على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

بالوثائق- بلديّات غزة تُورّد مياهاً مُلغّمة بالسموم ومُسبّبات الأمراض للمواطنين!

15 أيلول / أكتوبر 2016
  • تقرير المياه - مياه البلدية - غزة - بوابة الهدف
  • تقرير المياه - مياه البلدية - غزة - بوابة الهدف
  • تقرير المياه - مياه البلدية - غزة - بوابة الهدف
  • تقرير المياه - مياه البلدية - غزة - بوابة الهدف
  • تقرير المياه - مياه البلدية - غزة - بوابة الهدف
  • تقرير المياه - مياه البلدية - غزة - بوابة الهدف
  • تقرير المياه - مياه البلدية - غزة - بوابة الهدف

غزة_ خاص بوابة الهدف

أحد أهم مقوّمات الحياة، وأكثرها عُرضةً للاستنزاف في قطاع غزة، الذي يمتدّ على مساحة ٣٦٥ كم²، هو الخزان المائي الجوفي، الذي تُهدّده مخاطر جمّة، دفعت الأمم المتحدّة لإعداد تقرير شامل، نشرته بالعام 2012، بعنوان "Gaza in 2020..A liveable place"، وأكّدت فيه على أنّ الغزيين قاب قوسين أو أدنى من أن يفقدوا هذا المصدر المائي الطبيعي وحذّرت أنه "مع حلول العام 2016 سيكون غير صالحٍ للاستخدام، ويُعاني من أضرار لا يمكن إصلاحها حتى2020"، كما أكّد أن "90% من المياه الجوفية بالقطاع غير قابلة للاستهلاك البشري".

مياه "بطعم ولون ورائحة!"

"بوابة الهدف" توجّهت، مطلع شهر أغسطس الماضي، إلى عيّنة عشوائية من سكّان محافظات قطاع غزة، لمعرفة مواصفات وطبيعة "مياه البلدية" التي تصل إليهم. وأجرت معهم مقابلات بتاريخ 11 أغسطس.

قال أحمد سعيد (34 عاماً) من سكان مخيّم الشاطئ، شمال غربي مدينة غزة، والمُلاصق للساحل الشرقي من البحر المتوسط، "كّنا نجمع المياه الحُلوة من مناطق قريبة جداً من الشاطئ، وكانت جيدة جداً من حيث المواصفات،..، الآن لو أخذنا من مياه البحر نفسها، ستكون أفضل من ما يصلنا في صنابير المياه!".

ويقطن المخيّم أكثر من 83 ألف نسمة، على مساحة 747 دونماً، وهو ثامن أكبر مخيّمات قطاع غزة من حيث الكثافة السكانية.

سعيد أعرب عن خوفه على صحّة أطفاله، حاضراً ومُستَقبلاً، من شدّة سوء المياه التي يشربونها، وقال "والله منا خايف غير على أولادي".

وفي حديثٍ لرئيس قسم مراقبة المياه في وزارة الصحة بغزة، خالد الطيبي، لـ"بوابة الهدف" قال إنّ "الوضع الكيميائي لمياه البلديّة صعب جدا، ووصلت نسبة المياه التي لا تُطابق المواصفات الصحية إلى أكثر من 90%، لكن من الناحية البكتيرية فإن الوضع مقبول وليس سيئاً، لكن يظل المواطن بحاجة لمياه بطعم جيّد ومُستساغ".

وأكد هذه النسبة، مسؤول الفحص البيولوجي والكيميائي بمختبر دير البلح، التابع لمصلحة مياه بلديات الساحل، محمد أبو شمالة الذي أضاف أن "أقصى حد لمجموع الأملاح الذائبة في المياه، حسب  منظمة الصحة العالمية، لا يجب أن تزيد عن 1000 ملم/لتر، وهناك عشرات الآبار في القطاع تزيد فيها النسبة عن هذا الرقم بأضعاف كثيرة. وهناك ارتفاعات كبيرة في عُنصريّ الكلورايد والفلورايد والنترات.

ثاني المناطق التي توجّهت لها "بوابة الهدف" كانت منطقة حي الرّمال، أكثر أحياء محافظة غزة ازدهاراً، ويبعد عن شاطئ البحر حوالي 1.20 كيلومتر، ونحو 3 كيلومتر –خرائط جوجل 2016- عن المدينة، التي يقطنها قرابة 700 ألف نسمة "إحصائية الإدارة العامة للأحوال المدنية، 2016"، وذلك على مساحة 324 ألف دونم.

يُسرى مهنّا (24 عاماً)، وتقطن بحي الرمال، قالت "نضطّر لتغيير شبكة المياه كل عام بسبب الترسّبات الكلسية التي تملأ الأنابيب، إضافة لأنني أقوم بغسل الأواني والأطباق بالمياه الحُلوة، مرة أخرى، بعد تنظفيها بمياه البلدية التي تترك ترسبات ملحية واضحة على كل شيء، حتى أجسادنا.. ما يضطّرنا أيضاً إلى الاستحمام بالمياه الحلوة التي نقوم بشرائها* بثمن ليس قليلاً".

مهنّا أوضحت أن عائلتها تشتري ألف لتر من المياه الحلوة، أسبوعياً، لأغراض الشرب والطبخ والاستحمام.

يضطّر سكّان القطاع، وخاصة في المناطق التي لا تصلها مياه صالحة أو مقبولة للشرب، إلى شراء المياه بأسعار مختلفة، كبديل أقل ضرراً من تلك التي تصلهم من البلدية –حسب اعتقادهم- إلّا أن عدداً كبيراً من السكّان لا يقدرون على دفع تكلفة تصل إلى 10 شيكلاً "2.6$"، تدفع أسبوعياً لبرميل واحد من سعة 500 لتر، يكفي لأسرة من خمسة أفراد كحد أقصى، فقط للشرب و"للطبخ".

شكوى أخرى رصدتها "بوابة الهدف"، من محافظة خانيونس، التي تبعد أكثر من 3 كيلومتر عن شاطئ البحر، ويقطنها 341 ألف نسمة، على مساحة 53.8 ألف دونم –حسب المركز الإعلامي الحكومي-، إذ أفاد المواطن إياد أبو جيّاب (41 عاماً) من سكان المدينة بأن "المياه ذات طعم ولون ورائحة"، ووافق شهادة المواطنة مهنّا في أنه يضطّر للاستحمام بالمياه الحلوة.

وأضاف "أنا متأكّد من أن المياه التي تصلنا مُختلطة بمياه الصرف الصحي، وهذا واضح في لون المياه المُصفرّ، وكذلك رائحتها، وطعمها الذي يُثير الرغبة في التقيّؤ بمجرّد تذوّقه."

وتكشف "بوابة الهدف"، في السطور اللاحقة، تقارير حصرية حصلت عليها، تُؤكّد اختلاط مياه الصرف الصحي بالمياه التي تصل المواطنين، من 3 آبار رئيسية تُغذي مناطق متفرقة بمحافظة خانيونس.

الشكوى الرابعة تم رصدها من محافظة شمال قطاع غزة، التي تميّزت لسنوات قريبة، بجودة المياه التي تصل مواطنيها من البلدية، إذ كانت تُغني السكان بشكل كامل عن أي مصادر مياه أخرى، وهو ما تغيّر كُليّاً، في السنوات الأخيرة، حسب إفادات عدّة من أهالي المحافظة.

المُواطنة نائلة نصر الله (75عاماً)، من سكّان بلدة بيت لاهيا، إلى الشمال الغربي من محافظة الشمال، اكتفت بالقول، يائسةً "بطّلنا عارفين إيش بنشرب، ميّة –مياه- نضيفة ولا ميّة مجاري.. الحابل اختلط بالنّابل –مثل شعبي-".

م.شبلاق: كارثة بكلّ المقاييس!

هذه الشهادات الأربعة، توجّهت بها "بوابة الهدف" إلى مدير عام مصلحة مياه بلديات الساحل في قطاع غزة، م.منذر شبلاق، الذي لم يُخفِ "الوضع السيء جداً" الذي يعصف بالقطاع المائي، في قطاع غزة.

ومصلحة مياه بلديّات الساحل، هي جسم تابع لوزارة الحكم المحلّي، يُدير ويُشغل آبار ومحطات تحلية وصرف صحي في 23 بلديّة، من أصل 25 في قطاع غزة، بعد أن خرجت بلدية غزة من المصلحة بالعام 2006، بقرار سياسي، كونها  محافظة سياديّة، وتبعتها محافظة جباليا تعاطفاً.

