على مدار الساعة
أخبار » آراء

مفهوم الدولة والمقاومة والوحدة الوطنية في الفكر السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

15 كانون ثاني / ديسمبر 2016
unnamed
unnamed

بقلم أ. منصور أبو كريم

تمثل الحركة الشعبية العربية بقواها السياسية على اختلاف اتجاهاتها القومية والديمقراطية واليسارية والوطنية، الحلقة المركزية الثانية للمشروع القومي العربي وجزاء لا يتجزأ من مشروع المقاومة ضمن خصوصية كل من هذه القوى في محيطها المحلي، عبر آليات تضعها هذه القوى لنفسها، وتأخذ بعين الاعتبار انخراطها في بناء المشروع القومي العربي، فجاءت انطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مرتبطة بشكل كبير بهذه الفكرة، ضمن المشروع القومي العربي من جهة وخصوصية الحالة الفلسطينية من جهة أخرى، وارتبط تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بموقفين فكريين محوريين، الموقف الأول هو احتدام الصراع داخل فروع حركة القوميين العرب بين خط يحاول المحافظة على برنامج الحركة العام، وخط يدعو إلى تبنّي الماركسية – اللينينية، والموقف الثاني هو استبدال هيئات حركة القوميين العرب المركزية بمكتب تنسيق بين الأقاليم الحركة وفروعها على امتداد المنطقة العربية.

وجاءت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كرد فعل لهزيمة حزيران1967م، والدروس النظرية والسياسية والتنظيمية التي أفرزتها وبلورتها الهزيمة. كما يرتبط تأسيس الجبهة بحركة القوميين العرب وتنظيمها الفلسطيني وتجربته النضالية منذ النكبة عام 1948م، والدروس التي اكتسبها منذ بداية الستينيات إلى الإعداد للبدء الكفاح المسلح، في هذه المرحلة التأسيسية، وتبلورت فكرة تأسيس الجبهة الشعبية لحركة الشعب وليس كحزب سياسي فحسب كما جرى لاحقاً، لذلك جاء تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في نهاية عام 1967م، كامتداد لحركة القوميين العرب ومشروعها القومي، حيث اتحدت ثلاثة تنظيمات هي منظمة أبطال العودة، ومنظمة شباب الثأر وجبهة التحرير الفلسطينية التي كان من بين مؤسسيها أحمد جبريل لكي تشكل مجتمعة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كإطار جبهوي، يضم كافة التنظيمات في بوتقة واحدة، وتزامن تفكير قيادة فرع حركة القوميين العرب في فلسطين بتأسيس الجبهة الشعبية تعبيراً عن العمل الوطني الفلسطيني المسلح، مع وجود بعض التنظيمات التي سبقت الجبهة للوجود العملي العلني، وبادرت القيادة المؤسسة إلي إجراء حوار مع بعض التنظيمات على قادة تأطيرها في  إطار جبهوي إئتلافي موحد، رداً على الهزيمة ونتائجها، وإبراز موقف فلسطيني موحد بهدف رفع معنويات الشعب العربي والفلسطيني على السواء.

 بدأت الجبهة قومية التوجه على اعتبار أنها امتداد لحركة القوميين العرب، لكن سرعان ما تبنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الفكر الماركسي كنظرية سياسية أساسية ورئيسية للعمل السياسي لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، بعد ما رأت أن الفكر القومي لم يعد قادراً على الانتصار وإعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية، خاصة بعد هزيمة 1967م. واعتبرت إسرائيل جسماً غريباً زرعته الإمبريالية العالمية في المنطقة، للوقوف أمام حركة التحرر العربية، وكتنظيم يساري ماركسي آمنت الجبهة الشعبية بأن تناقضها ليس فقط مع الاحتلال الإسرائيلي، إنما أيضاً مع ما أسمته القوى الرجعية العربية التي تعتبر جزءاً من المعسكر الغربي الإمبريالي، كما آمنت الجبهة بأن الوطن العربي هو بعُد طبيعي للثورة الفلسطينية بعكس حركة فتح التي رفعت شعار عدم التدخل في الشؤون الداخلية  للبلدان العربية، ولم تعتبر الجبهة الصراع مع إسرائيل صراعاً دينيا،ً بل اعتبرته صراعاً سياسياً يهدف إلى إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية شعبية، يتساوى فيه العرب واليهود بنفس الحقوق والواجبات، وهو الشعار الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية في السبعينيات القرن الماضي حول الدولة الديمقراطية العلمانية التي يعيش فيها المسلمون والمسيحيون واليهود على قدم المساواة.

وترى الجبهة الشعبية أن إسرائيل هي جزء لا يتجزأ من الحركة الصهيونية العالمية، بل هي في حقيقة الأمر نتاج لها، ونحن إذن في معركتنا لا نواجه إسرائيل وحدها بل نواجه إسرائيل المستندة موضوعياً إلى قوة الحركة الصهيونية. إن الحركة الصهيونية كحركة دينية عنصرية تحاول تنظيم وتجنيد 14  مليون "يهودي" في شتى أنحاء العالم لمساندة إسرائيل وحماية وجودها العدواني وترسيخ وتوسيع هذا الوجود. وتعتبر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الوحدة الوطنية أمراً أساسياً لتعبئة كافة قوى الثورة للتصدي لمعسكر الخصم، حيث تتمثل فيها كافة طبقات الثورة العمال الفلاحين والبرجوازية الصغيرة، كما تعمل لحشد وتعبئة العمال في تنظيم مسلح بالاشتراكية العلمية ولتوحيد كافة التنظيمات اليسارية، وترى الجبهة الشعبية أن التناقض الأساسي الذي يحكم مرحلة التحرر الوطني، يتمثل في التناقض التناحري القائم بين الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين وجميع مواقع الشتات وبين الكيان الصهيوني المغتصب والمحتل لفلسطين، بالإضافة إلى التناقض بين الأمة العربية وقوى التحرر والتقدم في العالم من جهة والكيان الصهيوني حلفائها من جهة أخرى.

وتنطلق الجبهة من تحرير فلسطين التاريخية كهدف استراتيجي للثورة الفلسطينية وإقامة دولة الفلسطينية الديمقراطية، التي يتمتع جميع مواطنيها بالمساواة الكاملة، ويأتي تصور الجبهة لشكل الدولة الفلسطينية بعد التحرير امتداداً لتكييفها لحركة التحرير الفلسطينية باعتبارها ليست عنصرية عدوانية ضد اليهودية، وإنما هدفها تحطيم دولة إسرائيل ككيان عسكري وسياسي واقتصادي قائم علي العدوان والتوسع والارتباط العضوي بمصالح الاستعمار في فلسطين، وتبلور الفكر العسكري للجبهة الشعبية في أعقاب حزب 1967م، والتي اعتبرتها الجبهة الانطلاقة الحقيقية للثورة الفلسطينية المعاصرة، وقد تعززت مكانة الأراضي المحتلة _ الداخل – في نظرية الجبهة الشعبية التي أطلقت شعار" الداخل هو الأساس والخارج هو الرديف" وتابعت ذلك بإرسال الجزء الأكبر من مقاتليها وأسلحتها إلى المناطق المحتلة، بهدف خلق بؤر ثورية.

وتميزت الجبهة الشعبية منذ نشأتها بعدة بسمات خاصة، تمثلت الأولى بإصرارها الدائم على التمهيد لأي عمل عسكري بطريقة منهجية مهما استغرق ذلك من وقت، والسمة الثانية هي التمسك بالمقولات الفكرية العسكرية بدقة وصراحة، والسمة الثالثة هي تجنب الصدام المباشر مع الجيش الإسرائيلي، وركزت الجبهة الشعبية في الفترة الواقعة ما بين 1968م/1970م، على بناء خلاياها السرية داخل الأرض المحتلة، بهدف تنفيذ أكبر عدد من العمليات هناك، حيث استطاعت الجبهة تنفيذ العديد من العمليات المؤثرة في الكيان الصهيوني، وكان نشاط الجبهة في قطاع غزة على مستوى متقدم من الحيوية والنشاط.

وتبنت الجبهة الشعبية خط العمليات الخارجية، واعتبرت هذا الخط  خطاً فرعياً ضمن الخط العام للجبهة، وربما كانت الجبهة الفصيل الفلسطيني الأول الذي اتبع أسلوب نقل المعركة ضد الأهداف الإسرائيلية خراج الأرض المحتلة، عبر خطف الطائرات، ورفعت شعار " ضرب العدو أينما كان "وتسمي الجبهة هذا النوع من النشاط " بالعمليات الخارجية" ففي يوليو 1968م، خطفت طائرة " شركة العال " الإسرائيلية إلى الجزائر وأفرجت عن 16 أسير فلسطيني مقابل الإفراج عن الطائرة والركاب، وفي سبتمبر 1970 قامت الجبهة الشعبية بخطف أربع طائرات إلى القاهرة، نسفت منها طائرة بوينغ 747 في مطار القاهرة، ومن ثم نقلت البقية إلى الأردن مع 500 رهينة، وقد اتخذت السلطات الأردنية هذه العملية ذريعة لطرد الثورة من الأردن عام 1971م.

وبررت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين هذا الخط من المقاومة الفلسطينية بقولها: أن طبيعة العدو الصهيوني يتماشى مع الإمبريالية العالمية، لذلك فإن ضرب الشركات العالمية يعني ضرب العدو الإسرائيلي، وأن كثير من الثورات التحررية عرفت مثل هذا الخط من النشاط " الضرب في الخارج " أثناء تجاربها الطويلة، فما الذي يمنع ضرب المؤسسات الصهيونية التي هي نوع آخر من التجسيد الإسرائيلي، كما طرحت الجبهة عدة حجج لتبرير حملتها الخارجية، فاعتبرت أن شركات الطيران التي تسيّر رحلاتها من إسرائيل وإليها أكانت محلية أم أجنبية هي جزء من خطوط المواصلات والاتصالات الإسرائيلية، وتكشف عن وضع إسرائيل كمركز للمصالح الامبريالية والرأسمالية العالمية، وأصرت الجبهة أنه في ضوء الطبيعة العسكرية للمجتمع الإسرائيلي لا يجوز تفسير ضرب الطيران المدني والطرق البحرية بأنه عمليات تستهدف المدنيين، واعتبرت الجبهة أن الهدف من خط العمليات بالخارج وخطف الطائرات كان إبراز القضية الفلسطينية كقضية سياسية لشعب محتل، يعاني من القهر الاضطهاد السياسي بهدف إبراز قضية الشعب الفلسطيني كقضية سياسية وليست قضية إنسانية، لذلك بعد ما حقق هذا الخط الأهداف المرجوة منه تم التوقف عنه تماماً.

وعلى أي حال يمكن القول الفكر السياسي والتجربة النضالية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، قد تميزت عن غيرها من الحركات والفصائل الفلسطينية بمجموعة من الخصائص والسمات، كان أبرزها تبني خط العمليات الخارجية، الذي استطاع أن يظهر القضية الفلسطينية، كقضية سياسية لشعب تحت الاحتلال، يتوجب على العالم العمل بشكل جدي لنيل حقوقه المشروعة في الحرية والاستقلال وحق تقرير المصير.

باحث سياسي ومدير الدراسات والأبحاث بمركز رؤية

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر