على مدار الساعة
أخبار » منشورات

تفكيك الخطاب الصهيوني عن اليهود الشرقيين

مركز "مدار" يصدر "اليهود العرب"

14 آذار / أكتوبر 2016
اليهود العرب
اليهود العرب

مركز مدار

صدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار" كتاب "اليهود العرب: قراءة ما بعد كولونيالية في القومية والديانة والإثنية" لمؤلفه يهودا شنهاف، ترجمه عن الانكليزية ياسين السيّد، ويقع في (372) صفحة.

يعتبر هذا الكتاب طليعيا في ما يختص بدرس جوهر كينونة اليهود الذين يسمون وفق القاموس الصهيوني بـ"المزراحيين" (الشرقيين) ويعتبرهم الكاتب يهودًا عربًا أولا ودائما.

ويعبر توظيف شنهاف لمصطلح اليهود العرب عن اعتراض أساس إزاء ما كرسه الخطاب الصهيوني وما يزال من تضاد بين العرب واليهود عموما، ويعلن عن مقاربة مختلفة تفكك هذا الخطاب، وتضعه في السياق الكولونيالي للحركة الصهيونية، وتكشف عن مساجلات أرشيفية جديدة تظهر النظرة الاستشراقية التي اتسمت بها النخب الصهيونية تجاه هؤلاء اليهود العرب.

ولا يكتفي كتاب شنهاف بسرد قصة جديدة حول العلاقات القائمة بين الفئات الاجتماعية أو تاريخ بناء هذه العلاقات، وإنما يوظف التاريخ أيضًا للنظر تحت سطح الصهيونية نفسها.

ويفترض الكتاب أن درس اليهود العرب ينبغي أن يجد نقطة بدايته في مطلع العقد الرابع من القرن العشرين الفائت، عندما فتحت الحركة الصهيونية أعينها على اليهود العرب باعتبارهم مخزونًا للهجرة اليهودية، وليس عند وصولهم إلى إسرائيل خلال حقبة الخمسينيات من القرن نفسه. ويتيح هذا الأمر إمكان وضع درس العلاقات القائمة بين اليهود المزراحيين واليهود الأشكنازيين في سياق اللقاءات الكولونيالية المبكرة التي حصلت بين اليهود العرب والمبعوثين الصهاينة الأوروبيين قبل إقامة الدولة وخارج فلسطين، كما يتيح إمكان درس الطريقة التي أعيدَ فيها إنتاج هذه العلاقات عقب وصول اليهود العرب إلى إسرائيل.

ويستعيد شنهاف خضوع اليهود العرب للدرس بحسب مجموعة متنوعة من وجهات النظر والروايات التاريخية. فقد تعاملت الأبحاث التي أعدتها المدرسة التاريخية اليهودية، وعلى مدى ردح طويل من الزمن، مع هؤلاء اليهود في المجتمعات الأصلية "التي استضافتهم"، ودرست ثقافاتهم المحلية وتواريخهم الدينية وعلاقاتهم مع الجاليات اليهودية الأخرى والأنماط المتغيرة التي وسمت علاقاتهم مع البيئات العربية المحيطة بهم. وركزت وجهات النظر التي انطوى عليها التاريخ الاجتماعي على الخصائص الديمغرافية لليهود العرب، من قبيل أنماط الزواج والخصوبة، وحياتهم اليومية ومواقعهم الطبقية المتغيرة. ومن جهة أخرى، تصدت الدراسات التي تتناول المجتمع الإسرائيلي لاستيعاب المزراحيين في إسرائيل، وللقائهم مع الدولة، وتعبئتهم وحشدهم من خلال السياسة، وأشكال احتجاجاتهم وحراكهم (أو جمودهم) ومكانهم ضمن منظومة التقسيم الطبقي والأنظمة السياسية الإسرائيلية.

ويؤكد الكتاب أنه بينما تضيف هذه التقاليد البحثية المتباينة قيمة إلى المعرفة الممتدة التي يملكها المرء، فهي في الوقت عينه تعاني من تجزئة وتشتت، والأنكى من هذا تعاني من انحياز إلى حد لا يستهان به بتأثير نظرية المعرفة الصهيونية. فنلاحظ، مثلًا، ومن وجهة النظر الصهيونية، أن التاريخ اليهودي، وتاريخ المجتمع الإسرائيلي لهذه الغاية، بالكاد يلم بتاريخ الشرق الأوسط، وأن التاريخ اليهودي وتاريخ العالم، ناهيك عن تاريخ الشرق الأوسط، ينقسمون إلى دوائر متعدّدة، وأن حياة اليهود العرب في الدول العربية تعتبر شاذة وغير سوية، وأنه ينظر إلى هجرتهم إلى إسرائيل كما لو كانت هي الحل المحتوم لهذا الشذوذ.

يقدم الكتاب أيضا إحداثيات مثيرة حول الشراكة بين الصهيونية وبريطانيا، ليس فقط في تسهيل الاستيلاء على فلسطين، إنما أيضا في تقديم بنية تحتية ولوجستية للتواصل مع يهود العراق، عبر شركة سوليل بونيه في مدينة عبدان الايرانية التي شكلت قاعدة للتغلغل في أوساط يهود العراق.

وتكشف السجالات في عبدان ومع اليهود العرب في العراق عن تماثل اللغة الكولونيالية البريطانية مع لغة المندوبين الصهاينة في كل ما يتعلق بالنظرة للسكان المحليين.

ويكشف الكتاب ايضا عبر المراسلات والوثائق أن المندوبين الصهاينة العلمانيين سعوا لتعزيز البعد الديني بين اليهود العرب من أجل "تطهيرهم" من عروبتهم، ما أسس لنتائج عكسية في فترة الدولة، حيث أدت المحاولات الرامية إلى بناء هوية إسرائيلية لليهود العرب من خلال قمع هويتهم العربية، إلى التمسك أكثر فأكثر بهذه الهوية وإلى تحديد مسألة التمييز الطائفي في إسرائيل، التي تحيل بدورها إلى بذور التناقض في الصهيونية، فكرًا وممارسة.

ويتبنى الكتاب عرض منظور جديد لفهم العلاقات الدقيقة بين اليهود العرب واللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا عن ديارهم في العام 1948، وهي علاقة عادةً ما تجري التعمية عليها أو إقصاؤها في الدراسات التي تستند إلى التأريخ الصهيوني ونظرية المعرفة الصهيونية.

ويشير إلى أننا ما زلنا نشهد، منذ العام 2000، حملة مكثفة تستهدف تأمين الاعتراف السياسي والقانوني باليهود العرب بوصفهم لاجئين.

وقد سعت هذه الحملة إلى خلق حالة من التماثل مع اللاجئين الفلسطينيين، حيث تصور كلتا المجموعتين على أنهما ضحيتان من ضحايا حرب 1948. وفي الواقع كما يشير الكتاب، يأمل مناصرو هذه الحملة، وعلى رأسهم دولة إسرائيل التي تلقى المساعدة من المنظمات اليهودية في هذا الشأن، بأن تحول دون منح "حق العودة" للفلسطينيين وتقليص حجم التعويضات التي يحتمل أن يطلب إلى إسرائيل أن تدفعها عن الأملاك الفلسطينية التي وضع الحارس العام الإسرائيلي لأملاك الغائبين يده عليها.

ويؤكد أن الفكرة التي تقف وراء الخروج بهذا القياس تشكل سياسة رعناء وظلمًا أخلاقيًا، وليس أقل من ذلك قراءة خاطئة للتاريخ.

كما يؤكد أنه ينبغي لأي شخص عاقل أن يقر بأن القياس الذي أقيم بين الفلسطينيين واليهود العرب لا أساس له. فلم يكن اللاجئون الفلسطينيون يريدون مغادرة فلسطين. كما تعرض العديد من التجمعات السكانية الفلسطينية للتدمير في عام 1948، وطُرد ما يقرب من 700,000 فلسطيني، أو فروا، من ديارهم إلى خارج حدود فلسطين التاريخية. وأولئك الذين غادروا أرضهم لم يفعلوا ذلك بملء إرادتهم. وفي المقابل، وصل اليهود العرب إلى إسرائيل بموجب مبادرة أطلقتها دولة إسرائيل والمنظمات اليهودية. وقد كان بعضهم يعيش في راحة وأمان في الأراضي العربية، وكان آخرون منهم يعانون من الخوف والاضطهاد. وفي الواقع، فإن تاريخ اليهود العرب وهجرتهم إلى إسرائيل تتسم بالتعقيد، ولا يمكن استيعابها في تفسير سطحي ضحل، حيث فقد الكثير من القادمين الجدد أملاكًا جمة، وليس هناك من جدل حول وجوب السماح لهم برفع مطالباتهم الفردية لاسترداد ممتلكاتهم من الدول العربية. أما القياس اللاأخلاقي الذي لا يستند إلى أي أساس، والذي يساوي بين اللاجئين الفلسطينيين واليهود العرب، فهو يورط أفراد كلتا المجموعتين في خلاف لا داعي له، ولا يحترم كرامة الكثيرين من اليهود العرب ويلحق الضرر بإمكان التوصل إلى مصالحة حقيقية بين اليهود والعرب.

أما من ناحية الوثائق التاريخية فإن هذا الكتاب يقدم للمرة الأولى، بحثًا معمقًا حول عمل ونشاط منظمة "WOJAC" التي أدت دورًا شديد الخصوصية في بناء "الأساطير المؤسسة لإسرائيل" حول اليهود العرب، خاصة تلك التي ما زالت تتفاعل إلى الآن ارتباطًا بالصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.

يذكر أن شنهاف هو أستاذ علم الاجتماع والأنثربولوجيا في جامعة تل أبيب وباحث كبير في "معهد فان لير" في القدس، وكان لسنوات طويلة رئيس تحرير المجلة العلمية الإسرائيلية "نظرية ونقد"، المتخصصة أكثر شيء في نقد الصهيونية وإسرائيل.

وأشير في كلمات التقديم إلى أن شنهاف لم يكتف بالتصدّي لـ "عملية تطهير اليهودي العربي من عروبته" من الناحية النظرية فقط، كما يتجلّى في هذا الكتاب وغيره من أبحاثه ومقالاته العديدة، بل إنه يردف ذلك بالسلوك العمليّ. فقد اتجّه إلى تعلّم اللغة العربية واستغرقه هذا الأمر مدة عشر سنوات، وبعد ذلك بات ينذر جلّ وقته لترجمة نتاجات من الأدبين العربي والفلسطيني إلى اللغة العبرية، فأنجز حتى الآن ترجمات لكتاب عرب وفلسطينيين مثل إلياس خوري وسلمان ناطور ومحمود شقير وعلي المقري ومحمود الريماوي وسميرة عزّام وغيرهم. و"بذا قدّم نموذجًا طليعيًا يُحتذى لما يعتبره مسؤولية أخلاقية يتعيّن على المثقف أن يحملها على كاهله ترتبًا على سعيه نحو غايات كثيرة في مقدمها تحدّي نظرية المعرفة الصهيونية".

متعلقات
انشر عبر