على مدار الساعة
أخبار » آراء

شادية نايف أبو غزالة: روح العمل الفدائي الجميل

07 نيسان / ديسمبر 2016

في الذكرى الثامنة والأربعين لاستشهاد "شادية أبو غزالة"، في الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني تحديداً، وبعد تصفح خبر غير دقيق، نشر في جريدة القدس، بتاريخ: 30 تشرين الأول 2016؛ يتحدث عن إحياء ذكرى استشهاد المناضلة "شادية أبو غزالة"، يوم 28 تشرين الأول، وبعد مشاهدة صورة ليست لها، منشورة بجانب الخبر؛ برز سؤال كبير: إلى أي مدى نتوخى الدقة فيما ننشر؟ سواء على صفحات الجرائد، أو الكتب، أو المجلات، أو على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي؟ وكيف يمكن أن نصحّح هذه الأخطاء بمسؤولية؟

وإلى أي مدى يهمنا أن نرسِّخ صور الشهيدات والشهداء، والمناضلين والمناضلات، في الذاكرة الشعبية الجماعية، إلى جانب الكشف عن الملامح الإنسانية، والسيرة الشخصية، والنضالية، الخاصة بكل منهم/ن؟

*****

تأملت في الصورة المنشورة بجانب خبر إحياء الذكرى، وحاولت أن أحلِّل سرّ تشبث العديد من المواقع الورقية والإلكترونية بالصورة الخطأ، رغم أن الأصدقاء وأفراد العائلة بذلوا جهداً لإرسال الصورة الصحيحة لاستبدالها.

الصورة المنشورة هي صورة فدائية، تحمل البندقية، وتلبس الكاكي، والأرجح أن الصورة قد التقطت في أحد معسكرات التدريب على العمل العسكري في لبنان أو الأردن.

لم يفكر من نشر الصورة في الربط بين سيرة حياة شادية وبين الصورة. لو فعل لما نشرها، حتى لو لم يكن لديه الصورة الصحيحة.

ببساطة؛ كان عمل شادية صامتاً وسرياً، ولم تكن لترضى بالتقاط صورة لها في معسكرات التدريب، في الأردن أو في لبنان، لأن ذلك يعني كشف طبيعة عملها لقوات الاحتلال الإسرائيلي.

صور شادية تعكس شخصية فتاة حرّة؛ مقبلة على الحياة، ومشرقة، ومتفائلة، وتثق بقدراتها. صحيح أنها لا تناسب الصورة التي يحب الناس أن يربطوا المرأة المناضلة بها؛ لكنها تمثل روح العمل الفدائي الجميل، حين كان النضال السياسي حلماً واختياراً واعياً، ولم يكن مرتبطاً بأي مكسب شخصي، أو حزبي، أو وطني.

*****

نشأت شادية في بيت علم وثقافة واسعين. احتضنتها شقيقتها الكبرى "هيام"؛ لتكون بديلاً عن الوالدة التي رحلت مبكراً دون أن تعرفها الطفلة ذات الخمس سنوات، واحتضنها الأشقاء جميعاً. وكان لوالدها الحنون، والعصامي، والمثقف، أكبر الأثر في انطلاقها للعمل وفق قناعاتها، واختياراتها، وفي سفرها لاحقاً إلى القاهرة، لاستكمال دراستها الجامعية.

صغيرة كتبت الشعر، بعد أن قرأت وحفظت الكثير منه. قرأت أيضاً في الأدب، والفلسفة، والعلوم الإنسانية، ما ساهم في تشكيل حس نقدي لديها، وساهم في إيمانها بضرورة التغيير على الصعيد السياسي والمجتمعي؛ فربطت ببراعة بينها.

وزَّعت المناشير السياسية، مع زميلاتها، أثناء الدراسة، بعد طباعتها على ورق الكربون (الطلاب الأحرار)، وانتمت إلى حركة القوميين العرب، والاتحاد العام لطلبة فلسطين.

لم تستطع الطالبة الجامعية؛ الحساسة والإنسانة، أن تحتمل هزيمة 1967. قرَّرت أن تقطع دراستها الجامعية، وتبقى في نابلس، لتناضل مع أبناء شعبها، للخلاص من الاحتلال. ولم يمنعها ذلك من تحصيل العلم في بلدها. التحقت بمعهد النجاح في نابلس.

ساهمت في تشكيل أولى الخلايا النسائية المسلحة، من خلال انتمائها لتنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ ما أهَّلها للقيام بالعمل السياسي بمفهومه الواسع، الذي يتضمن العسكري والثقافي والاجتماعي.

*****

أصدرت لجنة تخليد ذكرى الشهيدة شادية، في الذكرى الثلاثين لاستشهادها، كتاباً بعنوان: "باقية هنا: شهيدة فلسطين شادية أبو غزالة"، حرَّرته د. إلهام أبو غزالة، ضمّ مجموعة شهادات لرفيقاتها ورفاقها، ولقيادات وطنية فلسطينية، كما ضمّ بعض محاولاتها الشعرية، التي نشرت تحت عنوان: "من دفاتر شادية: محاولات شادية في الشعر".

ومن خلال الشهادات، يؤرِّخ الكتاب لحياة الشهيدة، ولنضالها السياسي والعسكري بعد العام 1967م، كما يؤرِّخ لملامح من نضال المرأة الفلسطينية قبل العام 1967.

يتبيَّن من خلال شهادات بعض القيادات النسائية الفلسطينية، وقيادات العمل الوطني الفلسطيني، صفات الشهيدة الإنسانية، وعملها السياسي، كجزء من مجموع النساء، كما نتعرَّف على أسماء شهيدات فلسطينيات، ما قبل العام 1967م، مثل: "فاطمة غزال"، و"حياة البلبيسي"، و"جميلة أحمد صلاح"، و"ذيبة عطية"، كما يتبيَّن التقدير الكبير لدور شادية السياسي والعسكري، والذي يؤكَّد قدرات المرأة، ومكانتها الاجتماعية والنضالية.

أما شهادة شقيقتها "إلهام"، فقد حدَّدت ثلاثة عوامل ساهمت في تكوين شقيقتها: حب الأهل، وفقدان تقدير المرأة في المجتمع، والعمل الوطني المنظَّم.

أرَّخ الكتاب للدور السياسي للشهيدة، وللأدوار السياسية للنساء، ما بعد 1967؛ ولكن الشهادات لم تف الشهيدة حقها، كما لم تف نضال المرأة الفلسطينية السياسي حقه.

كم يكون رائعاً لو استكملت لجنة تخليد ذكرى الشهيدة شادية عملها، إحياء لذكرى الشهيدة، وأعدَّت كتاباً جديداً، يهدف إلى جمع شهادات أخرى، من أصدقائها، وزملائها، ورفاقها، وعائلتها، عبر منهج التاريخ الشفوي، يتم من خلالها توثيق تفاصيل دقيقة عن حياة الشهيدة؛ نشاطاتها السياسية والعسكرية والثقافية والإنسانية، ورؤيتها السياسية، بارتباطها بالعمل السياسي والعسكري، في الفترة السياسية المحددة، ومن خلال عملها مع الشابات والشباب، ومن خلال انتمائها إلى تنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم مقارنة الشهادات بعضها ببعض، للوصول إلى صورة أكثر دقة وإنصافاً لحياة الشهيدة، ولنضال المرأة الفلسطينية.

*****

شادية الحبيبة،

كم نحتاج ابتسامتك الجميلة، وهمتك العالية، ونقاءك الثوري، وإيمانك اللامتناهي بحتمية الانتصار، في مثل هذه الأيام السوداء، من حياتنا!

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

د. فيحاء عبد الهادي

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر