على مدار الساعة
أخبار » ذاكرة التاريخ

الذكرى 49 لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

11 تشرين ثاني / ديسمبر 2016
الذكرى 49 لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
الذكرى 49 لتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

يرتبط تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ارتباطاً وثيقاً بهزيمة حزيران والدروس النظرية والسياسية والتنظيمية التي أفرزتها وبلورتها تلك الهزيمة. كما يرتبط تأسيس الجبهة بحركة القوميين العرب وتنظيمها الفلسطيني وتجربته النضالية منذ نكبة عام 1948م، وبالدروس التي اكتسبتها من تلك التجربة، والتي قادتها منذ بداية الستينات إلى الإعداد للبدء بالكفاح المسلح.

فبعد حرب 1967م سعى النزاع الفلسطيني لحركة القوميين العرب لإيجاد إطار جبهة تضم مختلف الفصائل الوطنية، لأن وجودها عامل أساسي من عوامل الانتصار، ولأن منظمة التحرير بطابعها الرسمي آنذاك لم تكن تصلح لتشكيل هذا الإطار وقد أسفرت المساعي المبذولة عن إقامة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي ضمت إلى جانب هذا الفرع، جبهة التحرير الفلسطينية، وتنظيم أبطال العودة، وعناصر مستقلة، ومجموعة من الضباط الوحدويين الناصريين. وصدر البيان السياسي الأول للجبهة في 11/12/1967م. لكن مسيرة هذا التشكيل تعثرت نتيجة خلافات سياسية في وجهات النظر، فانسحبت جبهة التحرير الفلسطينية في تشرين الأول/ أكتوبر 1968م، وشكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة.

وعلى ضوء التطورات التي شهدتها منظمة التحرير الفلسطينية، تخلت الجبهة الشعبية في ذلك الوقت، عن سعيها لايجاد “جبهة وطنية”، لأن منظمة التحرير جسدت في نظرها، هذه الجبهة بخطوطها العريضة.

هذا التطور جعل الجبهة موضوعياً، تنظيماً سياسياً محدداً، خصوصاً بعد انصهار تنظيم أبطال العودة انصهاراً كاملاً في صفوف الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب. وعندئذ بدأ العمل لتحويل الجبهة الشعبية إلى تنظيم سياسي ماركسي- لينيني. ولكن عملية التحويل واجهت مشكلات وخلافات داخلية، ورأى عدد من أعضاء الجبهة، استحالة تحويل تنظيم برجوازي صغير إلى تنظيم ماركسي- لينيني. وقد أدى هذا الخلاف إلى انشقاق “الجبهة الديمقراطية” عن الجبهة الشعبية.

في شباط/ فبراير 1969م عقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها الوطني الثاني الذي أقر وثيقة “الاستراتيجية السياسية والتنظيمية” التي شكلت محطة هامة في مسيرة الجبهة وتطلعها إلى تحويل تنظيمها القائم إلى تنظيم ماركسي – لينيني مقاتل. وارتباطاً بهذا التوجه أقامت الجبهة مدرسة بناء الكادر الحزبي في الأردن. وأصدرت “مجلة الهدف” التي ترأس تحريرها الشهيد غسان كنفاني عضو المكتب السياسي للجبهة. غير أن انغماس قيادة الجبهة في العمل على تصعيد فعاليات الجبهة وأنشطتها السياسية والعسكرية والجماهيرية ضد العدو الصهيوني، أدى إلى تأخير إنجاز عملية التحول.

في آذار/مارس 1972م عقدت الجبهة الشعبية مؤتمرها الوطني الثالث، الذي أقر وثيقة “مهمات المرحلة الجديدة” والنظام الداخلي الجديد وأعطى عملية التحول وبناء الحزب الثوري أيديولوجيا، وتنظيمياً، وسياسياً، مكان الصدارة ايماناً منه بأن قدرة الثورة على الصمود والاستمرار تتوقف على صلابة التنظيم.

أما النظام الداخلي الجديد، فقد نص على المبادىء التنظيمية الأساسية للجبهة وأهمها: المركزية الديمقراطية، والقيادة الجماعية، ووحدة الحزب، والنقد والنقد الذاتي، وجماهيرية الحزب والثورة، وكل مقاتل سياسي وكل سياسي مقاتل. وحدد النظام الداخلي شروط العضوية وواجباتها وحقوقها، كما بلور الهيكل التنظيمي للحزب على النحو التالي: الهيئات المركزية وتضم: المؤتمر الوطني العام، واللجنة المركزية، والمكتب السياسي، تليها الهيئات القيادية للساحة: مؤتمر الساحة، ولجنة الساحة المركزية، وقيادة الساحة. ويلي ذلك مؤتمر المنطقة، وقيادة المنطقة، ومؤتمر القطاع، وقيادة القطاع، ومؤتمر الرابطة، وقيادة الرابطة ثم الخلايا والحلقات.

في نهاية نيسان/ إبريل 1981م، انعقد المؤتمر الوطني الرابع للجبهة تحت شعار المؤتمر الرابع خطوة هامة على طريق استكمال عملية التحول لبناء الحزب الماركسي- اللينيني، والجبهة الوطنية المتحدة، وتصعيد الكفاح المسلح، وحماية وجود الثورة، وتعزيز مواقعها النضالية، ودحر نهج التسوية والاستسلام، وتعميق الروابط الكفاحية العربية والأممية.

وقد ناقش المؤتمر التقارير المقدمة له، وانتخب لجنة مركزية جديدة، انتخبت بدورها مكتباً سياسياً جديداً وأمنياً عاماً. وأصدر المؤتمر في ختام أعماله بياناً سياسياً حل فيه الوضع العام الفلسطيني والعربي والدولي، وحدد مهمات الجبهة في المرحلة القادمة، والدروس المستخدمة من تجربة الثورة الفلسطينية، وأهمها ضرورة توفر قواعد ارتكاز للثورة الفلسطينية، والمرحلية في النضال الوطني، وضرورة التصدي لنهج التسوية ومختلف التأثيرات التي يتركها في صفوف الجماهير.

