على مدار الساعة
أخبار » منشورات

الدين والتدين الملتبس... التطرف والإرهاب الديني!

28 آذار / سبتمبر 2016
الدين والتدين الملتبس... التطرف والإرهاب الديني!
الدين والتدين الملتبس... التطرف والإرهاب الديني!

نشرت في تشرين أول 2014 – أعيد نشرها مع بعض التعديلات
عندما يصبح العقل والإنسان وثقافة المجتمع في مرمى نيران الجهل والجهالة والإرهاب والقتل... في مثل هذه الحالة من الواجب والضرورة أن ينتفض المجتمع والنخب الثقافية والفكرية والسياسية لتحمي روح المجتمع من السقوط في متاهة التدمير الذاتي الأخلاقي والمعنوي والضحالة الفكرية والسلوكية مهما كانت الراية التي يمارس تحتها الفعل السياسي أو الاقتصادي أو الأيديولوجي أو الاجتماعي حضوره وفاعليته.
الأرهاب والتطرف ظاهرة عابرة للحدود والأديان والشعوب والمجتمعات... وبالتالي فإن مواجهته هي مهمة الجميع... ظاهرة التطرف الديني يقصد بها التطرف الذي يأتي من أي دين كان... فالتطرف ليس محصورا في دين معين وإن تصاعد في لحظة تاريخية محددة ارتباطا بهذا الدين أو ذاك هنا أو هناك. (الحروب الدينية في أوروبا، والحروب الصليبية... والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين... كنماذج ).
إذن لفهم ظاهرة التطرف الديني لا تبحثوا عن أسبابها في السماء لأنها موجودة هنا على الأرض، وبما أنها كذلك، إذن فإن التصدي لها يفرض الذهاب إلى أسبابها وليس الركض إلى الأبد وراء معالجة نتائجها؛ بمعنى عدم تبديد الوقت والجهد والتفكير في الركض لجمع الفطر السام... (وفق تعبير كارل ماركس) فلن ينتهي المجتمع من ذلك أبدا... بل يجب البحث في أسباب نمو الفطر السام هنا وهناك من حيث المبدأ... من هنا يمكن منع نموه وانتشاره بصورة حاسمة.
بهذا المعنى فإن مواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب الديني وسواه تستدعي التفكير عالميا والتصرف والسلوك محليا بوعي ودينامية ووضوح وثبات.
جذر المشكلة؟
أفهم الدين على أنه "تدخل سماوي واستجابة من الإنسان من أجل حريته وسعادته على الأرض كما في السماء"... (فالله من حيث المبدأ ليس بحاجة للناس) ولهذا فإن جميع الأديان والأنبياء والكتب السماوية (وحتى غير السماوية) تبدأ دائما الدعوة بالتصدى للجهل والظلم والقهر... اي الاختلالات القائمة في المجتمعات، ومن خلال ذلك تبرهن حضورها وجدواها، أي من خلال التصدي لمشاكل الناس المباشرة الروحية والمادية... وبهذا فإن الدين من حيث المبدأ ونقطة الأصل هو وسيلة لتحرير الأنسان روحيا وجسديا ماديا واجتماعا وعلى كل المستويات.... هذا هو التحدي الأساسي أمام الدين أي دين... أي الحفاظ على وظيفته ودوره كمحرر للإنسان... 
غير أن الدين في سياق هذه العملية الطويلة والمعقدة والمركبة يواجه تحديا أساسيا نقيضا وهو: مدى قدرته على حماية ذاته كفكرة وعقيدة بحيث لا يتحول إلى مؤسسة قهر في يد السلطة السياسية (دولة، قوى سياسية) أو أية قوى اجتماعية بهدف إخضاع المجتمع وتبرير الظلم أو الاستعمار أو الاستغلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
بهذا المعنى فإن الدين بالأصل هو قوة مقاومة على كل المستويات، قوة تغيير للواقع وليس مجرد وعظ ومناشدات أخلاقية... أي أنه وبقدر ما للدين من مرجعية ووظيفة روحية وإيمانية سماوية بقدر ما يجب أن يكون دوره عملي وميداني بين الناس، أي دور الفاعل والمشارك في المقاومة من أجل التغيير وإنهاء الظلم والقهر والاستغلال، وليس مجرد الوعظ والتمني والصلاة. فالصلاة ليست بديلا عن الفعل بل هي قوة إسناد روحية ومعنوية للفعل.
هنا بالضبط يتجلى جذر التطرف الديني اي: عندما يتنازل المجتمع والمثقفون والإعلاميون عن دورهم ويسمحوا بمصادرة الدين من قبل السلطة السياسية أو أية قوى أخرى بحيث يجري استخدامه كقوة إخضاع وسيطرة وتبرير لسياسات القهر والظلم .. حينها يتم ترك الميدان ليملؤه من يشاء وكيف يشاء.
إذن المهمة الأساسية هي مواجهة أي فعل سياسي أو اجتماعي أو فكري يستهدف تحول الدين إلى أداة لتعميم الرِّهاب الديني، أي تحويله إلى دين مؤسسة سواء كانت الدولة أو الحزب الديني أو دين الجماعات المنغلقة، بهذا يتجاوز الدين المصيدة ويبقى قوة فعل ومقاومة اجتماعية وثقافية شاملة في مواجهة الظلم والقهر والاستغلال بكافة اشكاله (بهذا المعنى تماما كان لتجربة لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية قيمة ومعنى إيجابيا تقدميا). 
لقد تصاعد التطرف الديني والاجتماعي والسياسي في هذه المرحلة التاريخية وانتشر بصورة غير مسبوقة، ليس فقط ضد الأديان الأخرى وضد المجتمعات الأخرى بل وبين طوائف ومذاهب الدين الواحد وفي المجتمع الواحد. هذا التطور فاقم أكثر من التناقضات الاجتماعية محليا وإقليميا ودوليا ودفع بها أكثر إلى دائرة العنف والإرهاب السياسي والاجتماعي والثقافي، والأخطر تحوله إلى ظاهرة إرهابية لها بنى سياسية مدعومة بحواضن اجتماعية. 
ومن أسباب هذا التحول هو الارتداد الاجتماعي في ضوء الفشل في حل مشاكل الناس والمجتمعات (السياسية والاقتصادية والثقافية وتلبية الحاجات الأساسية، والاختلال في العلاقات الدولية بما يتناقض مع حقوق الشعوب في العدالة والكرامة والحرية والاستقلال... 
وأكبر مثال على ذلك هو حق الشعب الفلسطيني (طبعا وغير الشعب الفلسطيني) في الحرية وانهاء الاحتلال واحترام حقوقه في وطنه...
إذن في ضوء هذا الفشل وتفاقم الأزمات السياسية والاقتصاية مثل الفقر والبطالة والاستثمار اللاعقلاني للطبيعة والموارد وتفاقم التناقضات الاجتماعية في ضوء التوزيع غير العادل للثروة داخل المجتمع الواحد وعلى المستوى العالمي... كل ذلك وسواه يدفع بالناس للبحث عن حلول في سياقات أخرى وبهذا تتوفر الحاضنة لانتشار التطرف الديني والسياسي والثقافي والاجتماعي والسلوكي. 
توظيف التطرف الديني لخدمة الأهداف السياسية والهيمنة:
سبب آخر وراء تفاقم ظاهرة التطرف الديني يتمثل في وهم إمكانية استخدام القوى الدينية المتطرفة والسيطرة عليها من قبل الدول لتحقيق أهداف وأجندات سياسية، هذا ما حدث عند دعم حركة طالبان والقاعدة في أفغانستان وهذا ما يحدث جراء دعم العصابات الإرهابية في في سورية وليبيا، وهذا ما حدث جراء تعزيز الطائفية في العراق بعد احتلاله عام 2003. وفي هذا الإطار يأتي الصمت والسكوت المهين من قبل الدول التي تدعي الدفاع عن الحرية وحقوق الإنسان على الفكر الديني المتطرف (الفكر الوهابي السلفي) الذي يسود في أنظمة الخليج وخاصة في السعودية، مما شكل حاضنة سياسية وإعلامية ومالية للحركات الإرهابية التي توظف الدين للحفاظ على مصالحها ودورها السياسي. 
ومن الأمثلة الأكثر هولا على التطرف والإرهاب الديني هو الإحتلال الإسرائيلي والأيديولوجيا الصهيونية باعتبارهما أكبر مشغل للدين كأداة أيديولوجية لتبرير الاحتلال والقتل وتشريد الشعب الفلسطيني... كل ذلك يجري باسم الله... هذا الاحتلال المدعوم وبصورة كاملة من معظم الدول الغربية والولايات المتحدة ومن بعض اللاهوت المسيحي (المسيحية الصهيونية) التي تبرر هذا السلوك المخيف.
في سياق هذه العمليات والأسباب المتداخلة ولكي يهيمن الفكر الديني التكفيري والمتطرف تجري عملية الفصل بين الإنسان والوطن والدين... ذلك لأن هذا التطرف يرفض مفهوم الانتماء للوطن والمواطنة... فهو ينطلق من أن كل ما يقوم به اصحاب هذا الفكر هو في سبيل الله الذي يجري اختزاله في مواقف ومقاربات وسياسات وأوامر تلك القوى المتطرفة، وما عداها فهو هدف مشروع للقتل والأرهاب والإقصاء، وبهذا فهو معاد تماما لكل القوى الاجتماعية العلمانية والقومية إلى جانب عدائه للأديان والطوائف الأخرى بما في ذلك المذاهب والتيارات المتباينة أو الاجتهادات المختلفة حتى داخل الدين الواحد نفسه. 
الدين والتدين الملتبس والإرهاب:
لقد قيل بأن السياسة من الخطورة بحيث لا يجوز تركها محصورة بأيدي السياسيين فقط، وقيل بأن الحرب من الخطورة بحيث لا يجوز إبقاءها بين أيدي العسكريين فقط... كما قيل بأن الاقتصاد من الخطورة بحيث لا يجوز حصرة بالاقتصاديين فقط... ويمكن القول بأن الدين من الخطورة بحيث لا يجوز حبسه في جلابيب رجال الدين فقط... معنى هذا القول أن قضايا الشأن العام وأي فكر أو نشاط اجتماعي هو فعل ينعكس على مجمل حياة الناس، سواء من كان في دائرة ذلك الفعل المحدد والخاص أو كان خارجها... لهذا فالمجتمع بكامله معني برسم حدود ومعايير التعامل والعلاقة مع ذلك الفكر أو النشاط الاجتماعي بحيث لا يتحول إلى قوة تدمير واستنزاف اجتماعي داخلي.
هذه المقاربة لا تعني بالتأكيد الحجر على العقل وحرية الاختيار أو حرية الإيمان الديني أو الانتماء السياسي، بل المقصود صياغة النواظم الصارمة التي تنظم العلاقة بين الناس في مجتمع ما وهم يمارسون قناعاتهم وعقائدهم وإيمانهم المرتبط بخياراتهم الدينية أو الأيديولوجية أو السياسية أو غيرها.
ولأن النقاش بهذا الشأن يشمل دوائر واسعة من الأيديولوجيات إلا أن النقاش يتركز في هذه المقالة على ظاهرة التطرف الديني.
نقطة الانطلاق المفتاحية لوعي ظاهرة التدين الملتبس أو الشكلي تتكثف بضرورة التمييز بين الدين والايمان الديني والتدين الملتبس...وبالطبع ليس المقصود أو الهدف هنا الخوض في الدين كقناعات وإيمان وحقول تشريعية أو فقهية... بل كيف يجري التعبير عن العلاقات والحريات والحقوق الاجتماعية والسلوك ارتباطا بالدين.
الدين ليس حكرا على فئة أو جماعة مهما كانت درجة انتظامها، ذلك لأن الدين بقدر ما هو ظاهرة إلهية عند البعض فإنه عند آخرين ظاهرة اجتماعية تاريخية... وفي الحالتين فالدين ظاهرة تلقي بآثارها وفضائها على مجمل المجتمع سواء من آمن أو لم يؤمن... ذلك لأن الدين ليس مجرد طقوس وممارسات وشعائر ومشاعر بل هو أيضا ظاهرة تنعكس في السلوك والثقافة والنواظم الاجتماعية بصورة عميقة.
فاليساري أو القومي أو العلماني مثلا، الذين لهم مواقف ومقاربات ومواقف خاصة بهم وفق قناعاتهم الفكرية والأيديولوجية لا يعني أنهم خارج تأثيرات الدين الثقافية والفكرية والاجتماعية حتى لو أرادوا ذلك... فالدين الإسلامي كما الدين المسيحي على سبيل المثال أو غيرهما من الأديان ليسا مجرد شعائر وطقوس وحدود وحلال وحرام و..و..و..و..و.. بل هما أيضا فضاء فكري وطريقة تفكير ومنظومات عقائدية تنعكس في الأدب والتراث واللغة والعادات والمعمار والفنون جميعا... وبهذا المعنى يصبح الدين قوة سارية مثله مثل أية فلسفة أو أيديولوجيا تعيد صياغة علاقات وسلوك البشر... فهو ينعكس في كافة تفاصيل الحياة، من البنى التحتية وصولا للبنى الفوقية للمجتمع.
وذات الشئ يمكن قوله بخصوص أية فلسفة غير دينية كالماركسية أو الوجودية أو الشك فهي ليست مجرد مواقف ومقاربات نظرية، بل هي رؤية ومنظومات تفكير وقيم تنعكس في الأدب والفنون والسلوك الاجتماعي والاقتصاد والسياسة، أي أنها تطال بتأثيراتها مجمل الكتلة الاجتماعية سواء من يعتقد بها أم لا. 
وتزداد الأشكالية تعقيدا مع تطور البشرية حيث الثورة العلمية والتواصل والاتصال والتشابك والتداخل الاقتصادي الاجتماعي الثقافي... بحيث لم يعد أي مجتمع بمقدوره التطور أو الحركة بعيدا عن منظومة العلاقات المتشكلة كونيا... إنه عصر العولمة بإيجابياتها وسلبياتها... تطورات موضوعية عاصفة تلف الكون والبشرية وتمتد إلى الفضاء ومختلف العلوم... وهذا يعني بالضرورة إعادة صياغة علاقات البشر على تنوعهم واختلافهم سياسيا ودينيا وفكريا واجتماعيا ولغويا وجغرافيا واقتصاديا وثقافيا.
في مثل هذا الواقع المتحرك والمتداخل والمتكامل بصورة هائلة... يصبح بمثابة الضرورة بناء علاقات المجتمع مع ذاته ومع مكوناته المختلفة ومع المجتمعات والأمم والشعوب الأخرى بطريقة ووفق أسس ناظمة لا تؤدي إلى التناحر والفناء الذاتي... فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة،كما لا أحد بمقدوره العيش بمعزل عن غيره.
هنا بالضبط تتجلى الأزمة والتحدي الذي تواجهه قوى الإسلام السياسي، أو أي تنظيم ديني سياسي...
وقبل الخوض في هذا الموضوع من الهام هنا توضيح محددات هذا النقاش... فعند مناقشة الإسلام السياسي بما هو قوى سياسية اجتماعية منظمة تعتمد الفكر الديني كنقطة انطلاق للتعامل مع التحديات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات البشرية، فهذا لا يعني أن تلك القوى هي معادل للدين الإسلامي، أي بذات القدر الذي لا يشكل فيه الحزب المسيحي الديمقراطي الألماني مثلا معادلا للمسيحية، وبالتالي فنقد تلك القوى وإخضاع برامجها وسلوكها واستراتيجيات عملها للنقاش والنقد الصارم لا يعني نقد الإسلام أو المسيحية كأديان بذاتها...فالإسلام والمسيحية وغيرهما هما مكون تاريخي وثقافي من مكونات المجتمع، وبهذا المعنى فإنني كمواطن في هذا المجتمع وبغض النظر عن قناعاتي السياسية والفكرية أعلن وبوضوح بأنني لن أتخلى عن الدين الإسلامي أو عن المسيحية كمكون ثقافي ونفسي وروحي وأخلاقي وحضاري عضوي لأي أحد مهما كان... وبذات القدر يجري التعامل مع الموروث الإنساني الحضاري منذ إنسان الكهف الأول وحتى إنسان ناطحات السحاب في العصر الراهن، بمعنى أن الدين هو مكون عضوي في الثقافة والبنية الاجتماعية والنفسية للجماعات البشرية بغض النظر عن القناعات الإيمانية وممارسة الطقوس الدينية من عدمه.
انطلاقا من ذلك فإن أي تنظيم أو حزب يتبنى الإيديولوجيا الدينية فإنه مجرد تنظيم سياسي مثله مثل غيره من القوى والتنظيمات... ورفع راية الدين لا تعني ولا تعطي لأي تنظيم سياسي "ديني"الحصانة من النقد وإخضاع رؤيته السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتعامله مع تحديات الواقع للنقاش والتحليل والقبول والرفض... أي بذات القدر الذي لا تعني فيه إطالة اللحية وارتداء لباس الدين أو الكهنوت أي قيمة جدية مضافة للشخص ما لم يبرهن على ذلك بالسلوك والموقف. 
هذه المسألة تحديدا تدفع بالنقاش نحو ضرورة التمييز بين الدين بما هو قناعات إيمانية عميقة وسلوك اجتماعي تهذيبي وعلاقة فردية وشخصية قيمية بين الإنسان وربه والتدين الملتبس. 
فالتدين الملتبس هو توسل وتمثل السلوك الديني الشكلي في المظهر والمغالاة في ذلك من أجل فرض حالة من الرهاب الفكري والاجتماعي انطلاقا من العزف على الوتر الحساس في وعي الجماعة البشرية المرتبطة بعلاقة دينية إيمانية..والهدف هو قطع الطريق قسريا أمام النقد وحرية التعبير وممارسة الحقوق الطبيعية للفرد والجماعة، وبهذا تتخلق حالة من الأرهاب الفكري المستند إلى سطوة الدين دون امتلاك القدرة العقلية على الإقناع.
بهذا المعنى فإن التدين الملتبس هو عملية إجهاض للفاعلية الذهنية بما في ذلك الاجتهاد العقلي العميق في التعامل مع ظواهر وأسئلة المجتمع اليومية شديدة التعقيد... ولكي يسود التدين الملتبس ويسيطر اجتماعيا فهو يدفع وبدأب نحو تعميم الجهل الاجتماعي كأفضل بيئة حاضنة للتدين الملتبس... ولهذا نجد أن التدين الملتبس هو تدين شكلي ميكانيكي...إنه يقوم على حرف النقاش والسلوك نحو السطحيات والشكليات بما يفقد الدين عمقه الإيماني التأملي الذي عادة ما يكون (أي التأمل) نقطة البداية للتحولات الفكرية والفلسفية وبهذا لم يكن صدفة انعزال الرسول في غار حراء، واعتزال المسيح في الصحراء لمدة أربعين يوما...
في هذا الإطار فأن من أخطر وظائف التدين الملتبس هو تعطيل العقل النقدي، ولهذا فهو يميل دائما لتعميم السلوكيات الطقسية كأداة سيطرة وكبح انفعال وتفاعل العقل... والأخطر استخدام كل ذلك لانتزاع مكانة أو هيبة موهومة... ومن الأمثلة على التدين الملتبس المغالاة والتطرف في أنماط اللباس والتركيز على تفاصيل حركة وسلوك الإنسان وامتلاك الحق بالتطاول على الآخرين بحجة الدفاع عن الدين وكيفية المشي والجلوس والقيام والقعود والأخطر القيود المفروضة على المرأة على مختلف المستويات.
ولكشف الفارق بين الدين الفعلي والتدين الملتبس يكفي فقط كشف التناقض بين السلوك الحياتي العميق والحقيقي في المعاملات والأدوار والوظائف الاجتماعية للتدين الملتبس ومظاهر التدين الشكلي في الجانب الديني... يكفي أن نلاحظ النفاق والكذب والخداع والغيبة التي لا تتسق مع روح الدين العميق.
بهذا المعنى فأن يصلي شخص ما أو يصوم أو يطيل لحيته أو يقصرها فهذا شأن خاص به، ولا يعطيه أي خصوصية أو سلطة لتحديد مواقف وسلوك الآخرين والحكم المعياري عليهم... دون أن يعني هذا الموقف انتقاصا من حرية الاختيار والتعبد واحترام الدين والشعائر الدينية، ولكن بشرط ترجمة هذا السلوك الإيماني في سلوك اجتماعي متناغم يقوم على احترام الآخرين، والأهم احترام الدور الاجتماعي وعدم إلحاق الأذى والضرر بالمصلحة العامة والوظيفة العامة.
إذن يجب احترام شعائر وقناعات الناس الدينية، ولكن بشرط أن تجري ممارسة تلك الشعائر بما لا يتخطى حدود الجانب الإيماني الطبيعي وأن لا يتحول التدين إلى سلطة رمزية تبيح الاستهتار بالآخرين وحقوقهم ومعاملاتهم ووقتهم وكأن المتدين الملتبس محمي من الله... أو كأنه يقوم بذلك باسم الله... وهذا تجاوز لمعنى الدين العميق أي الدين الإنساني الطبيعي.
مثال آخر على استغلال سلطة التدين الملتبس يتجلى في احتكار وحق الحديث والوعظ على جماعة في لقاء عام، (مناسبات اجتماعية، الخطب في دور العبادة، المؤسسات والمدارس.... ) وذلك فقط لأن من يتكلم يتخذ دائما من الدين موضوعا للحديث بمناسبة وغير مناسبة وبمعزل عن صحة ما يقول من عدمه فهو دائما يتقمص دور الواعظ مطلق الصلاحية...وكأن له حق إلهي وما على الجماعة سوى الصمت والإصغاء سواء رغبت في ذلك أم لم ترغب ...والأدهى في مثل هذه الحالة أن كثيرا من المستمعين يعرفون أنه يكذب ومع ذلك يصمتون خوفا من الصدام مع الحالة الرمزية التي يلتبسها هذا الفرد باسم الدين...
إذن إحدى جذور المعضلات التي نواجهها اليوم تكمن في سيادة وهيمنة التوحش الفكري الملتبس باسم الدين الأمر الذي يبيح للجهل بمجرد أن يطيل اللحية ويرتدي العمة أن يطلق يديه قتلا وتنكيلا باسم الدين الإسلامي ( وذات الشئ ينطبق على من يمارس ذات السلوك باسم أي دين أو قناعة أيديولوجية أخرى) فيكفر ويخون ويقيم الحدود ويدمر ويفتي ويقطع الرؤوس وكأنه ملاك الموت المرسل من رب العالمين، فأي دين هذا الذي يبيح سوق نساء العراق في القرن الواحد والعشرين سبايا ويبيح تهجير وذبح المؤمنين بأديان أخرى، أو يتبعون مذاهب أخرى، أي دين هذا الذي يدمر سورية ويذبح شعبها في ظل حماية ودعم وتسليح من قبل قوى الاستعمار العالمي وأنظمة النفط والتخلف العربية والاحتلال الإسرائيلي، أي دين هذا الذي يستهدف تدمير التراث والأضرحة والأوابد التاريخية بحجة أنها من الأوثان ومن ممارسات الشرك... ألم تكن معابد بوذا في أفغانستان والأهرامات في مصر موجودة منذ أيام المسلمين الأوائل وكذا حدائق بابل وغيرها... ألم يكن البيت العتيق بيت إبراهيم عليه السلام موجودا ولا يزال... كيف يحدث كل هذا ولا تحرك المجتمعات ساكنا لتحمي دينها وتاريخها وحضارتها... في الحقيقة لقد دمرت تلك القوى الإرهابية الدين الإسلامي وعاثت فيه خرابا بحيث سنكون بحاجة لعقود كي يستعيد هذا الدين روحه ودوره...
وهنا لا تبرير ولا مجال لفهم موقف أي "تنظيم سياسي إسلامي" يقف صامتا أمام هذه الأهوال ولا يهب مدافعا عن الأسلام الذي ينتهك وتنتزع منه إنسانيته ورحمته باسم الخلافة أو باسم أمير المؤمنين أو باسم الجهاد، فحقوق الإنسان وكرامته وحريته ليست شأنا مؤجلا إلى يوم القيامة... فلم يقل الله جل جلاله ذلك كما لم يقل ذلك الأنبياء.
