Menu
حضارة

الجبهة الوطنية المتحدة: مهمة اليسار الملحة

اسحق أبو الوليد

منذ عقود والجدل قائم حول الوحدة الوطنية، ليس بمعنى الاصطفاف الوطني خلف موضوع محدد وفي مراحل مختلفة، ولا على أساس التعايش في إطار جامع مع حق الاختلاف والالتزام في الوقت نفسه وكأننا في حزب، بل بناء أداة للتحرير على أساس برنامج وطني معادي لكل أطراف المعسكر الذي مهد لاغتصاب وطننا، وللذين يحتلونه ولكل الداعمين لهم.

إن مثل هذه الأداة – الجبهة لا يمكن أن تقوم إلا إذا توفر لها برنامج سياسي نضالي يلتزم به كل أطرافه ولديه أيضاً الإرادة السياسية والأخلاقية على محاسبة من ينتهكه بغض النظر عن حجمه وموقعه في الخريطة السياسية، ويعتمد على مبدأ القيادة الجماعية.

رغم بعض مراحل الوئام " وهي قصيرة بالمناسبة" التي عاشتها حركة المقاومة الفلسطينية الحديثة، إلا أنها لم ترتقِ إلى مستوى الوحدة الوطنية، ولم يكن بالإمكان تحويل منظمة التحرير لتلعب هذا الدور لأن القوى المعنية بذلك، أساساً، بقيت أسيرة الصفة التمثيلية للمنظمة (اليسار والقوى الرافضة لنهج اليمين)، أما الطرف المهيمن ( فتح) فقد ساوى بينه وبين المنظمة إلى درجة الاندماج مما حولها كملكية خاصة به، فصادر إنجازات القوى الفاعلة الأخرى، واستحوذ على كافة طاقاته المنظمة، وخاصة الاقتصادية والمالية، وجعل منها وقوده الذي به يجدد قوته ونفوذه مما يوفر له شروطاً كاملة لاطالة أمد بقائه وسيطرته على مقاليد السلطتين، التشريعية والتنفيذية.

فمنذ أن افُتتحت أول سفارة ( مكتب) للمنظمة تم التخلي عملياً عن مبدأ المقاومة التزاماً بالمعاهدات والأعراف الدولية وقوانين الدول التي تعترف بالمنظمة وتفتح لها مكاتب.

هذا يعني أن المنظمة قد تم " الاعتراف بها" على أساس وفي إطار " الشرعية الدولية" التي هي أيضاً اعترفت " بحق اليهود في دولة" على أرض فلسطين، كما ينص قرار التقسيم الذي رفض من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وحكوماتها في تلك الفترة واعُتبر خائناً من يقبل به أو يروج له.

" إسرائيل" كدولة مغتصبة وتوسعية بطبيعتها لم تكتفِ بما خُصص لها من الأمم المتحدة (54%) بل تمددت على (80%) من أرض الوطن، وتم الاعتراف بها كما أرادت هي!!.

إن العديد من القوى التي ترفض كل فكر وأيديولوجيا ونهج التسوية، تتمسك بمنظمة التحرير، وتعمل على إعادة بنائها لأنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، رغم الغاء اليمين المستسلم لجوهر ميثاقها القومي والاعتراف باسمها بشرعية الكيان مما يعني التنازل عن (80%) من أرض الوطن.

إن هذا التطور يفرض علينا جميعاً السؤال الملُح: إذا، منذ العام 1968 حتى العام 1993 لم يستطع بعض اليسار أو اليسار بأكمله، وفي ظل موازين قوى أفضل بكثير الآن، أن يحول المنظمة إلى جبهة وطنية حقيقية، فهل هذا ممكن الآن، وفي ظل متغيرات محلية وإقليمية وعالمية لصالح معسكر الأعداء بشكلٍ كاملٍ؟ ليس هذا فقط بل لو افترضنا المستحيل، واستطاعت القوى الرافضة للاعتراف بشرعية الكيان والانخراط بالتسوية، من السيطرة على المنظمة وقيادتها وقامت بالقطع الكامل مع هؤلاء وألغت الاعتراف " بإسرائيل" هل سيبقى الاعتراف بها كما كان في السابق من قبل الجامعة العربية والمجتمع الدولي؟؟.

إن الحقيقة المؤكدة أن ميزان القوى المحلي – الإقليمي والعالمي لن يتغير بشكل دراماتيكي على المدى المنظور، مما يبقي النضال لإصلاح المنظمة وإعادة بنائها" كالحرث في البحر".

هذا يفرض ويتطلب من كافة القوى السياسية الرافضة للتسوية وللتفاوض مع العدو أسياده وأتباعه، وفي مقدمتهم قوى اليسار، أن تبادر لتشكيل جبهة مقاومة متحدة من أجل التحرير وعودة المهجرين لديارهم المحررة وعلى أساس برنامج سياسي معادي للصهيونية وكيانها، وكذلك للامبريالية وللرجعية.

إن تأسيس جبهة بهذه المواصفات والمهام ستكون خطوة على طريق تغيير موازين القوى وطنياً واقليمياً، وستعطي للصراع مع العدو وجهه الحقيقي، وستعيده إلى قواعده الأساسية، ومبادئه الناظمة، أي لا تعايش مع الصهيونية وافرازاتها في فلسطين والمنطقة.

هكذا يمكن لنا أن نساهم في تغيير ميزان القوى من جهة وأن نكون مهيئين ومستعدين للتعاطي مع أي تغير مستقبلاً في موازين القوى عربياً وعالمياً لأنها لن تبقى على ما هي عليه الآن، بل أن هناك بوادر ومؤشرات يجب علينا أن نستقرئها ونستعد لها، وعلى الفلسطيني المخلص لقضيته وشعبه أن يساهم في انهاء المهزلة، إنه " العالم بالمقلوب" أي أن القبول بالتقسيم هو خيانة وطنية ( رغم أنه يخصص 44% للدولة العربية)، أما  القبول بدولة على (18%) أو أقل من أرض الوطن هو انتصار وبطولة؟!. إن ما رفضه أجدادنا وآبائنا نرفضه نحن أيضاً وما كان في نظرهم خيانة هكذا نراه نحن وأبنائنا.

إن الشرعيات تقررها موازين القوى، أم الحق التاريخي يقرره الصراع والنضال، ولاشك أن الشرعية التي نريدها ليس في هذا العالم إنها في عالم آخر قادم لا محالة، وها نحن نسمع خبطات أقدامه، رغم بعدها نسبياً إلا أنها مسموعة.

إن مرحلة منظمة التحرير قد انتهت، ومن يبادر لتشكيل الجبهة الوطنية المتحدة، ويمارس حرب الشعب طويلة الأمد بكل أشكالها، وخاصة العنف الثوري المسلح سيقود المرحلة المقبلة، مرحلة التحرير والنصر والعودة.