على مدار الساعة
أخبار » صحافة المواطن

الجنون في عصر الخيبات

12 أيلول / ديسمبر 2016
-
-

مازن حلمي

نحن عندما نولد نبكي بسبب قدومنا إلى هذا المسرح العظيم المليء بالحمقى".

- شكسبير

لم يمرّ على ولادتي وقت طويل حتى اكتشف الأطباء أن لديّ خلّل ما في القلب، لا يمكن لتدخل جراحي أن يصلحه، ربما يتم علاجه مع الوقت والأدوية. منعني هذا من أن يكون لدي نفس الطفولة التي حظى بها معظم الأطفال. أصبحت طفلاً وحيدًا يجلس في غرفته؛ وبينما كان بقية الأولاد يلعبون في الشارع، كنت أقرأ الروايات الصغيرة والشيقة وأفكر في طبيعة وحقيقة وجودنا على هذه الأرض؛ أعتقد أن شكسبير سرق طفولتي. وحِينَ كبرت لم أكّن أهتم أبدًا بوصف مرضي القديم، لكن حِينَ يسألني أحدهم، كنت أقول: ثقبٌ صغير في القلب دفعني إلى الجنون.

(١) الجنون في عصر «فوكو» الكلاسيكي

مع نهاية مرض الجذام في العصور الوسطى، ظهر ما أسماه فوكو «سفينة الحمقى» كانت تلك أحدى الأساطير التي تقول أن هناك سفينة غريبة جانحة مليئة بالحمقى تنساب في الأنهار الهادئة لنهر ريناني والقناطر الفلامية. يشير فوكو في كتابه أن تلك الأسطورة حقيقية؛ حيث كان المجانين يطردون من المدن على ظهر هذه السفينة.

عصر النهضة أعاد للجنون صوته مرة أخرى؛ أصبح في الجنون شيئًا من الحكمة؛ حيث كان يُرى الجنون وقتها كإختلاف بدلاً من إختلال عقلي. ويعتقد أن المجانين يملكون نوعًا من الحكمة لأنهم أظهروا حدود العقل (المنطق) وتم توقيرهم في عدة دوائر، وسمح لهم بالتجوال بحرية وسط الناس. لم يكن هناك رفض لفكرة الجنون وقتها، حتى أنه ظهر ما يسمى أدب الجنون. لكن سريعًا ما انتهى ذلك، مع بداية العصر الكلاسيكي ظهر ما أسماه فوكو «عالم الإصلاحيات» وهو الوقت الذي بدأ فيه وضع المجانين في السجن أو الحجز، وقد أصبح وقتها الجنون مرادفًا للخطيئة.

لكن في عصر التنوير أو العقلانية وظهور المستشفى العام «المَارِسْتان» تغير الأمر كثيرًا وبدأ يتم التعامل مع الجنون على إنه حالة مرضية، تُعالج من قبل طبيب مختص، وذلك ما أطلق عليه فوكو «تجارب الجنون» بعد ذلك توسع مفهوم الجنون مع القرن العشرين وأصبح يشمل أشكال عديدة من الاضطرابات.

(٢) الجنون في عصر الخيبات

أعطيتها سِلْسِلة، أعطتني قُبلة. أعطيتها كتابي المفضل، أعطتني خيوطاً ملتفة على يدي اليسرى. أعطيتها صورة لمدينة قديمة، أعطتني أغنيتها المفضلة لفرقة "ناس الغيوان" وانتهى التبادل هنّا. لكن ظل صوت ناس الغيوان قاتل بالنسبة ليّ، مع الوقت أصبح صوت الفرقة هو ذاته صوتها. الثقب الذي كان في القلب قد اتسع. وذلك يدفعني أكثر إلى الجنون؛ ربما هذا ما يمثله تبادل الأشياء بين عشاق سابقين. أو لأننا لا نشبه «فان جوخ» الذي دفعه الحب أن يقطع أذنه ليقدمها إلى امرأة عابرة. نحن نتبادل تلك الأشياء، لأن أحدًا منّا ليس في شجاعة فان جوخ ليفعل ذلك.

(٣) ورود معلقة على مسرح الجنون

نهار أحد أيام الصيف وبالتحديد في عام ١٩٦٧ فوجئ الناس في ميدان التحرير بالشاعر المصري "نجيب سرور" يقف في حالة ذهول تام وهو يعرض ابنه للبيع في منتصف الميدان وكأنه يمثل مشهد من أحدى مسرحياته. يلوح «سرور» بابنه وهو يقول: "ألاؤنا، ألا ترى، مين يشتري الورد مني؟".

بعد فترة من هذا الحدث الذي شهده الجميع في ميدان التحرير، وضعَ «سرور» في المارستان، لإسكاته، أو بدعوى مصلحة الدولة والمجتمع. ظل سرور يكتب داخل مستشفى المجانين، ولكنه كان يفكر وقتها: ما الذي جاء به إلى هنا؟ ما أعرفه الآن أن الحب هو الذي ذهب بسرور إلى المَارِسْتان. الحب كمرادف (الجنون، الخيبات، الجموح ..)

أعتقد أنه مع الوقت سيغادر الجنون مناطقه القصوى التي وضعه فيها سرفانتس وشكسبير. ويتم تأسيس قسم جديد في الجنون يسمى بالخيبات، وبالتحديد خيبات العشاق. المَارِسْتان سيضم قسم جديد من الجنون، ويكتب على المدخل عبارة نيتشه «لقد حلق طائر في سماء غرامي فاختطف الذي أحببته لكنه كان طائرا ولم يكن نسرا وفي ذاك عزائي» وسنقف جميعًا داخل المستشفى كأننا في مشهد مسرحي من إخراج نجيب سرور، ونحن نردد ما غنته أم كلثوم كنشيدٍ رسمي لنا: «وقلبًا مسه الشوق فذابا».

متعلقات
انشر عبر