Menu
حضارة

عاصفة هوجـــــاء

د. هيفاء حيدر

طائرات تحالف "عاصفة الحزم"

كما أتت، ذهبت مع الريح، ذهبت أدراج أحلامها السوداء، كانت علائم الصراع قد بدأت تطفو على السطح  في منطقة ساخنة وكأنها تعبر بركان هُيّئ له أن ينفجر على عجل، اختلطت كل الأوراق خلال بضعة سنوات ليصبح ما كان قائماً من قبل  وكأنه بات في حكم الملغى مما وحدنا وأضفى على شعوبنا وشائج التقارب والعيش المشترك من لغة ودم وتاريخ واحد، مع إعلان توقف العمليات العسكرية لعاصفة الحزم كانت تنطفئ آخر بارقات الأمل بكل ما سبق من عناصر باتت لا تجمع بيننا سوى بالأشلاء والدم المسال، والسؤال البسيط الذي يعبر من أمام اعيننا الآن، ترى  لو أتيح لأحد منا أن يسأل الناطق الرسمي "لعاصفة الحزم"، ما الذي كان يشعر به وهو يعلن إنتهاء عمليات تحالفه العسكرية، ماذا كان بإمكانه أن يوصف حالته، أية كلمات كان سينتقي؟ فماذا كان سيقول ، وكم من أبناء جلدتنا كان سيقتنع ولو بنزر قليل مما سيأتي به من حجج حول أعداء شبه الجزيرة العربية من أبنائها لبعضهم البعض، أليس هذا زمان وقع بكامله خارج النص؟ ذاك النص الذي لم يلقى حدوداً لتعابيره، ولم يتح له الزمان أن يرصف جمله في معاني قابلة للفهم، حتى لو كانت كما ترصف الحجارة في شوارع عالمنا العربي، عندما يداهمها عطاء لخلطة اسفلتية، لا تلبث أن تجرفها أمطار الشتاء الأولى، فكيف بالربيع الذي أغتيل زوراً وبهتاناً من بين كل فصول السنة، أتو به راكباً عربة لا تجرها أي خيول، أختاروه عنواناً ومخرجاً لعواصف كانت حازمة كسيف الحجاج الثقفي وهي تلاقي ما قام به إبن حزم في عابر الأزمان الغابرة إبان الصراعات الدامية على المُلك والخليفة لبواقي دول إنهارت منذ عهد الأندلس وحتى يومنا هذا كما إنهارت بيوت اليمن السعيد تحت وطأة طائرات التحالف.لقد أبدع العرب بعد آلاف السنين في إحياء مواتهم وهم رميم من داحس والغبراء الى حروب ردة اليوم لم ترى في المسجد الأقصى سوى تاريخ بات قاب قوسين أو أدنى من الإختلاف عليه والتفاوض بإسمه ولكن في ساحات الوغى العربية العربية وفي شوارع أقدم المدن والحضارات التي أعطت للشرق تاريخاً وللعروبة عنوان.

هذا زمن أُغتيل لدينا حتى التفكير في أحلامنا التي إمتدت عقود من الزمن كنا نداري حلمنا في نسيانه تارة بين خبايا ذاكرتنا التي ما عاد إسترجاعها سوى لتذكر بطولات كتبها المنتصرون فقط، وتارة في استرجاع زمن نضيف عليه بعض من أمانينا ويضيف هو علينا بعض من قسوته وبعده عن عالمنا اليوم، الذي بتنا فيه محاصرين ، مهانين ، أذلاء ، ونحن نستمع لشريط من الأخبار يوسم الصديق والأخ وصاحب رابطة الدم بالعدو، كانت عاصفة حزمت أمرها بأن زماناً غير زماننا قد بدأ، وإن ما تبقى لنا ليس سوى القليل،  وأن حاضراً نعيشه ما عدنا نمتلك منه ولا حتى كمشة رمل،  هناك من فكر عنا وكتب ويقرأ اليوم في سفر تكوين جديد فلا أحد يستهجن غزواً لبلد عربي لآخر، لم تعد تنفع التسميات  ولا تغني عن جوع ،تداعت دول، وقوات، حتى تجلب الماضي مخفوراً بكل ما فيه من تاريخ الحروب والمعارك والغزوات، ، وبكل ما يحمل من إرث أبن حزم وإبن تيمية سوية وصبت العاصفة جام غضبها على حاضرنا كي تؤسس لمستقبل المنطقة بعد قرن من الصراعات والتقسيم، نحو خارطة جديدة توصف بالأكثر فوضى ودماراً وخراب.وإبتعاد عن ثوابت الحق لدينا في وجه الباطل.

لا أحد كان يتوقع أن تتراكض دولاً من نفس سحنة العربي الى قصف بلدان عربية أخرى، عن أي حزم كانوا يتكلمون، عن سيف ألحجاج المشهر في وجه بعضنا البعض أم عن دور للذهب الأسود التي ما نضبت منابعه بعد ، أهذه كانت الحرية المنشودة ؟ أم العبودية القادمة من الغرب الى شرق أدمت لياليه حروب تقام عن الآخرين الذين فضلوا ترك قواتهم تشاهد صور القتال عن بعد ، تمد بطولات دولنا بالعتاد كي تقتل ما تبقى من آمال بغد لن تشرق شمسه في ظل كل عواصف الشتاء هذه.

 ربما انتهت عملياً من الجو غارات التحالف السعودي على طيبة وتمسك أهل اليمن ببلادهم وتاريخها وما تبقى من قواسم تجمع بين جنوبها وشمالها، لكن من سيوقف شلال الأحزان والدمار في كل صور الحاضر والمستقبل ؟ ومن سيعيد الى العربي بعض من ماء وجهه وهو يشرح كيف إنتصر بالدم والسيف لتقسيم أرضه وثرواتها وتركها رهينة مودعة في حنايا تحالفات الفوضى والعالم الجديد الموغل في وحشتيه في استلاب كرامة الإنسان وحلمه بالعدالة والحرية، وذاك العدوان الذي ترسخ في ذاكرة كل فرد منا كيف لنا أن نواجهه وأن نستجمع صلابة الإرادة لدينا بأننا قادرون من جديد على النهوض والمواجهة، وأن بعض مما كنا وما زلنا نؤمن به ما زال حي ينبض في عروقنا مهما اشتدت قوة الباطل اليوم ومهما بلغت من عتيها عدد الدول المتحالفة، سيبقى الحق أقوى من سيف الحجاج وأكثر تأثيراً من كل ما مات وإندثر مع إبن حزم من فتاوي تحاول أن ترى النور من جديد في منطقة باتت تغلي على صفيح ساخن يحرق الأخضر واليابس معاً.