أما المؤتمر الوطني الخامس الذي انعقد في شباط/ فبراير 1993م، فقد شكل محطة نوعية جديدة في عملية المراجعة والنقد والتقييم الذي قام بها لمسار تطور الجبهة تنظيمياً. فقد شهد المؤتمر سجالاً عميقاً وحقيقياً، دار حول الكثير من القضايا موضع الخلاف. وتناول النقاش بنوع من التفصيل أوجه الخلل والقصور، ومجمل المشاكل المعيقة للارتقاء بدور الجبهة وأنشطتها وفعالياتها. وشخص أشكال ووسائل وأساليب العمل القديمة البالية وموجبات تغييرها. وتوقف بشكل خاص أمام ملامح الأزمة التي تعاني منها الجبهة والثورة، والهوات الفاصلة بين الأقوال والأفعال. وقرر في خطوة جريئة أن الجبهة ترزح تحت وطأة أزمة تنظيمية متعددة الجوانب، وأن الأوان قد آن لاستخلاص العبر والدروس، والعمل بجدية على تغيير أشكال ووسائل العمل، بما يؤمن تطوير الحياة الحزبية، والممارسة الخلافة لأحكام النظام الداخلي، الذي خضع بدوره لعملية نقاش وتطوير وتعديل، ساهمت في توسيع أشكال ممارسة الديمقراطية، وفتح الآفاق أمام حياة تنظيمية داخلية، أكثر نضجاً وانفتاحاً وتطوراً.

وأكد المؤتمر أن الجبهة بعد أن حققت عملية تحولها، فأنها تسعى في الظروف الجديدة إلى تجديد ذاتها، والمساهمة بتجديد الحركتين الثوريتين الفلسطينية والعربية، وذلك من خلال الانخراط في عملية ذات بعدين متداخلين متكاملين هما:

أولاً: استمرار التعمق بامتلاك المنهج المادي الجدلي في عموم الحزب،وعلى صعيد القيادة والكادر خاصة. ودراسة الواقع الفلسطيني والعربي، وظروف تطوره الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي.

ثانياً: التجديد الديمقراطي والثوري الشامل للحزب في مجالات نشاطه وأوجه حياته المختلفة، وعلى أساس المنهج المادي الجدلي والاشتراكية العلمية والديمقراطية الواسعة.

وقد جاء المؤتمر الوطني السادس الذي انعقد في تموز/ يوليو عام 2000م، لاستكمال المشوار الذي بدأته المؤتمرات السابقة، والإسهام بعملية التطوير التنظيمي، ودفعها خطوات جديدة إلى الأمام. وعلى هذا الصعيد يمكن القول أن المؤتمر، أعطى الاهتمام مجدداً للجانب التنظيمي، فعمق الرؤية لأسباب الأزمة وآفاق معالجتها وسبل الخروج منها. وشدد في قرارته على أهمية تجديد منظمات الحزب على مختلف المستويات، ورفدها بدماء جديدة، وبلورة الآليات الخاصة بتجاوز المشكلات والصعوبات المتزايدة في الظروف الجديدة، وتعزيز اللحمة الداخلية، لتأمين أعلى مستوى ممكن من وحدة الإرادة والعمل. أما بالنسبة للنظام الداخلي، فقد أسفرت المناقشات التي دارت عن تعديلات جديدة على مواده وأحكامه، كان أبرزها تلك القرارات التي استهدفت تعزيز وتقوية الديمقراطية في الحياة الداخلية وذلك من خلال:

1-    التعامل مع نتائج الاستفتاء الحزبي القاعدي، باعتباره ملزماً للهيئات وليس مرشداً لها.

2-    إصدار مجلة داخلية لطرح ومناقشته الآراء والمواقف ووجهات النظر بشأن القضايا المختلف عليها داخل هيئات الحزب بحرية تامة.

3-    إقرار انتخاب هيئة الرقابة الحزبية والتفتيش المركزي من قبل المؤتمر وليس من خلال اللجنة المركزية. وبلورة نهج واضح ومحدد إزاء أسس تشكيل المؤتمر الحزبي والسكرتارية المركزية. وشروط ممارسة الاستفتاء الحزبي.

4-    إرساء أسس جديدة لعملية التقييم والمحاسبة، وخاصة للهيئات القيادية التي جرى التشديد على ضرورة أن تمثل القدوة والنموذج في سلوكها وممارستها. كما بلور النقاش الكثير من الأفكار المتعلقة بأشكال وأساليب وآليات العمل الحزبي.

وكان جورج حبش الأمين العام للجبهة آنذاك قد ألقى في مستهل أعمال المؤتمر الوطني السادس، للجبهة كلمة شاملة، تضمنت قضايا أساسية ومفصلية، في الفكر والسياسة والتنظيم، جمعت خلاصة القضايا الجوهرية، التي أراد حبش التأكيد عليها، باعتبارها ثوابت وطنية ونواظم حزبية، لا يجوز إغفالها، أو القفز عنها، في إطار محمل القضايا والقرارات الصادرة عن المؤتمر.

وفي إطار حديثه عن رغبته بعدم ترشيح نفسه للهيئات القيادية الجديدة، أكد حبش أن هنالك أسباباً عديدة، يأتي في المقدمة منها: إفساح المجال أمام عملية التجديد والتغيير في الحزب وتقديم قوة المثل والنموذج. وقد قابل أعضاء المؤتمر الوطني السادس هذه الرغبة/ المبادرة بالتعبير عن التقدير والاحترام للرجل المؤسس. والقائد التاريخي الذي لعب دوراً كبيراً ومميزاً في قيادة النضال الوطني والثورة الفلسطينية المعاصرة.

