Menu
حضارة

نهاية العصر السعودي في المنطقة

حسن شاهين

لم تكن القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ كسابقاتها من القِمَم، على الأقل تلك التي انعقدت خلال العقدين الماضيين. لا من حيث الخطاب الذي بدا أكثر حزماً ومباشرة ومصارحة، ولا من حيث القرارات التي عكست على ما يبدو رغبة حقيقية لدى الدول الوازِنَة في الجامعة لوضع أُسُس منظومة عمل عربي جديدة تكون مُمَأسسة بشكل أفضل وتعتمد على مبدأ التدخل الإيجابي.

وظهرت الإشارات الأولى لتوافر رغبة في إعادة النظر بالمنظومة القديمة بعد الإطاحة بحكم محمد مرسي في مصر. فالأنظمة العربية التي نجَت من مقصلة الثورات قد لفحها لهيبها، وشعرت لأول مرة أنها أمام خطر وجودي حقيقي في ظل حالة الانكشاف التي عاشتها على الصعيدين الداخلي والخارجي. وأصبحت تبحث في وسائل تحصين لنفسها، ولم تجد مناصاً من التخلي عن سياستها القديمة القائمة على التدخل السلبي في ملفات المنطقة (بالواسطة والتآمر وغيرها من الأساليب غير المباشرة) إلى التدخل الإيجابي المباشر والاستباقي.

لقد أصبح واضحاً أن المنظومة القديمة التي انطلقت عملياً بعد حرب الخليج الثانية (1991)، بدور مركزي للمملكة العربية السعودية لم تعد صالحة لا بل وثبت فشلها. ضمت تلك المنظومة بدايةً دول إعلان دمشق الثمانية (دولة مجلس التعاون الخليجي الست إضافة إلى مصر وسوريا) التي شاركت في التحالف الدولي ضد العراق. ثم فُتح الباب لاحقاً لعودة "الإبنين الضالين"؛ الأُردن واليمن. وباستثناء الظام الليبي الذي أدار وجهه نحو إفريقيا، والجزائر التي آثرت الانكفاء على نفسها، والعراق المحاصر؛ اتسع النظام العربي ما بعد حرب الخليج ليشمل باقي الدول العربية.

وبعيداً عن مبادئ "إعلان دمشق" المعلنة -والتي من ضمنها تمركز قوات مصرية وسورية على الأراضي السعودية لتكون نواة لما أسماها "قوة سلام عربية"، وكما هو معروف لم يُنفّذ من مبادئ الإعلان شيء- كانت للمنظومة العربية ما بعد حرب الخليج مبادئ غير معلنة عكستها الممارسة، من بينها؛ تركُّز محور الثقل العربي في الخليج، وتحديداً في المملكة العربية السعودية. والقطع بشكل حاسم مع شعارات المرحلة السابقة فيما يخص الصراع العربي الإسرائيلي والمضي قُدُماً بالتسوية والتطبيع مع الدولة العبرية (وهو المسار الذي عرقلته إسرائيل نفسها بعد ذلك واجهضته حين اجتاحت الضفة الغربية، رغم اليد العربية التي ظلت ممدودة بالهواء منذ إطلاق المبادرة العربية للسلام عام 2002 وحتى يومنا هذا)، والانخراط في المخطط الغربي الأمريكي لحصار وعزل إيران (باستثناء سوريا التي غرّدَت خارج السرب بهذا الشأن)، والانقياد للسياسة الأمريكية في المنطقة، والوقوف بقوة في وجه أي محاولات إصلاحية سواء داخل كل دولة عربية أو للمنظومة نفسها.

وظلت السعودية تُهيمن على منظومة العمل العربي لعقدين من الزمن، رغم هشاشة تلك المنظومة تحت القيادة السعودية التي ظهرت جليّةً في مواجهة المتغيرات والتحديات المختلفة خلال كل تلك السنوات. فتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة ومن بَعدِهِ التركي، وأضحت سوريا عملياً خارج المنظومة بعد سنوات قليلة من خلافة بشار الأسد لوالده، حيث عززت تحالفها مع إيران وقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية في ما عُرِف بمحور الممانعة، وهو تحالف يختلف سياسياً مع المبادئ الأساسية للظام العربي في ظل الهيمنة السعودية، خاصة حول القضية الفلسطينية، ويُعبّر في الوقت نفسه عن مصالح التوسعية الإيرانية، التي عجزت المنظومة العربية بقيادة السعودية عن إيقاف مدها، لا بل تعاظم تحت ناظريها.

وتهاوت أذرع "محور الاعتدال العربي" في كافة البلدان التي شكلت ساحة لصراع النفوذ مع إيران. ففي لبنان سيطر حزب الله وحلفائه على بيروت عسكرياً خلال يوم واحد في أحداث 7 أيار/مايو 2008، واستسلمت قوى 14 آذار سياسياً في اتفاق الدوحة بعد هزيمتها الميدانية في شوارع بيروت، ولولا الطبيعة الطائفية الخاصة للبنان لتمكن حزب الله مع حلفائه من إحكام سيطرتهم المطلقة عليه. وقبل أحداث لبنان بعام واحد؛ هُزِمت قوات السلطة الفلسطينية الموالية للرئيس محمود عباس في غزة أمام حركة حماس في معركة استغرقت ثلاثة أيام فقط، ولربما أَخَذَت حماس الضفة كذلك لولا وجود الاحتلال الإسرائيلي على الأرض هناك. وفي العراق؛ استطاعت إيران أن تفرض هيمنتها بقوة سواء داخل مؤسسات الحكم الرسمية أو في الشارع عبر المنظمات المسلحة الموالية لها، وحصل ذلك على الرغم من أن المنظومة العربية بقيادة السعودية، دعمت الاحتلال الأمريكي للعراق وفتحت حدودها ومجالاتها الجوية والبحرية أمام قواته للدخول إلى هذا البلد العربي، ورغم أنها كانت تحتضن لسنوات المعارضة العراقية التي عادت محمولة على دبابات الاحتلال، ثم سرعان ما خسرت الحكم لصالح تلك المدعومة من إيران.

ذلك إلى جانب بُروز محور سياسي سوري– تركي– قطر ي قبل الثورة في سوريا، عبّر في جانب منه كذلك عن مطامح تركيا في المنطقة. وكان لافتاً أن المنظومة العربية بقيادة السعودية فشلت بجدارة في مواجهة كل تلك التحديات، حتى أن دولاً صغيرة طموحة برزت من داخلها خلال سنواتها الأخيرة لتمارس أدواراً كانت حكراً على الكبار.

وكان الفشل الذريع الأخير الذي قسم ظهر المنظومة العربية السعودية في اندلاع ثورات الشعوب العربية التي زلزلت الأرض تحت أقدام أنظِمَتها.

إن العمل على بناء منظومة جديدة لا يعني أبداً أن النظام الرسمي العربي قد أدرك حقيقية أسباب فشل منظومته القديمة لا بل وفشل كل دولة من دوله في صيانة أمنها الوطني على حدة. تلك الأسباب التي أولها؛ ضعف البنيان المؤسسي للدول العربية، خاصة الخليجية، إلى درجة أن بعضها قد دخل أزمة حكم تبدو مستعصية. وثانيها؛ ضعف المشاركة المجتمعية في الحياة السياسية، خاصة في دول الخليج، آخر الملَكِيّات المُطلَقة على وجه البسيطة (إلى جانب سلطنة بروناي). وثالثها؛ انفصال أنظمة الدول العربية ومنظومة عملها المشترك عن المصالح الحقيقية للشعوب العربية وتطلعاتها، كيف لا وهي ظلت لعقود تابعة ومُرتهَنة، تستمد شرعيتها من قُبُول الغرب لا قُبُول الشعب. وفوق كل تلك العوامل؛ جاء انسحاب الولايات المتحدة المنظم، والتدريجي، من المنطقة ليؤدي إلى انكشاف دول تلك المنظومة وعلى رأسها السعودية، أمام مطامع القوى الإقليمية الطامحة لملء الفراغ.

إن المنظومة الجديدة، وإن كانت معالمها الأولية تشير إلى استمرار نفوذ سعودي داخلها؛ إلا أن مركز ثقلها آخذ بالانزياح شيئاً فشيئاً نحو مصر، التي تبدو جاهزة اليوم للعب دور القيادة رغم أزماتها، وهو دور استدعيت له بقدر ما طلبته. فالخليج بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قوة مصر في ظل انكشافه بعد ارتخاء القبضة الأمريكية على المنطقة، ومصر الغارقة بأزماتها بحاجة إلى مشروع "مارشال" خليجي. (إن من يُدقق في المحادثات المسربة للسيسي حول دول الخليج يلاحظ أنه كان يتحدث عن الدعم الخليجي لمصر بثقة من يطلب استحقاقاً لا من يستجدي عطاء).

جاءت القمة العربية الأخيرة لتعلن بقراراتها أن عهداً جديداً للعمل العربي المشترك قد بدأ، ثم جاءت عملية "عاصفة الحزم" لتُظهر حدود القوة السعودية، وتراجع قدرة هذه الدولة في التأثير حتى على أقرب حلفائها، هذا علاوة على عجزها عن تثبيت نفوذها في اليمن الذي لطالما كان حديقة خلفية لحكم آل سعود.

لقد دخلت المنطقة العربية عصراً سعودياً طال أمده بعد انقلاب السادات على إرث عبد الناصر، وها هي اليوم تستعد لطي صفحة ذلك العصر والولوج إلى آخر جديد ذي وجه مصري.