تأسيسا على ما تقدم يصبح تحديد أسس ونواظم العقد الاجتماعي الذي يحدد علاقة البشر وأدوراهم ووظائفهم ضرورة وجودية بكل معنى الكلمة... بمعنى أن لكل فرد أو جماعة الحرية بممارسة حياتها وخياراتها وقناعاتها السياسية والاجتماعية والدينية بشرط أن لا تشكل حجزا أو انتهاكا لحقوق وقناعات الآخرين... ومن يسمح لنفسه بانتهاك حرية وحقوق الآخرين فعليه أن يتوقع ردا وسلوكا مماثلا، الأمر الذي يدخل المجتمع والجماعة في دوائر التآكل والتناقض والتناحر الذاتي الداخلي ويعزز في المجتمع الواحد ثقافة الشعور بالأقلية والانعزال (مثلا شعور المسيحيين العرب أحيان بأنهم أقلية في وطنهم وفي شعبهم وهو ما تغذيه القوى الاستعمارية لتزيد من حال التمزيق والتناقضات الاجتماعية). 
لهذا يجب أن ننهي ومرة واحدة مفهوم الأقلية داخل الشعب الواحد ... فمن منا ليس أقلية في مواقفه أو انتمائه السياسي أو الفكري أو حتى الجغرافي... أقصد أن كل واحد أو جماعة هي من زاوية محددة: سياسية فكرية اقتصادية ثقافية أقلية... 
بمعنى أن مفهوم الأقلية هو مفهوم نسبي لا يتناقض بتاتا مع المواطنة... فالمواطنة هي حجر الزواية، وهي نقطة الانطلاق... إذن يجب إنهاء هذه الثقافة والنظرة القاتلة.... نحن شعب واحد بتنوع هائل... هذا هو المعيار والمقياس وعدا ذلك الصراع والتناقض.
اليوم نحن في مرحلة تاريخية في منتهى الخطورة، مرحلة لم يعد يجدي معها الصمت والمراوغة والمساومة، مما يستدعي التصدي للتطرف الديني والسياسي والاقتصادي والثقافي بما في ذلك التطرف الناتج عن التدين الشكلي الملتبس، التدين الظلامي الفاقد لعمقه وروحه وإنسانيته، وهذا يستدعي البحث في سياقات وأسباب ظاهرة التطرف الديني، وتحديد كيفية مواجهتها من على قاعدة تحديد أسس ونواظم العقد الاجتماعي الذي يحدد علاقة البشر وأدوراهم ووظائفهم كضرورة وجودية بكل معنى الكلمة... ذلك لأن أي مساومة على حق الإنسان في الحياة وفي الحرية وفي الوجود باسم الدين هي بداية الفناء الروحي وفقدان أي دين لروحه ومعناه ووظيفته الأولى. أي بذات القدر الذي تفقد فيه أي فلسفة أو فكر أو ثقافة أو أيديولوجية عمقها وروحها ما أن تصمت عند المساس بركائزها الإنسانية أو تساوم عليها، فكل الأيديولوجيات بما في ذلك الإيمان بالله هدفها خير البشرية والإنسان، هكذا تقول... فالله ليس بحاجة لصلاة وصيام أحد من حيث المبدأ ... إنه يطلب ذلك كي يحترم الإنسان ذاته وعقله وإنسانيته أولا وعاشرا... 
خلاصة القول إن الدين ليس أداة أو وسيلة للسيطرة والقهر بل هو فكر وفضاء وممارسة تقوم على التفاعل والاحترام حتى مع من يختلف مع المقاربات الدينية، وغير ذلك هو الضياع والقطع مع المجتمع والصيرورات التاريخية لبناء المجتمعات.
بهذا المعنى وفي هذه السياقات تصبح صرخة عمر بن الخطاب الخالدة: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!) ركيزة ثقافية وسلوكية وأخلاقية مدهشة وراهنة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

نصّار إبراهيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر