على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

غسان وعدي أبو جمل.. روح في جسدين سطرت عملية نوعية للتاريخ

18 شباط / نوفمبر 2016
  • 2
  • 15151513_919670141499063_413379073_n
  • 15058609_919670184832392_222293122_n
  • 15134352_919670198165724_127318705_n

القدس المحتلة - ساري جرادات - خاص بوابة الهدف

في مدينةٍ يتلاقى فيها المحب وحبيبه، خرج شهيدانِ لا يضاهيهما أحدٌ جمالاً وحباً، استودعاها مبتسمين بصدقٍ غير زائف، يحملانِ هالةً مقدسةً للمدينة التي اتسعت لأديان السماء واكتوى بنيران أعدائها أهلها، لتبقى كما عُرفت عبر الزمن، شامخةً بمن يحميها ويصمدُ فيها، فيما تستمرّ السماء بدورها المعتاد في استقبال الأرواح الجميلة من هذه الأرض، ولتبقى الفكرة محمولةً في أرجائها.

تمرّ اليوم الجمعة، الذكرى الثانية لاستشهاد البطلين غسان وعدي أبو جمل، منفذا العملية البطولية باستخدام السواطير والأسلحة، في معبد صهيوني بمدينة القدس المحتلة، وذلك في العام 2014، في مثل هذا اليوم 18 من تشرين ثاني/نوفمبر.

أجرت بوابة الهدف الإخبارية لقاءً مطولاً مع عائلة الشهيدين غسان وعدي أبو الجمل، حيث استذكرت حياة الشهيدين، وتابعت بعض القصص والمواقف من حياتهما، إضافةً لاطلاعها على حياة عائلة الشهيدين، تزامنًا مع ذكرى العملية التي تعتبر من أفضل ثمانية عمليات بطولية أثّرت على كيان الاحتلال الصهيوني.

تحدث معاوية الشقيق الأكبر للشهيد غسان أبو جمل، مع مراسل الهدف، قائلًا "كان غسان وعدي يعملان معي، وجل حديثهم ونقاشهم بالأخبار والمستجدات السياسية الفلسطينية والعربية وأحوال مدينة القدس، وتزايد حديثهم أيام الحرب على غزة عن ضربات المقاومة ومدى فاعلية صواريخها. حيث كانا يبديان الحزن والتأثر على الشهداء بغزة، والدمار فيها".

وحول الاحتلال فيما بعد منزلا الشهيدين وعائلاتهم لركامٍ، كما كان الحال في غزّة. يعلّق والد عدي على الأمر قائلًا "ستة منازل هدمها الاحتلال، وحولها لما يشبه الدمار الذي لحق بمخيم الشجاعية في حربه العدوانية الأخيرة على قطاع غزة"، واستطرد "يستطيع الاحتلال تدمير كل شيء إلا إرادة الحياة والبقاء والمقاومة فينا".

واعتبرت والدة الشهيد عدي أنّ إغلاق المنزل ليس له قيمة أمام استشهاد ابنها، مضيفة "أحزن لأن في هذا البيت القديم تزوجت وأنجبت أطفالي حتى كبروا وأصبحوا رجالاً، واليوم بكل ما يحمل من ذكريات أغلقه الاحتلال أمامنا وشردنا في الشارع، ولكن نستمد قوتنا من عظمة وقوة البطلين".

يضيف معاوية "تربطني بغسان وعدي علاقة طيبة جداً، كنت دائم الدعوة لعدي أن يختار الفتاة المناسبة وأنا أتكفل بمصاريف خطبته، كان يبتسم ويقول لي "لسه بدري"، كانا شديدا الحرص على التفاني والإخلاص بالعمل وانجاز المهمات الموكلة قبل الوقت المحدد، كانا يتركان بصمة جميلة في كل مكان".

في احد أماكن العمل قام غسان وعدي بمحاصرة أحد المستوطنين ورفع "مجراد" (أداة مستخدمة في عملية الدهان) عليه لضربه بعد تفوهه بألفاظ نابية تجاه الفلسطينيين، الأمر الذي استدعى من "معاوية" لمنعهما، وقام بنقلهما لمكانٍ عمل آخر، ولكنهما أصرا على الانتقام في المكان والزمان المناسبين.

وفي موقفٍ آخر، صرح أحد الأطباء "الإسرائيليين" الذي يعمل في مستشفى "شعاري تصيدق" نيته تبليغ شرطة الاحتلال بوجود ملامح غريبة جداً في نظرات غسان وعدي قبل ثلاثة أيام من العملية بعد أن رؤيتهم في المستشفى، الأمر الذي يبعث على الاستغراب والتساؤل، حيث عاش الطبيب حالة نفسية معقدة بعد مشاهدته صورهم فيما بعد.

وتميز كلاهما بأخلاق وإنسانية عالية، كما تميّزا بالمحبة والصبر والإرادة والقوة والشجاعة، وكانا شديدا الحرص على تقديم المساعدة لكل من يحتاجها. كما شاركا في المواجهات التي تندلع في القدس بشكلٍ مستمرّ.

 كان عدي يحب الجلوس قرب جدته التسعينية ويدعوها لترديد أغاني الثورة الفلسطينية والفدائيين التي حفظها منها، وكان يرددها دومًا، من بعدها.

تعرضت والدة غسان وهي عائدة ذات مرة من صلاة العشاء في المسجد الأقصى للإصابة بقنبلة غاز بصدرها، الأمر الذي أفقده صوابه، وعلق لسانه على ترديد كلمتين هما "أمي اتصاوبت" لكل من يمر عنه أو يجلس معه، لتشكل إصابتها علامة فارقة في حياة ابنها.

قبل يومين من العملية، ذهب غسان لأداء واجب العزاء بالشهيد يوسف الرموني من بلدة الطور الذي أعدمه المستوطنين، تلك الفترة، غادر المعزين الخيمة وبقي الشهيدان وحدهما، فظنّ والد الشهيد الرموني أنهم من مخابرات الاحتلال، قبلوه وعانقوه، ليعلموه بعد أيامٍ قليلة حقيقة هؤلاء الذين أخذوا ثقافة الحياة التي تحارب المحتل من الشهداء.

وعن غسان وعدي، قال والد الشهيد الرموني في حديثٍ مع مراسل الهدف "اخذ الشهيدين بالثأر لابني ولمقدسات فلسطين، واستطاعا الكشف عن أسلوب البلطة والسكين في مواجهة الاحتلال وردعه للكف عن الاعتداءات والإرهاب المنظم الممارس بحق الأرض الفلسطينية، لو كنت اعلم أنهما سيكونان من الشهداء لقبلت جباههم الحرة المرصعة بالبطولة والمجد".

قبل شهر من العملية، قام غسّان وعدي بطلاء منزل غسّان، فأغلاق الأبواب، وقاما باختبارٍ بسيط لمدى قوتهم، فضربا بعضهما البعض، فنزف دم من فم الشهيد غسان جراء لكمات الشهيد عدي له، حتى راح الأخير بمعالجة رفيقه في مشهد يحوي إنسانية عالية كاد الشهيد عدي يبكي ليقول له غسان "ضرب الحبيب زبيب".

في صباح يوم 18 تشرين ثاني/نوفمبر 2014، انطلق البطلان وأعلنا صيحتهما بطريقةٍ خاصّة، ليعلنوا بدء عمليات الثأر المقدس التي مرّغت أنف حاخامات الاحتلال التي تعطي لعدوانه دافعًا دينيًا، حيث أثبتت سواطيرهم، وسكاكينهم، قدرتها على بثّ الرعب في نفوس جنود الاحتلال وحاخاماته.

وحول يوم تنفيذهم للعملية قال شقيق الشهيد غسّان، "حتى اللحظة الأخيرة لم يكن هناك أي ملامح أو تصرفات بادية عليهم، استفقت من نومي وشاهدت العملية على التلفاز، وبعد دقائق سمعت أصوات مختلفة في محيط المنزل، نزلت إلى فناء البيت، وعلمت من عيون الناس ونظراتهم أن المنفذين من هنا ولدوا ومن هنا خرجوا".

يقول "هما سندي لا تمر لحظة أو موقف إلا واشعر بحاجتي الشديدة للشهيدين، يجمعني بهما روابط الأخوة والجيرة وزملاء العمل، اعتدنا على شرب القهوة والشاي وتناول الطعام والسهر سوياً، كان عدي يحب كعك القدس، يتصل بي ويقول لي "قول لام محمد تجهز الشاي".

بينما كان حاخامات الاحتلال يغرقون في فتاويهم الداعية لقتل الفلسطينيين، ويبرعون في اختراع أساليب التعذيب لشعب أحب الحياة، اطل الشهيدان أبو جمل يشهران حكم الشعب ليعدموا داعي اقتحام الأقصى وإعدام الفلسطينيين وتهجيرهم.

والدة الشهيد غسان أبو الجمل زغردت لعريسا القدس مرتين، الأولى لبطولتهم وجرأتهم بالإقدام على مواجهة جنود الاحتلال وحاخاماته، والثانية فهي أم العريس الذي رفع رأسها وأسنده ليناطح عنان السماء، وقالت باقتضاب لمراسل "الهدف"، "نيالهم الشهداء، هم حماة القدس وربنا يجمعنا فيهم بالجنة".

زار الشهيدان ذويهما في المنام مراتٍ عديدة، زيارات تكشف عن سر سعادتهم بمنازلهم في السماء، ويظهران بأجمل صورة وبابتسامات لا تنقطع، وما أن يقوم احد لعناقهما حتى يعودا لأماكنهما.

وتميّز الشهيد عدي بابتسامة ساحرة، بمقدورها أن تحول مسار الحزن والفاجعة لموقف كوميدي مضحك، ابتسامة دبلوماسية مميّزة كما يصفها أهله. فيما تميّز الشهيد غسان بحبه الشديد لعائلته وأطفاله الثلاثة  (وليد 8 سنوات، وسلمى 6 سنوات، ومحمد 5 سنوات(.

لا يزال طفل الشهيد غسان الصغير يطلب والده، ويقول أنّه تأخر في العودة كثيراً إلى المنزل، فهل تكفي كل دموع العالم لحمل سؤال الطفل محمد الباحث عن أبيه وسط الركام وضبابية المرحلة، كما تقول زوجة الشهيد غسان.

في يوم العملية، ارتدى غسان ملابس عدي، وارتدى عدي ملابس غسان، للتأكيد على عدم وجود فرق بينهما.

مزقت سواطير غسان وعدي أصوات الحاخامات وشرطة الاحتلال، بعد نفاذ ذخيرة مسدس الأوّل، والذي حاول في أيامه الأخيرة توفير مزيد من الرصاص، لكن حرصه على سرية العمل الثوري حالت دون الوصول لذخيرة جديدة، لتخوفه من ارتباط العديد من التجار بمخابرات الاحتلال وأجهزته.

وكان لتوقيت عملية جبل المكبر البطولية طابعًا خاصًا في نفوس الفلسطينيين، والتي جاءت بعد سلسلة طويلة من تغوّل الاحتلال بالقتل والبطش لكل ما هو فلسطيني، وكذلك في نفوس الصهاينة، وأقر الاحتلال بقوتها ووقعها الشديد عليهم، وذلك على لسان العديد من قادتها السياسيين والعسكريين على السواء.

متعلقات
انشر عبر