لقد أمضى جورج حبش أكثر من نصف قرن من الزمن، منشغلاً بالمهام الوطنية والقومية. غير أن الزعامة والقيادة لم تكن هدفاً ولا هاجساً، بل كانت مسؤولية تثقل كاهله وتجعله يبذل كل جهد ممكن لمواصلة العطاء في سبيل تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

والجدير بالذكر أن المنظمات الحزبية في الوطن المحتل، شاركت للمرة الأولى، مشاركة كاملة ومباشرة بالنقاش والعملية الديمقراطية الانتخابية، بكل مستوياتها القاعدية والمناطقية، وعلى مستوى مؤتمرات الفروع، وصولاً للمؤتمر الوطني السادس.

وإلى ذلك كله فقد ناقشت الوثيقة التنظيمية بشكل معمق ومفصل المسألة التنظيمية بأبعادها الجديدة ومن ضمن القضايا الهامة التي عالجتها: مركز القرار في الحزب. كيف يتحدد مضموناً ويحدد جغرافيا، في ظل صعوبات وتناقضات الواقع وحركته الدائمة. حيث أشارت إلى أن الواقع الناشىء بعد التوقيع على اتفاقيات أوسلو 1993م، وما ترتب عليه من حراك سياسي وتنظيمي على المستويين الوطني والحزبي، وما حمله من مؤشرات وحقائق ومعطيات، فرض الوقوف أمام هذا العنوان بهدف التدقيق والتعميق وصياغة الضوابط والقوائم. وخلصت إلى القول أن مفهوم مركز الحزب، يتقرر بناء على عناصر واضحة، وربما قسرية، تبعاً لشروط الجغرافيا والأمن والحسابات السياسية العامة. بهذا المعنى فهو قابل للحركة والانتقال بمرونة تبعاً لملاءمة الظروف أو تحت ضغطها. فقد يكون في الضفة أو غزة أو الأردن أو سوريا أو المناطق المحتلة عام 1948م، في زمن ما.

ب) المنطلقات:

 الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين نفسها حزب سياسي يستهدف تعبئة وقيادة الجماهير الفلسطينية في النضال من أجل العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على طريق دحر الكيان الصهيوني وتحرير كامل التراب الوطني، وإقامة دولة فلسطين الديموقراطية التي يتمتع جميع مواطنيها بحقوق متساوية بدون تمييز بسبب العرق أو الجنس أو اللون أو المعتقد الديني.

وتلتزم الجبهة بالمنهج المادي الجدلي التاريخي، بوصفه جوهر النظرية الماركسية، وأداة أساسية لفهم وتحليل ظواهر الطبيعة والمجتمع، وتسترشد بكل ما هو تقدمي في التراث الفكري والثقافي للشعب الفلسطيني، وبكل ما هو تقدمي في التراث الفكري والثقافي للأمة العربية والإنسانية جمعاء.

وتعتبر الجبهة الشعبية نفسها فصلية طليعية متقدمة للطبقة العاملة الفلسطينية، ولعموم الكادحين الفلسطينيين، تناضل مع الفصائل اليسارية والديمقراطية الفلسطينية الأخرى، لبناء حزب الطبقة العاملة، لتأدية دوره التاريخي في تحرير الجماهير الفلسطينية من الاستبعاد القومي والطبقي.

وتؤمن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بأن الوحدة الوطنية الفلسطينية في مرحلة التحرر الوطني تعتبر شرطاً ضرورياً ولازماً لتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني. وارتباطاً بذلك فإنها تناضل دوماً من أجل تنمية وتعميق وحدة قوى الثورة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وإرسائها على أسس ديمقراطية. وتسعى إلى توحيد طاقات الشعب الفلسطيني بكافة طبقاته وفئاته وتياراته السياسية والأيديولوجية في وحدة وطنية متينة وراسخة، رغم كل التعارضات في صفوف شعبنا الذي يواجه استعماراً صهيونياً استيطانياً توسعياً اجلائياً، لا يمكن قهره والانتصار عليه، بدون تعبئة طاقات وإمكانات شعبنا بأسره، لزجها في معركة التحرير.

والجبهة الشعبية إذ تعتبر منظمة التحرير، إطاراً تحالفياً جبهوياً عريضاً، يضم ممثلي جميع الطبقات والفئات الوطنية تؤكد أنها سعت وتسعى من أجل انضاج الظروف الملائمة لوحدة قوى التيار اليساري الديمقراطي في إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وترى أن السبيل لبلوغ هذا الهدف، يستوجب تعزيزاً للعلاقات، وتطويراً دائماً ومستمراً، لخلق المناخات الملائمة للوحدة. وهي تشدد على أن وحدة هذه القوى تسهم في تعزيز وحدة المنظمة التي لا يمكن أن تتطور وتتجذر بغير انجاز الإصلاح الديمقراطي لأجهزة المنظمة، ومختلف مؤسساتها السياسية، والإعلامية، والمالية، والإدارية، والأمنية والعسكرية …. فما يعيق تطور أداء المنظمة والارتقاء بمستوى تأثيرها، هو سيادة الهيمنة الفتوية والقيادة الفردية وغياب مبدأ التمثيل النسبي، ونشوء فئة بيروقراطية راكمت لنفسها امتيازات ومكاسب ومصالح مادية تركت آثارها السلبية على حياتها ونمط تفكيرها ومجمل سلوكها السياسي وممارستها العملية.

وترى الجبهة الشعبية أن المرحلة الراهنة لكفاح الشعب الفلسطيني، لا تزال مرحلة تحرر وطني، رغم التوقيع على اتفاقات أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية. وتؤكد بأن الطابع الوطني التحرري للمرحلة، لايلغي تداخلها وترابطها الوثيق مع المهام الديمقراطية الاجتماعية. وارتباطاً بذلك فقد صاغت الجبهة برنامجاً سياسياً اجتماعياً، يشدد على الترابط الوثيق بين المهام الوطنية والديمقراطية الاجتماعية في الظروف الجديدة.

أما بالنسبة لتناقضات المرحلة، فيؤكد البرنامج السياسي للجبهة أن التناقض الأساس الذي يحكم مرحلة التحرر الوطني الفلسطيني، يتجسد بالتناقض الوطني القومي التناحري القائم بين الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين وجميع مواقع الشتات، والكيان الصهيوني المحتل لوطننا.

وتحدد الجبهة الشعبية أهداف مرحلة التحرر الوطني بالتأكيد على أن الهدف الاستراتيجي للكفاح الذي تخوضه، جنباً إلى جنب مع سائر فصائل وقوى الشعب الفلسطيني، هو تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني الاستعماري، وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية على كامل التراب الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس، تكفل الحقوق المشروعة لجميع مواطنيها على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، دون تمييز، وتكون معادية للإمبريالية والصهيونية وذات أفق وحدوي ديمقراطي، مع سائر الأقطار العربية.

أما الهدف المرحلي للنضال الذي تخوضه مع سائر قوى الثورة، فهو انتزاع حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على التراب الوطني الفلسطيني، وتضيف الجبهة أن خصوصية الظروف التي أحاطت بالقضية الوطنية الفلسطينية بعد نكبة 1948م، واستكمال احتلال فلسطين عام 1976م، أبرزت الأهمية القصوى للحفاظ على الهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية المستقلة، وجعلت من النضال لتحقيق أهداف شعبنا المرحلية، الحلقة المركزية التي ترتبط بها سائر حلقات النضال الأخرى لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للشعب الفلسطيني.

وترى الجبهة الشعبية إنه إذا كان الشعب الفلسطيني قد استطاع خلال سنوات كفاحه المعاصر ترسيخ وتكريس كيانه الوطني وشخصيته المستقلة، فإن نضاله من أجل العودة وتقرير المصير والدولة، قد راكم العدد من المكاسب على هذا الطريق. فالهدف المرحلي يتميز بكونه هدفاً واقعياً قابلاً للتحقيق، يجتذب دعم وتأييد ومساندة أوسع قطاعات الرأي العام والمجتمع الدولي، وسيكون بإمكانه توسيع دعم بعض قطاعات الرأي العام الإسرائيلي.

 وفيما تشدد الجبهة، على ضرورة انخراط مجموع الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده في النضال من أجل الأهداف المرحلية بوصفها الحلقة المركزية الناظمة، فإنها ترى أن هناك حاجة لصياغة مهام محددة لتجمعات الشعب الفلسطيني المختلفة، تناسب حجمها وظروفها وإمكاناتها ووزنها في العملية النضالية، وبما يمكن من توظيف كل طاقات والإمكانات في مجرى الكفاح من أجل إنجاز المهام المرحلية على طريق الأهداف الاستراتيجية.

وبعد الخروج من بيروت وزيارة رئيس اللجنة التنفيذية القاهرة والتوقيع على اتفاق عمان، وانعقاد دورة المجلس الفلسطيني “17” بدون مشاركة الفصائل الأساسية، شهدت منظمة التحرير أزمة سياسية حادة أدت إلى حدوث انقسام سياسي جديد قاد الجبهة الشعبية بالتعاون مع خمسة فصائل فلسطينية أخرى إلى تشكيل “جبهة الإنقاذ الوطني الفلسطيني”. وظل الانقسام قائماً الى أن وقعت الفصائل الأساسية في المنظمة على اتفاق عدن – الجزائر. غير أن عدم الالتزام بالاتفاق أدى على انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في العاصمة الجزائرية في نيسان/ أبريل 1987م.

غير أن الانقسام في صفوف المنظمة وقع مجدداً على اثر قبول قيادة المنظمة المشاركة بمؤتمر مدريد في تشرين الثاني/ نوفمبر 1991م، وتوقيعها لاحقاً على اتفاقات أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993م. وقد واجهت الجبهة الشعبية هذه التطورات بالإعلان عن مقاطعتها لمؤتمر مدريد ورفضها لاتفاقات أوسلو، فيما أكدت أنها ستواصل النضال ضد المشاريع الأمريكية الصهيونية الجديدة، الرامية إلى تمرير مؤامرة الحكم الإداري الذاتي، وتصفية القضية الوطنية الفلسطينية وأداتها م.ت.ف. تصفية شاملة ونهائية. وبذات الوقت أكدت على ضرورة التمسك بقرارات الشرعية الدولية وبرنامج الإجماع الوطني، وبرنامج حق العودة وتقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس. ولا توال الجبهة تخوض النضال انطلاقاً من هذه القناعات.

ج) الإطار العام للمرتكزات:

1-    المسألة النظرية: تبين الوثائق الصادرة عن الجبهة الشعبية ومؤتمراتها الوطنية العامة، أن الجبهة تمسكت بفكرها وخيارها الأيديولوجي رغم انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظمة البلدان الاشتراكية، وحملة التشويه الظالمة التي تعرضت لها الماركسية على امتداد العقد المنصرم، بشكل خاص. وفي سياق تأكيدها على التمسك بخيارها، شددت الجبهة على أن سقوط النموذج، لايعني سقوط الفكرة، ولا سقوط المنهج المادي الجدلي غير أنها أكدت بذات الوقت على ضرورة رؤية الخصوصيات التي تستدعي بدورها تشخيصا أكثر دقة لمهام التقدم الاجتماعي، وأشارت إلى أن الماركسية لم تعلن عن نفسها أفكاراً مكملة ونهائية، بل أكدت دائما أنها نظرية النمو الدائم التي تعكس الحركة الأدبية للحياة. وبينت الوثائق الصادرة عن الهيئات القيادية أن الجبهة ارتباطاً بتحولها وامتلاكها للمنهج المادي الجدلي، استطاعت أن تتميز عن غيرها من القوى الفلسطينية في العديد من القضايا الأساسية، يأتي في مقدمتها عمق رؤيتها لمختلف جوانب القضية الفلسطينية، والمسألة االقومية، والأبعاد الحقيقية للصراع بشقيه الراهن والاستراتيجي والتاريخي، ووعيها الدائم لمدى الترابط الوثيق بين الخاص والعام، والوطني والقومي. كما تميزت بنظرتها لطبيعة الحركة الصهيونية وكيانها السياسي.

وأكدت الوثيقة النظرية التي عالجها المؤتمر الخامس عام 1993م على أهمية تجديد الماركسية، وإنتاج الفكر الثوري الملموس للواقع الملموس، وأشارت إلى أن الهدف الرئيسي للتجديد هو إعادة بناء الماركسية، فكراً علمياً ثورياً، في ظروف عالمنا المعاصر، وذلك على أساس التخلص من المفاهيم التي شاخت، أو التي أثبتت الحياة عدم صحتها، ودروس التجربة التاريخية في مختلف محالات الحياة الاجتماعية. ولاحظت الجبهة في وثيقتها أن الديمقراطية الفعلية هي الأداة الرئيسية في عملية التجديد. فدروس المرحلة السابقة تدل أن الخطر كل الخطر يأتي أساساً من تغييب الديمقراطية وسيادة الجمود العقائدي المتحجر.

2- الكفاح المسلح: كانت انطلاقة العمل المسلح الذي بدأته الجبهة الشعبية، على اثر هزيمة حزيران عام 1967م، امتداداً طبيعياً لعمليات التحضير والتدريب والاستطلاع، التي كانت قد شرعت بها حركة القوميين العرب مع نهاية الخمسينات بهدف بناء قواعد ارتكازية لممارسة الكفاح المسلح داخل الوطن المحتل. فقد قامت الحركة في ذلك الوقت بإرسال الدوريات الاستطلاعية بهدف جمع المعلومات والتعرف على الأرض وإقامة الخلايا السرية وتخزين الأسلحة. وقد اصطدمت بعض هذه الدوريات بمواقع وكمائن العدو، قوقعت اشتباكات، أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى وأسرى. وتجسيداً لهذه الرؤية العسكرية، شرعت المنظمات الحزبيية في الداخل بممارسة العمل المسلح في الضفة والقطاع ومناطق الـ1948م. وقد استطاع تنظيم الجبهة – الذي هو امتداد لتنظيم الحركة – بفضل عناصره المدربة وأسلحته المخزنة، تشكيل حالة مميزة منذ اللحظات الأولى للإعلان عن ولادة الجبهة. ففي قطاع غزة استطاع التنظيم تحويل القطاع إلى ساحة مواجهة يومية، وقد اعترفت القيادة العسكرية الإسرائيلية بقيادة الجبهة الشعبية لمجمل العمليات في الضفة الغربية.

وبموازاة هذه الفعليات أطلقت الجبهة الشعبية العديد من الفعليات العسكرية من الخارج، حيث بنت بشكل متدرج، القواعد والمعسكرات في الأردن، وسوريا، وجنوب لبنان، ونفذت العديد من العمليات العسكرية ضد مواقع الاحتلال عبر الحدود، فهاجمت قواتها دوريات العدو ومواقعه وكمائنه وزرعت الأمم الألغام وهاجمت مستعمرات الحدود. كما وجهت ضربات عسكرية للمصالح الإمبريالية، كعملية تفجير خط أنابيب النفط المار بالجولان، وعملية ضرب ناقلة النفط “الكورال سي” وغيرها من العمليات التي استهدفت مصالح العدو الصهيوني ومؤسساته الاقتصادية في أوروبا. غير أن تعرض الثورة الفلسطينية لمحاولات الشطب والتصفية عبر سلسلة من الحروب والهجمات، جعلها تركز قسماً كبيراً من طاقاتها للمساهمة في الدفاع عن الثورة وجماهيرها. ومع ذلك. نفذت قوات الجبهة وقوات الثورة مئات العمليات العسكرية الناجحة عبر الحدود، وساهمت في التصدي ببسالة للاجتياحات العسكرية الإسرائيلية التي استهدفت مواقع الثورة في الأردن ولبنان، والتي بلغت ذروتها في الاجتياح العسكري الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عام 1982م، وبعد خروج قوات الثورة من الجنوب اللبناني وبيروت صاغت الجبهة استراتيجيتها وتكتيكها العسكريين على النحو التالي:

أ‌)       إعطاء جهد أكبر لبناء وتطوير الجهاز العسكري داخل الوطن المحتل.

ب‌)  إعادة تشكيل القوات العسكرية في الخارج للانتقال من حالة القتال بوحدات كبيرة نسبياً، وبأسلحة ثقيلة إلى قوات عصابية.

            3- البعد القومي: ترى الجبهة الشعبية أن العلاقات العضوية الوثيقة التي تربط الشعب الفلسطيني بشعوب الأمة العربية وأحزابها وقواها الوطنية والديمقراطية بكل اتجاهاتها السياسية والفكرية، لا تؤكدها الروابط القومية بعناصرها الأساسية فحسب، بل وجملة التهديدات الجدية التي يتعرض لها حاضر الأمة العربية ومستقبلها، جراء المشاريع والمخططات الأميركية والصهيونية المرسومة لها. وترى الجبهة أن الصراع ضد المخططات المعادية وضد قاعدتها المتقدمة “إسرائيل” كان منذ نشأته صراعاً عربياً – صهيونياً،على هذه الحقيقة تاريخ الصراع ذاته. فالغزوة الصهيونية لفلسطين، بما هي مشروع استعماري إمبريالي – صهيوني مشترك، وضعت في صلب أهدافها الإبقاء على الوطن العربي مقسماً، ضعيفاً ومتخلفاً، لتسهيل أحكام السيطرة عليه، وإجهاض محاولات الأمة لتحقيق وحدتها القومية واختيار طريق تطورها الاجتماعي بشكل مستقل وديمقراطي.

ومن هذا المنطلق تشدد الجبهة على وجوب النظر للعلاقة بين النضال الوطني والقومي، باعتبارها علاقة جدلية، تحتل مكانة هامة وبارزة في معادلة الصراع العربي – الصهيوني ومجمل عملية المجابهة بكل أشكالها. الشعبية انطلاقاً من إيمانها بأن فلسطين جزء لا يتجزأ من الوطن العربي، وإن الشعب الفلسطيني جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وإن حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي جزء من حركة التحرير الوطني العربية، ترى أن القضية الفلسطينية ستظل قضية قومية عربية مركزية. رغم كل محاولات النظام العربي التنصل من التزاماته القومية، والتخلي عن مسؤولية المترتبة عليه، وتحويل الصراع إلى صراع فلسطيني – إسرائيلي.

لقد سعت الجبهة على الدوام لإقامة علاقات وتحالفات سياسية وطيدة مع قوى الثورة العالمية، مع سائر القوى الديمقراطية والتقدمية والاشتراكية المعادية لسياسات وممارسات التحالف الأمريكي – الصهيوني. وقد نجحت في إقامة شبكة من العلاقات الواسعة والمتطورة مع البلدان الاشتراكية وحركات التحرر الوطني والأحزاب الديمقراطية واليسارية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، والأحزاب الشيوعية والديمقراطية الثورية في البلدان الرأسمالية.

أما في ميدان المؤسسات والمنظمات الدولية، فقد واصلت الجبهة العمل والدعوة إلى ضرورة تنسيق جهود مختلف الأطراف الدولية، لزيادة دور ووزن الأمم المتحدة، وجميع الهيئات والمؤسسات الدولية، في مجال إرساء أسس العدالة والمساواة والتصدي لكل أشكال الظلم والعدوان وعمليات خرق وتجاوز الأعراف والمواثيق والاتفاقيات الدولية، ومن أجل احترام الشرعية الدولية، وضد سياسة الكيل بمكبالين ومحاولات ومحاولات الإدارة الأمريكية توظيف هيئات الأمم المتحدة لخدمة سياساتها. وترى الجبهة وجوب مواصلة العمل للنهوض بدور دول عدم الانحياز والدول الإفريقية والإسلامية كمجموعات دولية ضاغطة، خاصة أننا نعيش في زمن العولمة، وانفلات ممارسات الدوائر الإمبريالية الأمريكية، وتفاقم نزوعها العدواني وازدياد وتناثر تدخلها المباشر لفرض نظامها الدولي أحادى القطبية.

4- الكيان الصهيوني: ترى الجبهة بأن الحركة الصهيونية ليست حركة التحرر الوطني، والكيان الذي أنشأته لم يحل المسألة اليهودية، واليهود الذين تجمعوا من مختلف بقاع الأرض لم يستطيعوا تشكيل قومية، يهنأوا بالاستقرار والسلام في فلسطين …. وقد كشفت الوقائع المادية الملموسة أن إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، لم يكن بغرض إيجاد حلول للمسألة اليهودية بقدر ما كان يرمي إلى تحويل هذا الكيان إلى قاعدة إمبريالية متقدمة يجري توظيفها لمواجهة نهوض الحركة التحررية الوطنية والقومية العربية، ومن أجل فرض الهيمنة والسيطرة الأوروبية الغربية على المنطقة وقد تأكدت هذه القضية خلال العقود الخمسة الماضية بشكل عملي ملموس. وفي ضوء رؤية الجبهة لطبيعة الكيان الصهيوني ووظائفه فإنها تؤمن بضرورة ممارسة كل أشكال النضال هذه. وهي تؤكد أن الصراع الدائر منذ أكثر من مائة عام ليس صراعاً بين قوميتين بل هو صراع بين حركة التحرر الوطني الفلسطيني والعربي من جهة والتحالف الإمبريالي – الصهيوني الرجعي من جهة أخرى. وتشدد الجبهة الشعبية على أن الروابط القائمة بين الحركة الصهيونية والدوائر الإمبريالية هي روابط بنيوية مصلحية تاريخية وإن العلاقة الاستراتيجية المحكومة بالمصالح المشتركة نشأت وتعززت بتعاظم ضروراتها الموضوعية وبلوغ الرأسمالية مرحلتها الإمبريالية ودخول الإمبريالية مرحلة العولمة.

د) المحاور الرئيسة لسياسات الجبهة:

1-    منظمة التحرير الفلسطينية: سعت الجبهة على الدوام إلى تعميق النقاش وتطوير المواقف وإغنائها، وبلورة مقاربة موضوعية عقلانية للواقع وضروراته فالمنظمة بالنسبة للجبهة هي كيان سياسي معنوي، ومجسد فعلي للهوية والشخصية الوطنية الفلسطينية، وإطار تحالفي يجمع القوى والفصائل والطبقات والفئات الوطنية الفلسطينية ذات المصلحة الحقيقية في النضال ضد الاحتلال الصهيوني. والمنظمة بما تمثل هي أهم منجز حققته الثورة الفلسطينية المعاصرة رداً على محاولات الطمس والتبديد، وهو منجز تبلور وتطور عبر عملية صراعية تاريخية جعلت من م.ت.ف. الإطار الوطني الجامع الذي يعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني وكيانه بمعزل عن طبيعة القوة السياسية التي تقودها. فهي بكل مكوناتها، بميثاقها وبرنامجها وأطرها تشكل إطاراً للجميع وميداناً للصراع بين مختلف القوى الوطنية والسياسية، شريطة أن لا يصل ذلك الصراع إلى حد المساس بوجودها. فالحفاظ على المنظمة ككيان وهوية مصلحة وطنية عليا، لأنها رغم كل التحولات لا زالت تمثل المرجعية العليا للشعب الفلسطيني، والمعبر عن أهدافه وتطلعاته ووحدة قضيته وحقوقه وتمثيله الوطني. وبموازاة ذلك أكدت وثائق الجبهة على أهمية إعادة بناء مؤسساتها على أسس ديمقراطية، عن طريق إجراء انتخابات حرة ونزيهة لعضوية المجلس الوطني. ومطالب الإصلاح الديمقراطي، بوضع حد لنهج التفرد والاستئثار والتنسيب المالي والإداري، وعلى أهمية استمرار العمل من أجل بلورة البديل الديمقراطي وتكامل الجهود المبذولة من داخل مؤسسات المنظمة وخارجها لتحقيق الأهداف المحددة.

2-    البديل الوطني الديمقراطي: ترى الجبهة الشعبية أن البديل الديمقراطي هو مجموع قوى التيار الديمقراطي في الساحة الفلسطينية، يما يشمل الفصائل والقوى والاتحادات الشعبية المهنية والشخصيات الديمقراطية. وتركز على أن المقصود بوحدة هذه القوى ليس الجمع الميكانيكي والشكلي لها، وإنما بلورة إطار ديمقراطي، يحمل برنامجاً واضحاً وشاملاً للمجتمع الذي يخوض النضال في هذه المرحلة باتجاهين رئيسيين: مجابهة الاحتلال الصهيوني، ومواصلة عملية البناء والتطور الاجتماعي. وهذا يعني أن البديل الديمقراطي، هو مشروع نضالي تحرري اجتماعي متكامل، يحمل مضموناً محدداً، وماهية سياسية، وتنظيمية، واقتصادية، واجتماعية، وكفاحية واضحة. ويملك شروط الحركة والجذب والتطور والنمو باتجاه قيادة المجتمع. وتؤكد الجبهة أن الخطوة الأساسية الأولى نحو بلورة البديل الديمقراطي تتمثل بالعمل على إنجاز وحدة الجبهتين الشعبية والديمقراطية. وترى أن هذه الوحدة لا تعكس رغبة ذاتية بل هي خيار سياسي في إطار الخيار الاستراتيجي الأشمل المتمثل بوحدة مجموع القوى الديمقراطية وبلورة البديل الديمقراطي. وحتى تكون الوحدة راسخة وثابتة، دعت الجبهة إلى توفير شروطها، وقامت بتقديم رؤية تفصيلية لهذه الشروط، حيث ركزت على ضرورة قراءة تجربة القوى الديمقراطية بروح نقدية وتوفير القناعة بأهمية الوحدة وموجباتها، والاتفاق على الخطوط الاستراتيجية الأساسية في ميادين العمل المتنوعة، وقيام العملية التوحيدية على أساس ديمقراطي، وتوفير آليات تنمية روح العمل الوحدوي القائم على أساس التمسك بالبرنامج الوطني وتوفير كل مستلزمات النضال لتحقيقه. وتجسيداً لهذا الفهم سعت الجبهة الشعبية وعملت بجد ونشاط لوحدة الجبهتين وبلورة البديل الديمقراطي.

3-    الحوار الوطني الفلسطيني: آمنت الجبهة بالحوار الوطني الفلسطيني طريقاً وحيداً لمعالجة الأزمات والخلافات في وجهات النظر داخل الصف الوطني. ودعت على الدوام إلى نبذ العنف واللجوء إلى السلاح في حل الخلافات، وإلى تكريس مبدأ الحوار وترسيخ أسسه وتحويله إلى نمط حياة في العلاقات الفلسطينية – الفلسطينية. وقد تعزز الإيمان بهذا المبدأ خلال العقود الثلاثة الماضية، بسبب الكثير من الأزمات والانقسامات السياسية الحادة التي شهدتها منظمة التحرير والثورة الفلسطينية المعاصرة. وقد تجلى الإيمان بهذا المبدأ في السياسات المتزامنة والعقلانية التي أنتهجتها الجبهة في العقدين الماضيين. فبمواجهة تفجير الأزمات، وما صاحبها من انقسامات واصطفاقات عبرت عن نفسها بأشكال سياسية وتنظيمية مختلفة، لجأت الجبهة إلى تجميد عضوية ممثليها في الهيئات التنفيذية للمنظمة، تعبيراً عن رفضها السياسات المعتمدة، فيما حافظت على استمرار وجودها في بقية المؤسسات. ليس هذا فحسب بل تميزت الجبهة على الدوام بالمبادرة إلى طرح رؤيتها السياسية التنظيمية، لتصحيح أوضاع المنظمة وإعادة اللحمة إلى صفوفها وبنائها على أسس ديمقراطية جديدة. ومارست نضالاً حاداً في أواسط الجماهير ومع القوى السياسية لتحقيق هذا الهدف. وبالتلازم مع هذه السياسة واصلت التأكيد على مبدأ الحوار الوطني بين مجموع قوى الثورة والمنظمة باعتباره وسيلة أساسية لتجاوز الانقسام، وحاجة موضوعية لتوحيد الصفوف وشددت على اعتباره مبدءاً ديمقراطياً حضارياً وسلاحاً يتوجب اللجوء إليه لمعالجة قضايا الخلاف وحل المشاكل التي تكنتف مسيرة شعبنا. كما نظرت للحوار باعتباره أحد الوسائل الأساسية الممكنة لصياغة قواسم سياسية مشتركة، أو الوصول على الأقل، لصياغة الأسس التي تكفل توافقاً وطنياً على القضايا الأساسية التي يتوجب التمسك بها، وعدم إخضاعها للنقاش كحق العودة على سبيل المثال.

4-    العمل النقابي والجماهيري: يحتل العمل النقابي والجماهيري ركناً هاماً في فكر الجبهة ورؤيتها ومجمل نشاطاتها لأنها تنطلق من اعتبار المعركة التي تخوضها، معركة كل الجماهير لتحقيق أهدافها الوطنية والاجتماعية. وقد تناولت وثائق الجبهة الأساسية وبياناتها المركزية هذه المسألة بوضوح تام، في كل المراحل التي شهدها النضال الوطني الفلسطيني المعاصر. وتميزت ممارسات الجبهة بالتزام هذه الرؤية إلى حد كبير رغم أية أخطاء أو ثغرات وقعت هنا أو هناك بهذه المناسبة أو تلك. ومع تطور عمل الجبهة وأدائها على غير صعيد، أظهرت الهيئات القيادية والمؤتمرات الوطنية والفرعية اهتماماً متزايداً بعنوان العمل النقابي والجماهيري واستطاعت بحكم هذا الاهتمام، أن ترسي أسساً وقواعد للعمل وان تقيم مؤسسات ومنظمات جماهيرية، لا يتسع المجال لتناولها. وفي الذكرى العشرين لانطلاقة الجبهة (1987م)، رفعت الجبهة شعار التحول إلى حزب جماهيري، ووضعت الكثير من الآبيات الكفيلة بتحقيق هذا الشعار. فركزت على تطوير المنظمات الجماهيرية للشباب والعمال والطلاب والنساء … الخ، ووضعت اللوائح الخاصة بها. واستطاعت أن تقطع أشواطاً هامة على هذا الطريق وخاصة في الوطن المحتل، حيث لعبت المنظمات الجماهيرية التي أقامتها دوراً بارزاً في الانتفاضة الشعبية المجيدة، بدءاً بلجان المقاومة الشعبية، ووصولاً للجان العمل الصحي والزراعي والتطوعي. وكانت الجبهة قبل ذلك بسنوات سباقة في مجال النشاطات الاجتماعية حيث أنشأت رياض الأطفال، وشيدت العيادات الطبية والمدارس في مخيمات لبنان. وفي مراحل التأزم والانقسام والخلافات السياسية الحادة التي شهدتها م.ت.ف.، أظهرت الجبهة حرصاً شديداً على وحدة الاتحادات النقابية والمنظمات المهنية. وناضلت في إطار المنظمة لإفساح المجال أمامها للقيام بدورها، وقاومت كل أشكال الهيمنة عليها وتحويلها إلى واجهات شكلية للمنظمات السياسية.

5-    الانتفاضة الشعبية المجيدة 1987: مع اشتداد الهجمة التي تعرضت لها الثورة الفلسطينية في أعقاب حرب 1982م، وتفاقم حالة التردي في الوضع العربي، تحرك الشعب العربي الفلسطيني داخل الوطن المحتل، مفجراً انتفاضته الشعبية، بمواجهة تمادي الممارسات الفاشية والعنصرية الصهيونية، ومعيداً الاعتبار للقضية الوطنية ومنظمة التحرير محلياً وعربياً ودولياً. وقد تميزت مشاركة الجبهة بمسار الانتفاضة، بفعالية عالية، بدءاً بالمسيرات والمظاهرات والصدامات العنيفة مع قوى الاحتلال، ووصولاً إلى المساهمة ببناء مداميك الحرية والاستقلال. ومن مواقعها في الصفوف الأولى بالمواجهة وقيادة الشعب في نضاله، تميزت الجبهة الشعبية بنظرة علمية للواقع الجديد، فقد رأت أن الانتفاضة تمثل مرحلة نوعية جديدة في النضال الوطني الفلسطيني، تفتح الآفاق أمام إمكانية تحقيق هدف الحرية والاستقلال. وأكدت أن أبرز سمات المرحلة الجديدة تتمثل بانتقال مركز ثقل النضال الوطني الفلسطيني من الخارج إلى الداخل، وإعادة الاعتبار للعامل الفلسطيني في الصراع العربي – الصهيوني. وارتباطاً برؤيتها لسمات المرحلة الجديدة، رأت الجبهة أن الانتفاضة استطاعت نقل شعار الدولة المستقلة من حيز الإمكانية التاريخية إلى حيز الإمكانية الواقعية, الفلسطيني أزمة حادة وخطيرة جداً، انعسكت بشكل مباشر على الانتفاضة.

6-    مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو: بعد قبول القيادة الرسمية الفلسطينية المشاركة بمؤتمر مدريد عام 1991م، أعلنت الجبهة الشعبية بوضوح رفضها المشاركة الفلسطينية بمسار الحل الأمريكي ومقاطعة المؤتمر. ودعت القيادة إلى الالتزام بقرارات المجلس الوطني الفلسطيني، وطالبت بإجراء استفتاء شامل للشعب الفلسطيني ليقول كلمته في مسار الحل المطروح. وأمام الإصرار على الانخراط في العملية السياسية، أعلنت الجبهة الشعبية عن تجميد عضويتها في اللجنة التنفيذية. ومع اتضاح طبيعة التسوية في مسار المفاوضات اللاحق في واشنطن، حاولت الجبهة مراراً ثني القيادة الفلسطينية عن نهجها، ودعتها للقيام بعملية مراجعة سياسية شاملة غير أن هذه الدعوات لم تلق آذاناً صاغية، بل واصلت القيادة الرسمية مسارها وصولاً إلى التوقيع على اتفاق أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993م، وعلى اثر التوقيع أعلنت الجبهة أن النضال الوطني الفلسطيني دخل مرحلة سياسية نوعية جديدة وشاملة.

وبمواجهة هذه التطورات، سعت الجبهة إلى تكتل جميع القوى الوطنية والديمقراطية والإسلامية المعارضة دفاعاً عن م.ت.ف. وبرنامج الإجماع الوطني. وقامت بحملة سياسية إعلامية عربية ودولية لشرح موقفها وإظهار حجم المخاطر التي شهدتها القضية الفلسطينية. واليوم، وبعد مرور أكثر من سبع سنوات على توقيع اتفاق أوسلو وملحقاته، تزداد الهيئات القيادية في الجبهة اقتناعاً بأن هذا الاتفاق ولد مأزوماً، وأن كل المحاولات التي جرت لإخراجه من مأزقه لم تنجح فما أن يخرج من مأزق حتى يدخل في آخر أكثر صعوبة وتعقيداً من سابقه. فالمأزق تتوالد تباعاً. ويبدو أنها ستظل تتوالد لأسباب موضوعية، رغم كل الجهود المبذولة لحماية العملية السياسية وضمان تقدمها وبلوغ الأهداف المحددة لها.

متعلقات
انشر عبر