على مدار الساعة
أخبار » صحافة المواطن

قتل الوقت واحتمالات معيارها الموت

27 تموز / نوفمبر 2016
تعبيرية
تعبيرية

نغم شرف

تتابعني أينما سرت مشاهد مليئةٌ بالأيادي كما يتابع صوت الكمان أمل دنقل.

أسرق الحامض من البساتين، يد أمي تصفعني على وجهي. آخذ كلبتي في نزهة، على هذه الطرقات لا تزال يدي ممسكة بشروال جدي وهو يوصلني إلى المدرسة. في عرض البحر يدي تحت الماء ترفع ظهر نديم. قرب الخزانة يداي وبكامل قوتهما تخنقان خمس سنوات من الضرب. بين الطابق الأول والثاني، قرب المنور، تقع أختي على يدي اليسرى وتكسرها.

الساعة الواحدة والنصف صباحاً. يدي اليمنى في الهواء، ظلّها على الحائط نعامة، أرخيها، يسقط الظل، يقع في يد مصنوعة من تراب تنبت منها الحياة أو تدفن. النعامة تختنق.

أتناسى النعامة ورأسها العالق في التراب كل يوم، لا أحرّكها لا أستطيع الوصول إليها، أريد أن أشاهد تفاصيل موتها بهدوء، وأصغي لكلّ ما تعلمته من يدي التي هوت.

قد يأتي الشتاء قاسياً وتشقّق الأمطار الحائط أو تجرف التربة. بإمكاني أن أرفع يدي، بإمكانه أن يخفض يده، فتتنفس النعامة. لن أرفع يدي ولن يخفض يده. لا أفقه بأحوال الطقس، وكلّ ما أملكه هو يد ثانية، وحين تصبح جاهزة، ربما قبل بدء الخريف وبعد انتهاء ربع قرن من حياتي، ستنعم على احتمالات الموت الرحيم كلها. فتبقى جثّة الظل على الحائط حيث تنتمي.

اختبرت لحظة سلام حقيقية واحدة طول حياتي: عندما كانت يدي على جثّة أمي. منذ ذلك الحين أدمنت الجثث. الموت عن قريب يعيدنا إلى جوهرنا، تختفي الرواسب، تتجمّع التشتّتات ونجد الحياة مرتكزة بنقطة واحدة بداخلنا، نقطة صغيرة جداً، قوية جداً، ولا تضم سوى ما يهم، فنفهم من نحن وماذا نريد في لحظة عابرة. يصبح الموت هو المعيار لكل احتمالاتنا، أقله لفترة معينة قبل أن نعود وننسى.

لم أعد أخاف من الموت أو من الحياة، أصبحت أخاف من قتلي للوقت. أستمع للموسيقى نفسها طول النهار، أحضر المعكرونة طوال أسبوع، أقرأ نفس الرسالة وأحاول إيجاد رد ألطف لن أرسله، أشاهد نصف فيلم، أملأ فراغي وفراغ المساحة بالحيوانات والنباتات، وكلّ حي سيُجبرني على الاستيقاظ والخروج من المنزل. وحين لا أستطيع رؤية بطونهم ترتفع وتنخفض، أوقظهم لأتأكّد أنّهم أحياء. أنسلخ عن محيطي وأعلق بهواجسي، أحاول تذكّر أحلام ليلة أمس، أجهز سيناريوهات لمواقف قد تحدث، أغنّي بصوت عالٍ، أراجع أحاديث نسيت جملها الطويلة وابتلعت مشاعرها فقط. أدخن، أحاول ألّا أسمع صراخ قطتي الباحثة عن المجامعة منذ شهر، صوتها يوجعني أكثر من صوت القرآن في العزاء. أتنقّل بين ثلاث مناطق بأمل أن أجد نفسي في واحدة منها ولا أجدها، الباب يُطرق لا أفتح. الهاتف يرن لا أرد. أقرّر أنّني سأنظف المنزل، فأكمل القسم الثاني من الفيلم.

أجلس في المقهى مع الرجل الذي لا يزال يحدثني عن حقيقته، حقيقته اليوم تشبه انخفاض صوتك حين قلت أحبّك. أشتري عصفوراً وأطلق سراحه في بستان الزيتون، يقف على الغصن ولا يطير، أرمي البحص باتجاهه. لا يتحرك، سيموت في الأيام المقبلة لأنّه لا يعلم أن بإمكانه الطيران. قطتي لا تزال تقف يومياً تحت قفصه الفارغ وتراقبه لساعات، لا ترى أنه لم يعد موجوداً.

يتابعني الموت أينما سرت، كما يتابع صوت الكمان أمل دنقل.

أستيقظ وأعلم أنّه أثناء نومي رحلت العديد من الأرواح الجميلة. في هذا البلد الموت كثيف، الموت في الهواء، على الأوتوستراد، في انقطاع المياه، في تعب وجوه مَن نحب، في تفكيرنا الزائد ومحاولاتنا الدائمة لإيجاد أجوبة كأنّنا نملك كل وقت الكون. لا نستطيع الاحتفاظ بلحظات السلام التي نجدها نادراً، لأنّ الخوف هو المعيار، فنقتلها، ونحولها جثتاً صغيرة تدفن بداخلنا، ندفن جثث القصص، والأشخاص، والعقد والاحتمالات والأحلام والانكسارات. وحين تمتلئ أعضاؤنا الداخلية، نبدأ بالحفر تحت أعيننا، نضعهم كرجفة على أطراف اصبعنا، على ظهرنا فينحني، بلساننا والتفاهات التي تخرج منه. إلى أن يملأ الموت كل مساحتنا، فنصبح جثة كاملة.

عاد الموت ليكون المعيار من جديد. أقرر اليوم أنّني لن أقتل وقتي، كثافة الموت تدفعني إلى الحياة، ولو بلمحات بسيطة. فأفرح بالأضواء الظاهرة من شباك غرفتي، بابن جاري الصغير وطرقه للباب طوال النهار ليرى كلبتي، رغم خوفه منها، بأغنية جميلة بدأت وأنا في سيارة الأجرة أشاهد المدينة من خلف النافذة، بإقناعي طفلاً أفقدته الحرب قدرته على الكلام أنّه أجمل ما رأيت، فبكى وابتسم. كابتسامتي حين أتذكّر أنّني أملك فرشاة أسنان في منزل أحدهم، وأنّ هناك وجوهاً ومياهاً وطرقاتٍ لم أصادفها وألمسها بعد، ستضاف إلى كل اللمحات التي تدفعني نحو العيش.

لو باستطاعة الموت أن يبقى معيارنا طول الوقت لما كنت هنا الآن. لربما بقيت في صباح أحد، لم يكن يشبه الآحاد بشيء. لو أنّ الموت هو المعيار فكنت سأعطي رضوان الكتاب الذي طلب استعارته مني قبل أربعة أعوام، لكنّنا دائماً نعود للجمود. الخوف والنسيان أقوى من الحب ومن الموت أحياناً.

المصدر: شباب السفير

متعلقات
انشر عبر