على مدار الساعة
أخبار » آراء

(تشريح حالة)!

التحرر القومي في مراحل الانحطاط العربي

14 كانون ثاني / ديسمبر 2016
التحرر القومي في مراحل الانحطاط العربي (2)
التحرر القومي في مراحل الانحطاط العربي (2)

بقلم .. أحمد بهاء الدين شعبان.

بعد مائة عام من "سايكس - بيكو"، التي كان يُظن أنها قد جسّدت، بنتائجها المعروفة، أبرز مراحل التردي العربي، تعيش الأمة العربية مرحلة أعلى من مراحل الانحطاط والتفكك، ربما كانت هي الأشد والأخطر، في التاريخ العربي الحديث !.

ويكفى إلقاء نظرة عابرة على الواقع العربي القائم، للتيقن من صدق هذا التقدير: فقسم من الدول العربية ممزق الأشلاء، يعيش حالة الاقتتال الأهلي، وتمزقه حروب الطوائف والمذاهب والأعراق والقبائل، وتم تخريب بنيته الأساسية، وتحطيم جيوشه الوطنية، وزرع بذور الفتنة بين مواطنيه، ولا يُنتظر له الخروج من هذه الحالة العدمية في المستقبل المنظور!.

وقسم منها تحوَّل إلى مستعمرات أمريكية وغربية، تمرح في ربوعه القوات الأجنبية، وتحوطه القواعد العسكرية من كل جانب، وتحكمه أُسَرٌ مرهونة الإرادة للقوى الغربية الكبرى، التي تتحكم فى موارده، والنفط أساساً، وتتلاعب بمصيره كيفما شاءت.

 والقسم الثالث تحكمه أنظمة تابعة اقتصادياً، وبالتالي سياسياً، لمشيخات النفط، ومن ثم للمراكز والهيئات الإمبريالية الكبرى، وتلفه قيود القروض وشروطها، وتعانى شعوبه من شظف العيش، ومن آثار وتبعات فساد آلة الحكم، واستبدادها، والنهب المنظم للثروة الوطنية.

تراجع موقع القضية الفلسطينية:

لكن أخطر مظاهر مرحلة الانحطاط العربي الراهنة، يُعَبِّرُ عنه حال التراجع الكبير فى أهمية ومركزية القضية الفلسطينية، في الوعى والوجدان العربيين!.

فبعدما كانت هذه القضية تحتل الموقع الأول في جدول أولويات الشعوب والأحزاب والقوى العربية الفاعلة، تدهور موقعها، بفعل أسباب وظروف موضوعية وذاتية، على رأسها الانشغال الشعبي العربي بهموم الصراع ضد الاستبداد الداخلي، وفى مواجهة الضغوط الخارجية، من جهة، والانشطار الفلسطيني الداخلي، الذى شل وحدة العمل الوطني الفلسطيني، وأضعف نفوذه المعنوي والمادي، على المنطقة العربية، وفى العالم، من جهة أخرى.

اغتصاب هبّات الشعوب العربية:

ومن المؤكد أن شعوبنا لم تستسلم في مواجهة التآمرات الداخلية والخارجية، وقاومتها على كل الأصعدة، حتى تفجّرت الأرض العربية بسلسلة من الانتفاضات والهبّات الثورية فى العديد من بلدانها الأساسية، وخاصة تونس ومصر، أطاحت برؤوس هذه النظم البالية، الفاسدة والمستبدة، وإن لم تفلح فى الإطاحة بالطبقة الحاكمة، أو إحداث تغيير عميق فى جوهر العلاقات الاجتماعية المهيمنة !.

وفى المقابل، فإن القوى الطبقية الرأسمالية، المضادة، بمختلف تجلياتها: المدنية، والدينية، والعسكرية، استطاعت الانقلاب على هذه الهبّات الثورية، فاستوعبت زخمها، وتم تفريغها من قوة دفعها، وتشتيت جهودها، والتشويش على أهدافها ، وتشويه وقائعها وشعاراتها، والتنكيل بقادتها!.

ولعبت، في هذا السياق، قوى التطرف والتكفير، المُقَنَّعة بالأقنعة الدينية، والمدعومة - علناً - من الإمبريالية العالمية، والولايات المتحدة أساساً، دوراً لا يُنكر في إجهاض هذه البادرة التاريخية، وسحبها إلى قاعٍ من العنف والفوضى، الأمر الذى مهَّدّ لانقضاض القوى الفاسدة القديمة، التي ثارت الشعوب عليها، وعودتها إلى تَصَدُّر المشهدين، الاقتصادي والسياسي، مرة اخرى!. ... وتراجع دور اليسار العربي وساعد على تردى الأحوال في بلدان وطننا العربي، ونتج عنه، التراجع الكبير في أدوار أحزاب وقوى ورموز اليسار العربي.

وقد ترتب على هزيمة 1967، في مصر على سبيل المثال، تحولات طبقية عميقة، وانحيازات اجتماعية وسياسية واقتصادية، عاصفة، ألمّت بها، مع صعود "أنور السادات" إلى سُدّة الحكم، وانتهاجه سياسة "الانفتاح الاقتصادي"، وتخليه عن دور الدولة الاجتماعي، وشروعه في تسريح القاعدة العمالية والمهنية الضخمة، التي تشكّلت، واغتنت بالخبرات، طوال العهود السابقة، وبالذات في فترة حكم الرئيس "جمال عبد الناصر"، فضلاً عن نتائج بيع مصانع ومؤسسات القطاع العام، وآثاره المدمرة على الواقع الاقتصادي والسياسي، وامتداد ذلك إلى ارتمائه في أحضان الولايات المتحدة، وتصالحه مع العدو الصهيوني، وعدائه لحركة التحرر الوطني والقومي.. إلخ!.

والأخطر تمثل في شيوع مظاهر الاقتصاد الريعي، وانتشار قيم الخلاص الفردي على حساب الشعور بالانتماء للوطن والجماعة، والممارسات التي جلبتها الهجرة العشوائية لملايين المصريين إلى أقطار النفط، وعودتها حاملة لتأثيرات سلبية عميقة، مُستقاة من ثقافة الصحراء والاستهلاك، واحتقار العمل والعلم، والتطرف والتشوه الأيديولوجي!.

وقد أدى جماع ما تقدم إلى تفكيك الركائز الطبقية لفكرة "الاشتراكية"، وضرب الأساس الاجتماعي لليسار في مقتل، والمتمثل فى الطبقة العاملة المنظمة، والفلاحين الواعين، والطبقة البرجوازية الصغيرة الصاعدة، والشرائح الدنيا والوسطى من الطبقة الوسطى، وفئات "الإنتليجنسيا" الثورية، وقواعد الجيش الوطني، الأمر الذى نزع من اليسار جانباً مُعتبراً من جمهوره وحلفائه، ودفع به إلى متاهات الضعف والعزلة!.

لكن أخطاءً كبيرةً أيضاً، ارتكبتها فصائل اليسار العربي، بجمودها، وتحالفاتها العشوائية، وانتهازية بعض ممثليها، وتقوقعها فى "معازل" ثقافية عالية، وعجزها عن إدراك كُنه المتغيرات العالمية والمحلية، ومن ثم التفاعل الصحيح معها، وأيضاً بسبب نتائج وتداعيات انهيار "الاتحاد السوفيتي" السابق، والكتلة الاشتراكية، الأمر الذى أدى إلى تكثيف أستار عزلة اليسار عن محيطه الشعبي الحيوي، و تضاؤل قدرته على قيادة الجماهير في معارك التصدي لما جرى من كوارث، أو ترشيد حركة الموجات الثورية، وحمايتها مما حيك لها من مؤامرات، حينما وقعت!.

لكن الأمل باقٍ... بشروط! غير أن ما تقدّم مما يوحى بالصعوبات وَيُجَسِّدُ، دون مجاملة، المشكلات التي تُحيط بواقعنا العربي الراهن، لا يعنى بحالٍ من الأحوال، انعدام الأمل، أو موت الرجاء، أو اليقين باستحالة تغيير الواقع العربي المتردي، أو حل شفراته المُعقّدة !.

بل أن العكس هو الصحيح !. فخبرة ما مضى من سنوات قاسية ومحن ضارية، وتجارب صعبة ومآسٍ مستمرة، تثبت العجز المُريع للبرجوازية العربية الحاكمة، فى جميع بلداننا، بمختلف تجلياتها، المدنية والدينية والعسكرية، عن تقديم حلولٍ ناجعةٍ للكوارث الاجتماعية والسياسية التي ثارت عليها جماهيرنا، والتي شكّلت ملامح مستنقع الفقر، والبؤس الاجتماعي، والتخلف الثقافي، والتراجع الحضاري، الذى لا تخطئه العين الفاحصة، الذى تتمرغ فيه شعوبنا، بجيوش بطالتها، وأميّة ملايينها، وتخلفها المتفاقم!.

ولن يكون في مقدور هذه الطبقة الحاكمة أبداً، ولا هو واردٌ في مشروعها السياسي، ولن تسمح به تحالفاتها واختياراتها الاستراتيجية، المحلية والخارجية، حتى لو أرادت، تقديم حلول ناجعة، تنهض بأمتنا من كبوتها الطويلة، أو ركودها المستدام !.

ومن نافل القول أن الأسباب الهيكلية العميقة لهبّات جماهيرنا، (من استغلال، وفساد، وعمالة، واستبداد،...)، لازالت قائمة، بل واستفحل شأنها استفحالاً شديداً، بفعل ما مر ببلادنا من تطورات عنيفة خلال السنوات الست الماضية. ونستطيع التأكيد، من واقع دروس انتفاضات 2011، وما تلاها من تطورات، أن موجات جديدة من الغضب الشعبي قادمة لامحالة، فى ظل انقضاض الطبقات الحاكمة، الموجهة بالريموت كنترول من المؤسسات الاقتصادية الإمبريالية، المهيمنة، على ما تبقّى من أسباب لبقاء حياة الأغلبية العظمى من الطبقات محدودة الدخل، على قيد الحياة، ودفعها لعشرات الملايين من المواطنين الجدد، إلى مهاوى الفقر والبطالة والضياع الاجتماعي والاقتصادي!.

وهذا الوضع يمثل فرصة "تاريخية"، بما تحويه هذه الكلمة من مضمون، لإعادة تأسيس وبناء فصائل اليسار العربي الجديد، المتعلم، والمتخفف من أخطاء وأعباء الماضي، والمستفيد من دروس ما مر به، وبشعوبنا وأوطاننا، من محنٍ وتطورات، والمتفاعل بإيجابية مع ما يموج به عالم الألفية الثالثة من متغيرات وثورات: علمية وتكنولوجية وثقافية وبيولوجية، وبيئية واجتماعية!.

غير أن النجاح في "انتهاز" هذا الظرف التاريخي، مرهونٌ أيضاً باستعداد اليسار العربي للتعلم من أخطائه، ووضع حلول مناسبة لها، ورصد وتقويم سلبياته بشجاعة، وصياغة رؤية استراتيجية، موضوعية، وخطة عمل بديلة صحيحة، تخرج به من متاهات التأزم الذاتي، إلى رحاب الانخراط في صنع وقيادة حركة التاريخ الجديد، التي تتشكل، وإن ببطء، في رحم واقعنا العربي المأزوم !.

شروط مطلوبة ! ويقتضى نجاح اليسار العربي في هذه المهمة الضرورية، الوفاء بشروط لابديل عن تحقيقها، ومنها:

القيام بنقد ذاتي، موضوعي، لممارسات المرحلة السابقة، وسلبياتها، لا لجلد الذات، وإنما للتأكد من الإلمام بأسباب ما حدث من أخطاء، والتحرز من عدم الوقوع فيها مُجدداً.
تجديد الخطاب اليساري القديم، مضموناً وشكلاً، إذ أثبتت خبرة العقود الماضية، عجز الخطاب الراهن لليسار العربي، عن التفاعل مع وعى وإدراك الطبقات الشعبية المستهدفة، أو التأثير في القطاعات الشابة من مجتمعاتنا.
صياغة رؤية استراتيجية جديدة لليسار العربي، تقرأ بنفاذ ملامح العالم الراهن، ومتغيراته، وانعكاساته الموضوعية على واقعنا العربي، وتحدد معسكر الأعداء بوضوح، ومعسكر الأصدقاء بدقّة، واتجاهات العمل الرئيسة، وأهداف خطط الحركة التكتيكية، وغيرها من الأساسيات.
تجديد دماء اليسار العربي، ببذل جهد أكبر لإقناع، وضم جموع الشباب، وتدريبهم، وتأهيلهم، وإفساح المجال أمامهم لتبوأ مواقع القيادة، باعتبارهم أصحاب المستقبل، والأقدر على التعامل مع الطفرة العلمية والتكنولوجية التي تجتاح العالم، والفئة العمرية التي يجب إعدادها لتسلم الراية النضالية من الأجيال الأكبر سناً، القائمة على أمور الفصائل اليسارية العربية الحالية.
تجديد آليات العمل اليساري، بفرز واستبقاء الملائم من الأدوات التقليدية، وهجر غير المناسب منها، مع الاستخدام الواعي والذكي لوسائط التواصل الاجتماعي الحديثة، ولسبل الربط والتنسيق التقنية التي تجيد الأجيال الجديدة إدارتها، لا باعتبارها "موضة"، أو "صرعة" شائعة، وإنما لأنها ضرورة موضوعية لازمة، تفرض، وستفرض أمرها على المسار الإنساني المعاصر كله.
البحث عن مصادر تمويل وطنية موثوقة، لتغطية النفقات المتعاظمة للعمل الوطني والثوري، والتي تتزايد باستمرار، بفعل موجات التضخم والإفقار في بلادنا، ولحماية هذا العمل من مخاطر وتداعيات التمويل الأجنبي، وآثاره السلبية في كل الأقطار العربية!.
إيجاد حلول موضوعية لمشكلة تعدد وتفتت قوى اليسار العربي، على صعيد كل بلد، وخروجها من أزماتها صوب النهوض الثوري والديمقراطي، والعمل على توحيد صفوفها إن أمكن، ومن ثم تفعيل دورها في كل قطر عربي في أوساط جماهيرها لكي تستعيد مصداقيتها ودورها الطليعي ، كخطوة ضرورية على طريق بناء الإطار الجبهوي اليساري العربي الديمقراطي الموحد، الذي يضم فصائل وأحزاب اليسار العربي ، باعتبار هذه الخطوة ضرورة موضوعية لا بديل عنها، لمواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه الأمة العربية، على كافة الأصعدة.

إيجاد صيغة مناسبة للتحالف مع القوى والأحزاب والهيئات اليسارية العالمية، وللتفاعل مع تشكلات القطب العالمي المناوئ للمعسكر الإمبريالي، التي نشهد ملامحه اليوم، باتجاه بناء الحلف العالمي المناهض للهجمة الإمبريالية المتصاعدة .

هذه بعض الاجتهادات، المتواضعة والمخلصة، في محاولة قراءة واقع فصائل اليسار العربي، وتقديم بعض الاقتراحات المفيدة، المُتَصَوَّرة لعلاج مشكلاته، مبنيّة على الانغماس الحى في التطورات التي وقعت في الساحة المصرية، بالأساس، خلال السنوات الماضية، عسى أن يكون فيما تضمنته، رغم قصوره، ما يفيد في المساعدة على خروج اليسار المصري والعربي من وضعيته الراهنة، ونجاحه في مواجهة التحديات الخطيرة، التي تواجهه، وتواجه أمتنا وأوطاننا، على الأصعدة كافة.

الأمين العام لـ "الحزب الاشتراكي المصري".

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر