذى اعتبره، فى المقابل، من قبيل التأويل المرذول؛ وبما يعنيه ذلك من إمكان اندراج الواحد من القولين الجهمى والأشعرى تحت مظلة الآخر، رغم ما يبدو من تباينهما الظاهر. إذ يبدو أن جوهر التباين بينهما لا يتجاوز حقيقة أن أحد القولين (وهو الجهمي) يقرر «مذهب الجبر المحض» على نحوٍ صريح، فيما الآخر (وهو الأشعري) يقرر «مذهب الجبر» أيضاً، ولكن على نحوٍ مراوغٍ وملتبس. وبالطبع، فإن ذلك يعنى أن التجديد عند الأفغانى لا يتجاوز حدود استبدال مضمونٍ بآخر لا يختلف عنه إلا فى الدرجة، وليس فى النوع؛ وبما يؤكد على أنه يشتغل فيما دون نظام الخطاب الذى ينبغى أن تكون له الأولوية القصوى فى الاشتغال.

فالحق أن الكسب لا يختلف عن الجبر فى انتهائه إلى سلب القدرة الفاعلة عن الإنسان. فقد صار أصحاب نظرية الكسب من الأشاعرة إلى أن القدرة هى «صفة قديمة أزلية قائمة بذات الرب تعالى، متحدة لا كثرة فيها، متعلقةٌ بجميع المقدورات»(8)....ويعنون بالمقدورات «الممكنات كلها التى لا نهاية لها»(9). وهكذا، فإن القدرة تتسع لتتعلق بكل ما فى العالم من ممكنات بحيث «لا يمكن أن يُشار إلى حركة ما، فيُقال إنها خارجة عن إمكان تعلُّق القدرة بها»(10). وليس من شكٍ فى أن أفعال العباد هى من بين الممكنات التى تتعلق بها هذه القدرة الأزلية «المتعلقة بجميع المقدورات». إن ثمة «برهاناً قاطعاً على أن كل ممكن تتعلق به قدرة الله تعالى، وكل حادث ممكن، وفعل العبد حادث، فهو إذن ممكن، فإن لم تتعلق به قدرة الله، فهو محال»(11). ومن هنا ما «زعمه أبو الحسن الأشعرى من أنه لا تأثير لقدرة العبد فى مقدوره أصلاً، بل القدرة (الخاصة بالعبد) والمقدور واقعان بقدرة الله تعالى»(12). وبالطبع فإنه لا مجال، مع هذا النفى الكامل لقدرة العبد، للحديث عن «جزءٍ اختيارى للعباد فى أعمالهم، يُسمى بالكسب»(13)؛ حيث الكسب- فى حقيقته- ليس أكثر من حيلة لغوية للإفلات من الشناعات التى يتأدى إليها نفى قدرة العبد. فقد أدرك الأشاعرة أن «فى المصير إلى أنه لا أثر لقدرة العبد فى فعله قطعٌ لطلبات الشرائع»(14)؛ حيث إن إثبات هذا الأثر هو شرطٌ فى التكليف. وآنئذ فإنهم راحوا يلتمسون أثراً لقدرة العبد فى فعله عبر ما يقولون إنه الكسب.

الكسب الأشعرى والاستبداد السياسى:

هكذا، فإنه كان على الأشعرى أن يبسط نظرية فى الكسب صار فيها إلى أن الله تعالى هو خالق الأفعال جميعاً، وأن العباد كاسبون لها بقدرة حادثة مخلوقة لهم. فإن «الله قد أجرى سنته- حسب الأشعري- بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة، أو تحتها، أو معها، الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له، ويُسمى هذا الفعل كسباً، فيكون خلقاً من الله تعالى إبداعاً وإحداثاً، وكسباً من العبد (بالقدرة التى يُحدثها الله فيه طبعاً)»(15). ورغم كل شيء، فإن حيلة الكسب لم تفلح فى رفع عبء القول بالجبر عن الأشاعرة؛ لأنه يبقى أن القدرة التى يكسب بها البشر الأفعال التى خلقها الله لهم، ليست فقط مخلوقة من الله بدورها، بل إنها تكون فقط قدرة على الترك دون الفعل. وهكذا، فإنها ليست جوهراً أصيلاً فى الإنسان، بل هى مجرد عَرَضٍ يلحق به من الخارج؛ ولأن العَرَضَ لا يبقى- حسب الأشاعرة- زمانين، فإن القدرة بدورها لا تبقى، بل تزول فى حال زوال الفعل الذى تصحبه(16). ولا شك أن قدرةً هى محض عَرَضٍ زائل لا يمكن أن تكون عنصراً فى فعلٍ يمكن تنسيبه إلى الاختيار؛ ذلك إلا أن يكون مجرد الاختيار فى «الظاهر»، وأما فى «الحقيقة» فإنه لا مجال إلا للجبر، ولا شيء سواه. وهنا تحديداً تنبثق ثنائية الظاهر والحقيقة التى يستوعب من خلالها الأشاعرة نسبة الفعل إلى كلٍ من الإنسان والله؛ بمعنى أن الفعل يكون منسوباً إلى الإنسان فى «الظاهر» فحسب، وأما فى «الحقيقة» فإنه لا مجال لنسبته إلا إلى الله وحده. وبالطبع، فإنه ليس من معنى لتلك الثنائية إلا أن «الجزء الاختيارى فى الفعل» هو مجرد وهم ظاهرى، وأما «الجزء الجبرى فيه» فإنه الجانب الأكثر حقيقة فيه. وليس من شكٍ أبداً فى إثبات الاختيار- بالكسب- فى الظاهر، سيؤول- لا محالة- إلى تثبيت الجبر فى الباطن؛ وهى المفارقة التى لا تفارق فعل التجديد حين يشتغل تحت مستوى نظام الخطاب.

ولعل هذا التثبيت للجبر- فى الحقيقة- هو ما سينتهى إليه، بالفعل، الكسب الأشعرى الذى يستدعيه الأفغانى ليُصلح به الدين. ولقد راح هذا الجبر المتخفى وراء الكسب يسعى إلى تثبيت نفسه من خلال نظرية «الفاعل الأوحد» التى كانت الأساس النظري- أو حتى العقائدي- الذى ترتكن إليه الأوتوقراطيات العربية؛ سواء القديمة أو الحديثة. إنه ليس من شكٍ أبداً فى أن «الكسب» بمعنى إثبات فاعلية للإنسان فى الظاهر هو ما يقف وراء ما صار إليه الغزالي- فى سياق خصومته مع الشيعة- من وجوب أن «ينظر الناظر إلى مرتبة الفريقين (السنة والشيعة)؛ إذ نسبت (الشيعة) الباطنية نفسها إلى أن نصب الإمام عندهم من الله تعالى، وعند خصومهم (الأشاعرة/ السنة) من العباد، ثم لم يقدروا على بيان وجه نسبة ذلك إلى الله إلا بدعوى الاختراع على رسوله فى النص على عليّ، ودعوى تنصيصه على أحد أولاده بعد موته، إلى ضروب الدعاوى الباطلة. ولما نسبونا (يعنى الأشاعرة/السنة) إلى أنَّا ننصب الإمام بشهوتنا واختيارنا، ونقموا ذلك منا، كشفنا لهم بالآخرة أنَّا لسنا نقدم إلا من قدمه الله...، فكأنَّا فى الظاهر رددنا تعيين الإمام إلى اختيار العباد، وفى الحقيقة رددناها إلى اختيار الله تعالى ونصبه»(17). وهكذا فإنه يقرر صريحاً أن الجزء الاختيارى المنسوب إلى العباد من فعل تعيين الإمام، والمُسمى بالكسب، لا يجاوز حدود أنه مجرد اختيارٍ فى الظاهر، وأما فى الحقيقة فإنه مردودٌ إلى اختيار الله. وبحسب تمييز الغزالى بين اختيارين؛ أحدهما للإنسان فى الظاهر، وثانيهما لله فى الحقيقة؛ فإنه يبدو أن ترتيبه للعلاقة بينهما يحيل إلى أن دور الإنسان لا يجاوز كونه مجرد «أداة» يحقق الله من خلالها اختياره. وهنا يلزم التنويه بأن هذا التصور للإنسان كأداة هو الآلية المراوغة التى يتحقق من خلالها الجبر فى الواقع الفعلى.

وإذ تكاد الأشعرية أن تُلاشى الفرق بين الله والحاكم؛ وإلى الحد الذى يُقاس فيه الله على الحاكم- حيث «الدليل على أنه (الله) مُريدٌ بإرادة قديمة، أنه قام الدليل على أنه مَلِك، والمَلِك من له الأمر والنهى (والإرادة)، فهو (أى الله) آمرٌ وناهٍ (ومُريد)»(18)- فإن ذلك يؤول إلى لزوم أن يكون وضع الإنسان بالنسبة للحاكم هو نفس وضعه بالنسبة لله. بمعنى أن «الكسب الأشعرى» لن يكتفى بأن يؤسس لتصور أن الإنسان أداةٌ لله فى المجال العقائدى، بل وكذا لتصور أنه أداةٌ للحاكم فى المجال السياسى. ولعل هذا التصور للإنسان كأداة هو أخطر ما تنتهى إليه نظرية الكسب الأشعري؛ وهو التصور الذى لا يزال يحكم الممارسة العربية حتى الآن. حيث يبقى للآن أن هذه الممارسة تنبني- أو تكاد- على اعتبار أن الحاكم هو المريد القادر وحده فى الحقيقة، وأما سائر المحكومين فإنهم محض فاعلين فى الظاهر، ولكنهم لا يجاوزون- فى الواقع- حقيقة أنهم مجرد «الأدوات» التى يجرى بها إنفاذ إرادة هذا الحاكم وتحقيق مشيئته. 

فإن نظرة على واقع العرب تؤول إلى أن نظرية (الفاعل الأوحد) تظل، بجانبيها المتعلقين بتحصين الملوك وإفرادهم بالفاعلية، وطرد الناس من ساحة السياسة بالكليّة، لا تزال تمارس للآن هيمنة لا يمكن تحديها على نحو جدى. ويرتبط ذلك، لا محالة، بحقيقة تحوُّلها من «فعلٍ سياسى» إلى «معتقد دينى». وغنيٌّ عن البيان أن هذا «المعتقد الدينى» ذو الأصل السياسى كان هو الذى يقف وراء ما جرى فى ميدان التحرير، فى نفس الليلة التى تنحى فيها مبارك، حين رفع الإسلامويون شعارهم: «الله وحده هو الذى أسقط النظام». ولقد كانوا بذلك يردون «المعتقد الدينى» إلى «الأصل السياسى» الذى نشأ منه. لكنه كان يعود على النحو الذى يتوافق فيه مع ما استقر عليه خطاب النخبة (الحديثة!) من النظر إلى المجتمع على أنه مجرد أداة؛ وفقط فإنه كان يجرى التحوُّل به من أن يكون أداة لدولة الباشا ونخبته، إلى أن يكون أداة لله، أو- بالأحرى- لوكلائه الناطقين باسمه. وضمن هذا السياق، فإنه إذا كان المصريون هم «الأدوات» التى أسقط الله بها مبارك عن السلطة، فإنهم سيكونون «أدواته» التى سيرفع بها الإسلامويين ليأخذوا مكانه الخاوى. لكنه يبقى أنه حين يكون الله هو الذى رفع الإسلامويين إلى السلطة من خلال أدواته، فإن من سيحاولون إنزالهم عنها، لن يكونوا- بحسب ما قال أحد دعاتهم المصريين أخيراً- إلا خوارج معاندين لحكم الله، ومستحقين لذلك لنفس جزاء المفسدين فى الأرض (من التقتيل والصَلب من خِلاف). وهكذا يظل الخطاب (حداثياً وتقليدياً) يتنزَّل بالناس إلى مرتبة «الأدوات»، ويرفض أبداً إنزالهم منزلة «الذوات» التى لها أن تقرر وتختار. وهنا، يقوم المأزق الذى يجابه فيالق الإسلامويين الساعين إلى وراثة الدولة الراهنة، التى يثور عليها الناس؛ وأعنى من حيث لن يسمح لهم خطابهم الراسخ إلا بإعادة إنتاج هذه الدولة القامعة من جديد، ولو كان ذلك من خلال استبدال براقع القداسة، بزخارف وإكسسوارات الحداثة.

وهكذا، فإن تحليلاً للكسب الأشعرى، وتوابعه السياسية، يكشف عن كونه يمثل ضرباً من الجبر المُقنَّع الذى يغطى بالدين على الاستبداد فى السياسة. وبالطبع، فإن ذلك يعنى وجوب اعتباره، شأنه شأن الجبر، نوعاً من الانحراف عن الأصل الذى لا يجوز أن يخرج عن إثبات «الإرادة الحرة» للإنسان بما هى الأساس الذى يقوم عليه التكليف. بل إنه يبدو أكثر إضراراً من الجبر؛ وذلك من حيث ما يخايل به من وهم الفاعلية الذى يكشف التحليل عن كونها محض فاعلية ظاهرية. ويعنى ذلك- بلا أدنى مواربة- أن الكسب الأشعرى الذى اعتبره الأفغانى من «أصول العقائد فى الديانة الإسلامية الحقَّة»، هو أحد أهم عوائق الإصلاح والتجديد. وهكذا فإن جوهر الإشكالية يكمن فى أن الأفغانى لا يكتفى فقط بالتفكير ضمن نظام الخطاب الأشعرى الذى يبدو تجاوزه شرطاً لأى إصلاحٍ حقيقى، بل إنه يسعى إلى التجديد باستدعاء مضمونٍ أشعرى لا يختلف إلا فى الظاهر عن المضمون المُراد إزاحته بسبب مسئوليته عن التخلف والانحطاط.

وأخيراً، فإنه حين يدرك المرء أن «الكسب الأشعرى» لم يكن إلا أحد التأويلات التى أبدعها الخطاب الذى تحققت له السيادة فى الإسلام لكى يرسِّخ هيمنته التى تبقى مسئولة- على نحوٍ جوهري- عما يعانيه العرب من التأخر والفوات على كافة الأصعدة، فإن ذلك يعنى أن خطاب الإصلاح والتجديد لم يفعل- بتبنيه للكسب الأشعري- إلا أن أعاد تثبيت هيمنة خطاب السيادة التقليدى القديم. وإذا كان ذلك قد تحقق مع الأفغانى من خلال استدعائه مضموناً (هو الكسب) يندرج بمفرداته تحت مظلة الخطاب القديم، فإن وريثه الأستاذ الإمام (محمد عبده) قد جاور تحت مظلة ذات الخطاب بين مضمونين متغايرين. فبعد أن أدرك الإمام أنه لا سبيل إلى امتلاك مكتسبات التمدُّن الحديث إلا من خلال إنجاز إصلاحٍ ديني- كذلك الذى أنجزته أوروبا فى بداية عصر حداثتها- فإنه قد سعى إلى فتح الباب أمام استنبات المفاهيم المركزية التى قام عليها بناء هذا الإصلاح؛ ومن أهمها على الإطلاق مفهوم الاختلاف. فالإصلاح البروتستانتى لم يكن- فى جوهره- إلا نوعاً من السعى إلى كسر أحادية فهم الكتاب المقدس واحتكار تفسيره، وفتح الباب أمام تعددية الأفهام واختلافها التى هى شرط البناء المعرفى والسياسى للعالم الحديث. وهكذا، فإن الباب قد انفتح أمام الحضور الإيجابى للاختلاف؛ بوصفه عامل إثراء للوحى، وليس بما هو عامل تهديد له؛ وأعنى من حيث «يعبر عن تغيُّر فى الذهنية نتج عن علاقة جديدة هى علاقة الاعتراف المُتبادل بين القوى التى استمرت تتصارع طوال القرن السادس عشر داخل الدين الواحد»(19). وإذ ورث الأستاذ الإمام رؤية منسربة من الماضى يحملها الخطاب المهيمن، تعتبر الاختلاف عامل تهديد لهوية الوحى/  الأمة، فإنه قد راح يفتح الباب أمام حضورٍ مغاير له كعامل إثراءٍ وتجديدٍ لهما. ولكنه راح يفعل ذلك- لسوء الحظ- على مستوى مجرد المضمون وحده؛ بمعنى أن مفهومه الجديد للاختلاف قد راح يحضر كمضمون متجاور مع المفهوم التقليدى له الذى يرقد ثاوياً فى التجاويف الغائرة للخطاب القديم المهيمن. وإذ هو الحضور على مستوى المضمون فحسب، فإن جزئية هذا المضمون كان لابد أن تحول بينه وبين التأثير فى نظام الخطاب الكلي؛ وبما آل- فى النهاية- إلى التحييد الكامل لهذا المضمون الجزئي.

من هنا إذن يأتى الإخفاق؛ أى من هذه التلفيقية التى جعلت الأفغانى يقف بحدود الإصلاح عند مجرد تجديد الزخارف الخارجية على نحو ما فعل من استبدال الكسب بالجبر، جاهلاً بأنه لم يغادر بهذا الإبدال تحديدات نظام الخطاب المهيمن المسئول عن الأزمة. وبعبارة أخرى، فإن إصلاحه لم يغادر ساحة «الإجرائى» إلى «التأسيسى»؛ وبمعنى أنه قد وقف عند حدود العناصر والمضامين الجزئية التى تدور جميعاً داخل فلك نفس الخطاب، ولم يدرك أن لعبة الإبدال تلك لن تفلح فى إنتاج أى إصلاح ما دام هو التأسيسى فى الخطاب، أو نظامه، على حاله. ليس المطلوب، إذن، إبدال مضمونٍ (كالكسب) بآخر (كالجبر) يعملان معاً تحت مظلة ذات الخطاب، بل المطلوب هو كسر نظام هذا الخطاب وبنيته العميقة. وهى التلفيقية ذاتها التى راحت تعمل مع الأستاذ الإمام محمد عبده عبر الجمع التجاورى بين تصورات متناقضة؛ كما تجلى فى جمعه بين الأشاعرة والمعتزلة على تناقضهما، وكذا فى جمعه بين تصورين متناقضين لمفهوم الاختلاف تاركاً لهما أن يتصارعان معاً داخل نصه. وبالطبع، فإن هذا التردد قد آل مع استمرار الهيمنة الكاملة للخطاب التقليدى إلى أن حوصر المعتزلة عنده، وعلى نحو ما اختفى التصور الإيجابى لمفهوم الاختلاف الذى سعى إلى تكريسه؛ وذلك بحسب ما أظهرته التطورات التى طرأت على التفكير فى الإسلام بعده.

 وهكذا، فإنه يظهر أن أى استدعاء لسؤال الإصلاح إنما يستلزم وجوب تجاوز الاشتغال على «الإجرائى» أو المضامين والعناصر الجزئية التى يتسع لها الخطاب إلى الاشتغال على نظامه «التأسيسى» ذى الطابع؛ وهو ما يبدو أنه العمل الذى على جيلنا أن يضطلع به.

 

الهوامش:

(1) الطهطاوى: تخليص الإبريز فى تلخيص باريز، دراسة وتعليق: محمود فهمى حجازى (دار الفكر العربي) القاهرة، دون تاريخ، ص 229.

(2) الطهطاوى: مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية، دراسة: مصطفى لبيب عبد الغنى (المجلس الأعلى للثقافة) القاهرة، 2002، ص 354.

(3) الطهطاوى: المرشد الأمين للبنات والبنين، تقديم: عماد بدر الدين أبو غازى (المجلس الأعلى للثقافة) القاهرة، 2002، ص 132.

(4) جمال الدين الأفغانى: رسائل فى الفلسفة والعرفان، إعداد وتقديم: سيد هادى خسرو شاهى (مكتبة الشروق الدولية) القاهرة، 2002، ص 82.

(5) المصدر السابق، ص 83.

(6) المصدر السابق، ص 83.

(7) المصدر السابق، ص 83.

(8) الآمدى: غاية المُرام فى علم الكلام، تحقيق: حسن محمود عبد اللطيف (المجلس الأعلى للشئون الإسلامية) القاهرة، 1971، ص 85.

(9) الغزالى: الاقتصاد فى الاعتقاد (مكتبة الحلبي) القاهرة، الطبعة الأخيرة، بدون تاريخ، ص 43.

(10) المصدر السابق، ص 43.

(11) المصدر السابق، ص 47.

(12) الرازى: محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد (مكتبة الكليات الأزهرية) القاهرة، دون تاريخ، ص(240.

(13) الأفغانى: رسائل فى الفلسفة والعرفان (سبق ذكره) ص 83.

(14) الجوينى: العقيدة النظامية، تحقيق: أحمد حجازى السقا (مكتبة الكليات الأزهرية) القاهرة، 1979، ص 44.

(15) الشهرستانى: الملل والنحل، ج 1، تحقيق: عبد العزيز الوكيل (مؤسسة الحلبى للنشر والتوزيع) القاهرة، 1968، ص 97.

(16) الجوينى: الإرشاد إلى قواطع الأدلة، تحقيق: محمد يوسف موسى وآخر (مكتبة الخانجي) القاهرة، 1950، ص 217- 218.

(17) الغزالى: فضائح الباطنية، تحقيق: نادى فرج درويش (المكتب الثقافي) القاهرة، دون تاريخ، ص 178- 179.

(18) الشهرستانى: الملل والنحل، ج 1 (سبق ذكره) ص 95.

(19) عبد السلام بن عبد العالى: التسامح والحرية (ملف التسامح والحرية)؛ مجلة يتفكَّرون (مؤسسة مؤمنون بلا حدود)، الدار البيضاء، عدد (1) ربيع 2013، ص 6.

 

نقلاً عن : العرب