وفسّر شبلاق سبب رداءة جودة المياه التي تصل لمواطني القطاع، بالقول إنّ "مياه البحر تتداخل تدريجياً وتزحف لتختلط مع مياه الخزان الجوفي، بسبب زيادة السحب منه، دون تعويض، وهي ظاهرة بدأت قبل 15 عاماً، في المناطق الغربية للقطاع المحاذية لشاطئ البحر". مُضيفاً "في البداية كان يتم إغلاق الآبار التي تُصبح غير قابلة للاستخدام المنزلي نتيجة تلوثها واختلاطها بمياه البحر"، لكن هذا الحل لم يعد كافياً وعملياً الآن، لذا توجّب البحث عن حلول جذرية.

وأوضح أن "عدد سكان القطاع وصل إلى 2 مليون نسمة، والسحب على الخزان الجوفي يُقدّر بـ100 مليون متر مكعب من المياه/سنوياً، عدا عن السحب الخاص بالقطاع الزراعي-نحو 100 مليوناً أخرى-، بينما الطاقة القُصوى لإنتاج الخزان لا يجب أن تزيد عن 60 مليوناً/سنوياً".

وتابع "أحد أهم الحلول التي طُرحت منذ مطلع الألفية الثانية، كان التوقف عن استخدام الخزان الجوفي، وإنشاء محطّات تحلية"، مُستدركاً بأن الطرح المذكور "واجه عدّة عقبات، أوّلها الاحتلال الإسرائيلي".

الفترة التي تحدث عنها شبلاق تبدأ من السنوات الأولى للألفية الثانية، حيث كان الاحتلال يستوطن القطاع، ومن ثمّ السنوات اللاحقة التي شهدت "الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب" بالعام 2005، تلاه بعد عاميْن الانقسام السياسي الداخلي بالعام 2007، وسيطرة حركة حماس على الحكم، أعقبه 3 اعتداءات شنّتها "إسرائيل" بحق القطاع في الأعوام 2008، 2012، 2014، أكّد شبلاق أنّها "ألحقت أضراراً جسيمة بمصادر المياه، تبِعها تداعيات أكثر ضرراً".

وثاني أبرز العقبات، كما بيّن شبلاق، "افتقار القطاع إلى مصادره المالية الخاصة، وبالتالي وقوعه تحت رحمة التمويل الخارجي، الخاضع للقرار السياسي، وهو ما عطّل بشكل مباشر خطط المشاريع التي كانت أُقرت فعلياُ ودخل بعضها طور التنفيذ"

"جرى إقرار خطة وطنية للحل تبدأ بإنشاء محطات تحلية محدودة العدد على الخزان الجوفي في قطاع غزة، لمواكبة الحاجة العاجلة لسكّانه، يليه مشروع تحلية مركزي، يتم الاعتماد الكلّي عليه، بدلاً عن الخزان الجوفي، ضمن حد زمني أقصاه العام 2004" حسب شبلاق، وهذا قبل فرض الحصار "الإسرائيلي" على القطاع، في أعقاب تولّي حركة حماس الحكم فيه، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية التي أُجريت بالعام2006، وتزامن مع ذلك حصارٌ فرضته المؤسسات المانحة، حتى اصطدمت كافة مشاريع المياه "المُنقِذة من الكارثة"، بقرار تلك المؤسسات وقف دعمها وتمويلها.

وتطرّق شبلاق إلى أخطار أخرى تُهدد الخزان الجوفي –عدا تسرب مياه البحر إليه- وهي الآبار المخالفة، غير المرخّصة، قدّر عددها ببضعة آلاف، تستنزف الخزان، دون رقابة أو معايير، إذ يتم السحب منه بكميات تصل إلى 164 لتر يومياً لكل فرد، بسحب إجمالي (بشري وزراعي) يصل لـ200 مليون لتر/سنوياً، في حين أن الطاقة القصوى لما يُفترض أن يُنتجه الخزان 60 مليوناً فقط، وهذا كلّه دون تعويض كافٍ من مياه الأمطار.

تقصير.. استكساب!

ربحي الشيخ، نائب رئيس سلطة المياه بقطاع غزة، وفي تفسير لوجود آلاف الآبار المُخالفة، قال لـ"بوابة الهدف، "إنّ مكتب سلطة المياه التابع للوضع القائم بغزّة، هو المسؤول عن ملف ترخيص الآبار الجوفية، وهو لا يقوم بدوره بشكل مهني، إذ يُقدم تسهيلات، وينظر إلى ترخيص الآبار أنه عبارة عن دخل ورسوم فقط، يُضاف إليها أموال المخالَفات، في حين أنّها قضية مهنية يجب أن تدرس جيداً، والبئر المُخالف يجب إغلاقه نهائياً، لا أن يتم التساهل والسكوت عنه بمجرّد دفع المخالَفة".

وتوقّع التقرير الدولي –آنف الذكر- أن يزيد استنزاف المياه الجوفية للقطاع ليصل ما يتم سحبه إلى 260 مليون متر مكعب/سنوياً بحلول العام 2020 بنسبة زيادة 60% عن الوقت الحالي.

مدير عام مصلحة مياه بلديات الساحل، م.منذز شبلاق وبعد إسهابٍ في تفاصيل مشكلة المياه بغزة، سلّم بأن ما يحدث وما ينتظره القطاع الآن "هو كارثة بيئية وصحية بكل المقاييس".

واستجابةً للضغوط الدولية، المُزامنة للتقارير التي تؤكّد فداحة الكارثة، عادت بعض المؤسسات لتمويل مشاريع تخدم قطاع المياه بغزة، ولكن تحت بند الطوارئ.

وكما أوضح شبلاق، " تمت إعادة صياغة الخطة الوطنية، ليكون تنفيذها ضمن ثلاث مراحل تبدأ بمرحلة قصيرة الأمد أو طارئة، يتم خلالها إنشاء محطات تحلية لمياه البحر، صغيرة الحجم، تُغذّي أكثر المناطق المتضررة والأكثر تأثراً بمشكلة زحف مياه البحر وخاصة المنطقة الغربية للقطاع، ثمّ مرحلة ثانية متوسطة الأمد، يتم بها توسعة إحدى المحطات المُنشَأة في المرحلة الأولى؛ لتنتج مياه بكمية وطاقة أكبر، حتى العام 2020، تعقبها المرحلة الثالثة طويل الأمد، من المقرر أن يتم خلالها إنتاج كميات من المياه يستفيد منها سكان القطاع كافة، حتى العام 2035".

متى تتحوّل الخطط لواقع؟

جرى تصميم 3 محطات في مُحافظات غزة والوُسطى والجنوب، حسب شُبلاق، "سيُمكن الاعتماد عليها قبل نهاية العام 2017، ويكون نصيب الفرد في المناطق التي تُغذّيها نحو 100-120 لتر/يومياً". وفيما يلي المناطق التي ستُغذيها، والمرحلة التي وصلت إليها كل محطة.

محطة الجنوب

وتقع بين بلدة القرارة شمال خانيونس، ومحافظة دير البلح، وتُغذّي المناطق الغربية لمحافظتيّ خانيونس ورفح، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، وهي في طور التجربة، وستُنتج في المرحلة الأولى 6 آلاف متر مكعب من المياه، ثمّ 20 ألف متر مكعب. وكما بيّن شُبلاق "يُفترض أن يكون الضخ التجريبي بدأ مع نهاية سبتمبر الماضي" لافتاً إلى أنه تم تجهيز المحطة ليتم خلط المياه التي تُنتجها مع مياه آبار أخرى صالحة، وسيتم توزيعها بسرعات مناسبة للوصول إلى سكان المناطق المرتفعة عن سطح البحر.

وفي متابعة لطبيعة المياه التي تصل المنطقة الغربية لمحافظة خانيونس، بعد تأكيدات مصلحة مياه بلديّات الساحل بأن الضخ التجريبي يُفترض أن يكون بدأ نهاية الشهر الماضي، أجرت "بوابة الهدف" مقابلة أخرى حديثة، مع المواطن إياد أبو جيّاب بتاريخ 10 أكتوبر، وأكّد بدوره على أن المياه "بطعمها السيء جداً لم تتغير بالمطلق".

محطّة المحافظة الوسطى

واستكمالاً لما استعرضه شبلاق، قال إنه سيتم توسيع محطة صغيرة موجودة مُسبقاً، في منطقة البصّة، بين مدينة دير البلح و بلدة الزوايدة، بتمويل من USaid، لتُنتج كمية تقدّر بـ2600 متر مكعّب خلال عاميْن، من المياه، لتُغذّي المناطق الغربية في مخيّم النصيرات ومدينة دير البلح، ومخيّميّ البريج والمغازي، بعد خلطها بمياه بعض الآبار الصالحة للاستخدام. ومشروع إنشاء هذه المحطة قيد المناقصة الآن، وسيتم توستعها في مرحلة أخيرة لتُنتج 6 آلاف متراً مكعب من المياه، سيتم ضخها في خزان "شهداء الأقصى" بمدينة دير البلح، لتغذية مناطق المحافظة الوسطى.

محطّة غزة

وتقع في محافظة شمال القطاع، بدأ العمل فيها لإنتاج 10 آلاف متر مكعب من المياه، ومن المتوقّع الانتهاء منها أواخر 2017، وهي بتمويل من بنك التنمية الإسلامي، وتُغطّي حاجة نحو 270 ألف نسمة، يقطنون مناطق الرمال الجنوبي والشمالي، ومخيّم الشاطئ، ومنطقة السامر، أي على بُعد أكثر من 2 كيلومتر عن شاطئ بحر غزة.

وفي ختام حديثه قال شبلاق "في المرحلة المُقبلة، مطلوبٌ من المواطنين أن يعودوا تدريجياً لاستخدام مياه الصنبور، والشرب منها، فالمياه التي ستصل لمنازلهم: آمنة، صحيّة، مُراقَبة، وخالية من المُلوّث البيولوجي الذي اكتُشف أنه موجودٌ في مياه بعض مُوزّعي القطاع الخاص".

وفيما يتعلّق بالمُلوّث البيولوجي، بيّن محمد أبو شمالة أنه عند فحص العيّنات يتم البحث عن وجود ثلاثة أنواع من البكتيريا وهي: القولونيات الكلية, والقولونيات الغائطية, والسبحيات، وثلاثتها لا تعيش إلّا في أمعاء الإنسان، ولا يُسمح بوجود أي نسبة كانت منها في مياه الشرب أو الاستخدام المنزلي؛ لأنها إن وُجدت فهو مؤشر خطير جداً، على أن مياه الصرف الصحي اختلطت بها.

آبار ملوّثة.. لا تُغلق ولا تتم معالجتها !

"بوابة الهدف" حصلت على نتائج فحوص كيميائية وميكروبية، أجريت لعينات من مياه 5 آبار رئيسية تغذي مناطق واسعة بمحافظة خانيونس، وتثبت الفحوص وجود تلوّث كيميائي في 3 آبار، وهي: بئر التحدي، والنعيم، والبئر الكويتي، وتلوثاً بيولوجياً في منطقتيْن بذات المحافظة، ولا تزال الآبار الملوثة تعمل بشكل طبيعي، حتى اللحظة، وتُورّد مياهها "المُلغّمة بالسموم" لسكان خانيونس، بدون أن يتم إغلاقها أو معالجتها، أو "أضعف الإيمان" توعيّة الناس بمخاطرها والاستخدامات التي يُمكن أن تقتصر عليها حفاظاً على صحّتهم وصحّة أطفالهم بالأخصّ.

نتائج الفحص الكيميائي لمياه بئريّ النعيم والتحدي أوضحت ارتفاعاً كبيراً في نسبة النترات، وصلت فيهما إلى 69 و93ملم/ليتر –على الترتيب- والنسبة القصوى المسموح بها لا يجب أن تتخطّى 50، في حين بيّن الفحص أن نسبة أيون الكلوريد في بئر التحدي، ترتفع أكثر من 4 أضعاف النسب الآمنة المسموح بها، إذ وصلت إلى أكثر من 2400 ملم/لتر، بينما النسب القصوى تصل إلى 600ملم/لتر، وفي ذات البئر يتضّح من الفحص أن نسبة الصوديوم ترتفع أكثر من 6 أضعاف النسبة الآمنة، وكذلك ترتفع نسبة الكلوريد والصوديوم في البئر الكويتي.

وبيّن تقرير الفحص الميكروبي تلوّث المياه التي تصل الآبار التي تغذّي منطقتيّ "جزيرة/ جورة العقاد، وأحمد العقاد، بما تُعرف بالقولونيّات الكلّية "Total Coliform"، التي لا تعيش إلا في أمعاء الإنسان، وهو مؤشر خطير على اختلاط مياه الصرف الصحي بالمياه الجوفية، ما يستدعي وقف عمل البئر الملوث فوراً، ومعالج مياهه إن أمكن.

وبينما كانت "بوابة الهدف" بصدد البحث عن الجهات المسؤولة عن هذه "الكارثة الصحيّة"، في أروقة وزارة الصحة بقطاع غزة، قابلت أحد المسؤولين، الذي فضّل عدم ذكر اسمه –لحساسيّة تصريحه- وكشف بأن الوزارة مُقصّرة بشكل كبيرة في دورها الرقابي والتنفيذي فيما يتعلّق بمشكلات المياه، وتابع "كل ما يهمّ الوزارة هو إعداد التقارير الشهرية واستعراض إنجازاتها، لكنها لا تقوم بأي فعل لمعالجة الخلل والمشكلات المتفاقمة".

وقال "يوجد هنا الكثير من المسؤولين الذين لا يُؤدّون دورهم كما يجب، ويرمون بالمهام والعمل على صغار الموظفين بالوزارة، حتى بِتُ ومن معي من الزملاء نقوم بمهمات العمل باجتهاد شخصي بحت، دون توجيه أو متابعة، أو حرص على المصلحة العامة".

ولربما يحمل التصريح الأخير، بعضاً من الإجابة على التساؤل الذي بدأت به هذه السطور، حول السبب الحقيقي وراء إهمال واستمرار "القنابل الموقوتة" التي تحملها المياه للمواطنين، طوال 16 عاماً، منذ أول اكتشاف لتدهور وضعها.

يقول أخصائي التغذية وطب الأطفال د.محمد الراعي "إنّ اختلاط المياه الجوفية بمياه الصرف الصحي أو تلوّثها بأي مُلوّث آخر، يؤدي إلى انتقال الكثير من الأمراض، ومُسبّبات الأمراض، مثل داء الأميبا الذي يُصيب الأمعاء والكبد، ومرض الكوليرا الذي قد يُفضي للوفاة وينتشر على شكل وباء، ومرض الإسهال، والتهاب الكبد والملاريا، وشلل الأطفال، والتسمم الذي يُمكن أن يُسببه ارتفاع نسبة النترات أو الرصاص في مياه الشرب"، موضحاً أنه لا يُشترط أن يُصاب الطفل بالمرض فور شُربه الماء المُلوّث، فالعديد من الأمراض والمشكلات الصحية تبدأ أعراضها بالظهور بعد فترة من شرب المياه الملوثة، أي إنها تشكل خطراً على المدى البعيد.

وكأنّ المواطنين في قطاع غزة بحاجة لقاتلٍ آخر، يفتك بأجسادهم، إضافة لما انهال على رؤوسهم، من اعتداءات "إسرائيلية"، خلّفت سموماً لا تزال تتفشّى في الأرض والبحر والمزروعات، عدا عن حصارٍ نخز في أجسادهم فأهلكها فقراً وبؤساً وتقييداً.

وبعد كل هذه التحذيرات من مخاطر المياه الملوثة، نجد مسؤولاً يُصرّح، لا مُبالياً بوقعِ تعبيره على مواطنين غارقين في المعاناة: "المياه التي تصل إلى المواطنين من البلدية، مقبولة من الناحية البكتيرية، وليست سيئة"، ما يَطرح تساؤلاً مشروعاً جداً مفاده: "لماذا يجب على الغزيّين الرضا بكلّ شيءٍ منقوصاً (مقبولاً-ليس سيئاً)؟!، ألا يكفي جدول كهرباء منقوص الساعات، وفتح منقوص للمعابر، ونقص في الموارد والأغذية والدواء وكل شيء؟!".

متعلقات
انشر عبر