على مدار الساعة
أخبار » منشورات

الطائفية: الجذور والبديل الثوري

17 آذار / ديسمبر 2016
الطائفية: الجذور والبديل الثوري
الطائفية: الجذور والبديل الثوري

بقلم: وسام رفيدي

 

في الثقافة الدينية

يخطئ مَنْ يعتقد أن الثقافة الطائفية الرجعية في المنطقة العربية هي نتاج معاصر، يُقدَّم كما لو كان نبتاً شيطانياً، كالمجموعات الإرهابية التكفيرية ذاتها، كما ولا يتفق مع الدراسة العلمية التاريخية ذلك التسطيح الذي يحيل تلك الثقافة على فضاء خارج الدين ( ليس من الإسلام في شيء)، أو أنها وحملتها من التكفيريين مجرد نتاج لمؤامرة ( لتشويه صورة الإسلام) أو صناعة أمريكية. أما إن التكفيريين ومنذ الدعم البريطاني لتأسيس حركة الإخوان، مرورا بدور الحركة في العداء لحركة التحرر في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات بالتوافق مع السياسة الاستعمارية، وصولاً للدور القطري/ السعودي/ التركي/ الأمريكي في تأسيس ودعم داعش والنصرة وكل التلاوين التكفيرية، أما وإن هذا حقيقي وتاريخي، غير انه شيء، وإحالة مسألة جذور الطائفية الدينية التكفيرية للدور الخارجي مسألة مختلفة تماماً.  إن الثقافة الطائفية تجد تأصيلها تاريخيا في معطيين أساسيين:

  1. الثقافة الدينية ذاتها والتي تجد تعبيراتها ومصدرها وشرعيتها ليس فقط في تأويلها للنص بل وأيضا في النص ذاته. وإذا كانت الثقافة الدينية هي نتاج لحظة التلاقح بين النص والحياة عندما يطرح النص ذاته كموجه للحياة الاجتماعية والسياسية وللأخلاق، فإن النص الديني ذاته باعتبار نفسه مالكا للحقيقة المطلقة في مواجهة الآخرين/ الحقائق ( المزعومة)/ الأديان ( المنافسة)، فإنه يشكل مدخلا، قبل التأويل، لتعزيز النزعة والثقافة الطائفية. لا ينفع هنا إصدار الأحكام ( الفكرية) الساذجة والمغلوطة من نوع ( الدين بريء من النزعة الطائفية) أو شعار المناسبات الدارجة حول ( التسامح الديني). إن فحصاً متأنياً لجوهر النص الديني على اختلاف انواعه، وهنا الحديث قطعا عن الديانات الإبراهيمية الثلاث، وفي القلب منها، النص الإسلامي، باعتبار مرجعية  للممارسة الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية للإسلاميين، أقول إن فحصاً متأنيا للنص هذا تُظهر حقيقة احتوائه، كنص، على أحكام عقيدية تدعي الحقيقة المطلقة لتخرج الآخرين من حسابات تلك الحقيقة. فالدين ليس متسامحا مع غيره، وفي التأويل لم يغدو متسامحا حتى مع فرق مذهبية من ذات الدين، وما الصراع التاريخي بين السنة والشيعة والكاثوليك والأرثوذوكس وبين مختلف الشيع اليهودية إلا تأكيدا على ذلك، وبالتالي فشعار ( الدين بريء من النزعة الطائفية) يغدو قولا للاستهلاك،ـ متعجل، ودعاوي لا نتاج مراجعة فكرية وملامسة للحقيقة على مرارتها، وفي نفس الوقت هو شعار يبرر المصالح الطبقية للنخب الحاكمة في الدولة الإسلامية.
  2.  أما شعار ( التسامح الديني) فيصلح، بتصوري لتعزي التعايش الاجتماعي والسياسي بين المؤمنين كجزء من التكوين الاجتماعي الوطني، لا لإشاعة فكرة خاطئة تماماً عن أن الأديان متسامحة عقيدياً مع بعضها البعض!

هذا على مستوى النص، أما على مستوى التأويل، فالأمور أكثر وضوحا واعترافا بها حتى مع الناشطين الدينيين على تلاوينهم، مع أن الخلاف قد يقع على دوافع ذلك التأويل ومدى اقترابه من النص او ابتعاده عنه، لا حول التأويل ذاته. الاعتبارات السياسية والطبقية والثقافية والقبلية كلها حاضرة كدوافع للتأويل، وأحياناً جهل مطبق في التعامل مع النص، جهل بات يستشري في اربع بقاع العالم الإسلامي!

لذلك، فللبحث عن جذور الطائفية، كنزعة وتوجه، لا يجوز الاكتفاء بالبحث هناك حيث التأويل، بل أيضاً هنا: في النص ذاته. وعلى العموم يميل الفكر العربي، العلماني والديموقراطي، لعدم الجرأة في البحث (هنا)، فباستثناء أقلام معروفة ومحدودة ، مثل: صادق جلال العظم وحسين مروّة ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد، وغيرهم القليل، لم تعرف الساحة العربية العلمانية واليسارية نقدا للنص، كنص، لتوضيح أثره في تشكل الثقافة، بل يجري بالعادة الهروب من هذا الاستحقاق الفكري الهام باتجاه تحميل التأويل المسؤولية الوحيدة وتبرأة النص من مسؤولياته.

وبالعودة لمستوى التأويل، فالتاريخ الإسلامي الفقهي والثقافي زاخر بالنزعة الطائفية، المتلفعة أحياناً بالنزعة القبلية وأحياناً بالنزعة السياسية/ الطبقية، والشخصية أيضا في أحيان اخرى. لن نستعيد مجمل التاريخ الإسلامي المعروف للقاصي والداني، ممن هم خارج الثقافة المدرسية التي لا تقول شيئا في التاريخ الإسلامي الواقعي، ويكفي هنا التمعن في السلسلة التالية من النزاعات والصراعات الطائفية والقبلية للوقوف على دور التأويل: خلاف سقيفة بني ساعدة، حرب الجمل، معركة صفين، الصراع السني/ الشيعي، الصراع بين مختلف الفرق والتوجهات لاحقا منذ العصر العباسي وما بعد.

ويمكن دون تردد، الوقوف على مجموعة من المفكرين الذين عبر تأويلهم للنص، بنوا معمارا من النزعة الطائفية المعادية للآخر الديني والطائفي. منذ ابن حنبل وابن تيمية وابن القيم الجوزية مرورا بمحمد بن عبد الوهاب ، وصولا للعصر الحديث المتمثل بأبي الأعلى المودودي وسيد قطب وقبله محمد رشيد رضا.

 إن تلك المجموعة من المفكرين وبتأويلها للنص بشقيه، القرآن والحديث، ورغم الفارق بين الشقين من حيث الأولوية، قد أرست دعائم الفكر الطائفي التكفيري والإقصائي المعاصر، وكل التيارات الفكرية التكفيرية تنهل منها بهذا القدر أو ذاك، تُأولها وتشكل من تأويلها ذاك شرعيتها. نحن إذن أمام سلسلة من التأويل، وتأويل التأويل، تمتد لقرون شكلت اليوم المرجعية الثقافية للنزعة الطائفية.

هل يعني هذا بالضرورة خلو الساحة الثقافية الإسلامية مما بات يطلق عليه ( الإسلام التنويري)؟ قطعاً لا. فمنذ المعتزلة وانحيازهم للعقل لا للنقل وصولا لمالك بن نبي وعلي شريعتي وغيرهم، لا زال في الساحة مًنْ يمكن وصفه بإسلامي تنويري. وبغض النظر عن دقة المصطلح ( إسلام تنويري)[1] إلا أن هذا الاتجاه يعاني من إشكاليات أساسية وجوهرية بتقديري:

 الأولى هي في التناقض القائم، جوهراً على المستوى المعرفي، بين النص كمعطى غيبي إيماني ثابت جوهريا وبين التنوير كمعطى عقلي/ علمي، تناقض قطعا على المستوى المعرفي والسياسي والاجتماعي لا على مستوى القناعة الشخصية التي يمكنها العيش مع هذا التناقض، وهي بالنهاية حرة في تعايشها.

 الثانية في المرجعية الواحدة (للإسلامين)، إسلام التكفير وإسلام التنوير، وهي مرجعية النص وتأويله، ما يعني استمرار الدوران في حلقة مفرغة قوامها آية مقابل آية وحديث مقابل حديث، وفقيه مقابل آخر، دون ان يتمكن التنويريين تحديدا من الخروج من نفس الدائرة، وشرط الخروج من الدائرة/ المرجعية هو شرط التنوير أصلاً! وساحة النقاش النسوي نموذجا لهذه الحلقة المفرغة: فريق يعتصم ب (مثنى وثلاث ورباع) وفريق يتمترس عند ( ولن تعدلوا)!

الثالثة محدودية تأثير الفكر الإسلامي التنويري وانحصاره في أقلام تنويرية لا تملك ممكنات التحول لتيار ثقافي فكري عام والأهم مؤثر سياسياً. ليس المهم هنا الاحتجاج بأن المسلمين على العموم ليسوا تكفيريين، وبالتالي اعتبار هذا دلالة على شيوع الإسلام التنويري مقابل التكفيري، فالمهم هنا هو مدى شيوع الثقافة الإسلامية التنويرية بحيث تغدو الموجه للممارسة السياسية والاجتماعية للإسلاميين كتيار. وهذا الفشل، أعني عدم قدرة الإسلام التنويري على ان يلعب هذا الدور، ليس فقط تؤكده التجربة التاريخية التي تؤكد هيمنة ثقافة التكفير، بل وأيضاً مرده لحقيقة التناقض والدوران في ذات الدائرة الذي تحدثت عنه أعلاه، وبالتالي أجدني منحازاً لممكنات تحقق ما طرحه محمد أركون حول (علمنة الإسلام)، رغم إشكالية المفهوم، انطلاقاً من أن العلمنة هنا تعني القطيعة المعرفية مع ذلك التراث الديني، اخذين بالاعتبار أن ما جرى في اوروبا عند نهاية المرحلة الاقطاعية ذات الطابع الديني بقيادة الكنيسة (الفاتيكان) ، ليس علمنة للمسيحية بل اندحارها مهزومة بحيث لم تعد قادرة على مواكبة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية الثقافية الليبرالية العلمانية، وعليه فليست المسألة، كما يطرح كتّاب الكنيسة، قدرة الدين المسيحي على ( التطور والتفاعل مع المتغيرات) بل هزيمة للدين في مواجهة العلمانية، وهذا ما لم يحصل إسلامياً حتى اللحظة، وعليه فممكنات تحول ( الإسلام التنويري) لتيار سياسي واجتماعي مؤثر أراه في خانة الأمنيات لا أكثر حتى هذه اللحظة.

وإذا كان للثقافة الدينية دورها البارز في تشكل النزعة الطائفية الرجعية إلا أنها ليست، تلك الثقافة، معزولة عن ظرفها التاريخي بتنويعاته الذي شكلها على ما هي عليه، التنويعات الفقهية والسياسية والطبقية والقبلية، فالصراع السني الشيعي تاريخياً، تلبس اللبوسات الأربعة أعلاه: صراعاً فقهياً حول الإمامة والموالاة وتفسير حديث "الغدير"  ومكانة علي من صاحب الدعوة، صراعاً سياسيا حول السلطة السياسية ( الخلافة)، صراعاً طبقياً بين الارستقراطية الأموية وفقراء العراق، والكوفة تحديداً، وصراعاً قبلياً/ عائلياً بين البيت الأموي والبيت العلوي، كبيتين أرستقراطيين. إن فهم الصراع كما لو كان ذا مرجعية ثقافية فقط، أو على طريقة التاريخ الرسمي الغبي ( فتنة من عبد الله بن سبأ)! لا يمكننا من فهم محددات وعوامل وخلفيات هذا الصراع وبالتالي، نشوء وتعزز النزعة الطائفية لدى الفرقاء. نخلص للقول ان الثقافة الطائفية هي نتاج مجمل التاريخ الثقافي الإسلامي وتجد مرجعيتها في أمهات هذا التاريخ والفكر الناتج في ظله.

في النظام السياسي

من نافلة القول ان النظام السياسي في التاريخ العربي الإسلامي هو نظام جمع بين الدين والسياسة تحت عنوان الخلافة[2] ، وهو عنوان مشتق من التأويل الأموي في عهد معاوية على جبهة الفكر السني، أو لمفهوم الإمامة في الفكر الشيعي، وجاءت الدولة العثمانية لترسخ طبيعة النظام السياسي الديني السني الذي يعتبر الإسلام دين الدولة فيما اتباع الأديان الأخرى أهل ذمة ورعايا للخليفة يصنفون، حسب العلاقة بين الحاكم والمحكوم، في الدرجة الثانية وربما الثالثة! هذا النظام السياسي لا زال حتى اللحظة هو مطلب التكفيريين على تلاوينهم، والتجربة التاريخية للإخوان المسلمين مثلاً، أوضحت ان هذا النظام هو ما يتم تطبيقه فعلاً، لا ( التجديدات) المزعومة حول المواطنة والمساواة امام الدولة. يمكن هنا الإشارة لمعطيين تاريخيين في تجربة الإخوان في الحكم في مصر، رغم ان الإسهاب في هذا الجانب ليس من متطلبات المقالة:

  1. عملهم الدؤوب خلال عام من الحكم على أخونة الدولة، سواء عبر تغيير الدستور او منح مرسي صلاحيات ( الخليفة) فيه، أو التغيرات في أجهزة الدولة ( المحافظين ووزارات الثقافة والإعلام...) أو إغراق الجهاز الحكومي بآلاف الإخوان للتحكم بجهاز الدولة وأخونته نهائياً.
  2. اعتبار المرشد العام للإخوان في حينه مرجعية لمرسي الرئيس بديلا للمؤسسات الدولانية، وقصة القرار المحّول للمرشد للموافقة معروفة، ما يؤشر لاستبدال المرجعية الدستورية الدولانية بمرجعية دينية/ إخوانية قوامها مرشد الجماعة الذي يبايع حسب نظام الإخوان على الطاعة كإمام! ما يعني أن الحاكم الفعلي هو الإمام لا الرئيس!
  3. الإصرار على تحديد أن دين الدولة الإسلام بما يضفي صبغة دينية صريحة للنظام السياسي، ويخلق بالضرورة تمييزا ضد أتباع الديانات الأخرى وغيرهم من العلمانيين وغير المؤمنين. وإذا كانت جميع الأنظمة العربية تعتبر الإسلام دين الدولة في دساتيرها إلا ان الفرق واضح بين نظام فيه مرتكزات علمانية واضحة ويضع بند الإسلام في دستوره، كمظهر لعدم وصول الحركة العلمانية لنهاياتها كحال أنظمة البعث والجزائر مثلاً، وبين نظام يمارس اخونة/ تديين مؤسسات الدولة ككل وهذا حال الإخوان في تجربتهم المصرية.

لذلك، فالثقافة الطائفية ترى مرجعيتها ليس فقط في التاريخ الثقافي فحسب ولكن في التاريخ السياسي أيضاً.

الدولة كنظام للعلاقة بين مواطنين

لا تتسع المقالة هذه لمناقشة أسباب الإخفاق في تشكيل دولاً علمانية عربية حديثة تنهض على فكرة المواطنة لا الطوائف والرعايا والمجموعات الزبائنية. حسبنا أن نشير هنا إلى اختلاف المفكرين بين مَنْ يعتقد ان سبب الإخفاق هو عدم قيام الطبقة الوسطى بدورها التاريخي، وذلك نهج في الفكر السياسي يجد في التجربة الأوروبية ضالته: التعويل على البرجوازية لبناء الدولة الحديثة، وهو نهج ليبرالي يبرز من أصحابه عزمي بشارة مثلاً. ونهج آخر يعتقد ان البرجوازية العربية كبرجوازية تابعة لن تستطيع حل المسألة التاريخية ببناء دولة علمانية حديثة على أنقاض دول ودويلات وإمارات القرون الوسطى، بل منوط بالطبقة العاملة، كبديل طبقي، حل تلك المسألة، وهنا تبرز كتابات سمير أمين مثلاً والعديد من الماركسيين العرب، أما الاتجاه الذي يمكن وصفه بالاتجاه التغريبي فيعتقد ان الثقافة، والدين الإسلامي في الصلب منها، هي سبب الإخفاق، وهذا المنهج الثقافوي هو وجه العملة الآخر للاستشراق العنصري الجوهراني الذي يرى في الغرب العقل والإبداع والعلمانية كجوهر ثابت، ويرى للشرق، ومنه العرب، الركود والتخلف والدين، كجوهر ثابت أيضاً، وربما يمكن وضع أدونيس في تلك الخانة، أقول ربما!

إنني من الذين يعتقدون ان احتجاز التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشعوب العربية وبالتالي تكريس التخلف، كان نتيجة عوامل ذاتية تاريخية ارتبطت بطبيعة التطور الاجتماعي الاقتصادي شبه الاقطاعي في الدولة الإسلامية من جهة، ونتيجة الهيمنة والتسلط الامبريالي الاستعماري على المنطقة منذ أكثر من قرن من جهة ثانية، ناهيك عن قرون من السلطة العثمانية التي دمرت القوى المنتجة العربية، كل ذلك لعب دوره في إخفاق المنطقة في بناء دولها وفق النموذج الحديث للدولة العلمانية الديموقراطية، ولكن ومع ذلك، وكي لا يكون التحليل مجتزءاً ينبغي القول، أن البنية الاجتماعية العربية كانت عاجزة عن مقاومة الهيمنة الامبريالية وسياساتها، وهذا يعود، ليس فقط لتاريخ من التدمير العثماني الممنهج للقوى المنتجة العربية، بل وأيضاً لهيمنة الثقافة الدينية الرجعية على المستوى الاجتماعي، بعدائها للحداثة والعلمانية والنظام السياسي الديموقراطي، اي بتشابك العوامل الداخلية والخارجية يمكن البحث عن سبب الإخفاق. إن مشروعا عربيا نهضويا ثورياً هو الكفيل بتصورنا ببناء الدولة العربية العلمانية الموحدة ذات التوجه الاشتراكي.

ما يعنينا هنا في المقام الأول أن هذا الإخفاق فتح الطريق لاستمرار هيمنة التصور الإسلامي السياسي للتيارات السياسية بشأن الدولة وفق شعار (الإسلام دين ودولة) والدولة بالضرورة دولة الخلافة الدينية، إلا من بعض الأقلام التي حاولت وضع تصور عصري ديموقراطي للدولة الإسلامية.[3]

وحال الأنظمة العربية تاريخياً فيما يتعلق بمرجعيتها يتفق مع تلك التوفيقية في الفكر العربي التي تناولها جابر الأنصاري واعتبرها سمير أمين إحدى اسباب فشل التجربة الناصرية، ونعني بها التوفيق، التلفيقي في الحقيقة، بين التراث والحداثة، بين العلم والدين. والدول العربية لا تخرج عن معادلة التوفيق/ التلفيق هذه: علمنة في جوانب عديدة وتأكيد على المرجعية الدينية في جوانب أخرى، بحيث انتجت ( كوكتيل تشريعي) غريب حقاً. فالتشريع الديني مثلا المعتمد في الأحوال الشخصية والذي يستهدف المرأة ويحد من دورها موجود جنباً إلى جنب مع المساواة بين المواطنين والتعددية السياسية في بعض البلدان العربية؟![4] والهوية الدينية معلنة ومثبتة دستوريا باعتبار الاسلام دين الدولة وايضا مثبتة المساواة بين المواطنين وحرية الاعتقاد والتعبير؟![5] وتزداد قتامة الحالة السياسية للنظام العربي مع ترسخ نهج الزبائنية في الحكم والاعتماد على مجموعات قبلية وجهوية ومصالحية بديلا لتمثيل الدولة لمجموع مواطنيها حتى بالمفهوم الليبرالي الكلاسيكي، وإن غير الواقعي!

وعليه لم تحل مسألة بناء الدولة العلمانية الحديثة كحالة قطع مع دول ودويلات وإمارات القرون الوسطى بمختلف تنويعاتها، الأمر الذي يدحر مفهوم المواطنة للخلف ويحل محله مفهوم الطائفة والجهة والعائلة والقبيلة والمصلحة الزبائنية، وتلك بتقديري حالة تشكل رحماً صناعياً لنمو كل تلك النزعات الطائفية التكفيرية في المنطقة.

وكي لا يضيع الاتجاه ينبغي الإشارة أن علمانية الدولة، بتصوري، لا تفترق عن طبيعة تركيب السلطة الطبقي، إذ اعتقد ان جوهر أزمة الفكر الليبرالي العربي هي هنا: الفصل بين العلمانية كشكل للنظام السياسي والعلاقة الديموقراطية بين المواطن والسلطة، وبين البعد الطبقي لتلك السلطة، وهذا الفصل بالذات هو الذي جعل منظرين بارزين من الليبراليين العرب، المتغنين بالنموذج الليبرالي الأوروبي الرأسمالي، ببعده الطبقي، حد العبادة، كعزمي بشارة وبرهان غليون وأدونيس وهاشم صالح، يتخذون مواقف سياسية تصب في أكثر السياسات رجعية.[6] ولا يتصورون العلمانية إلا نموذجا طبقيا رأسمالياً بامتياز! وإن أخفوا حقيقته بجمل ليبرالية مكرورة تحولت لأيقونات لا تقول الحقيقة.[7]

كثير من التجارب العلمانية في المنطقة العربية وحولها تحولت لكوارث حقيقية على الفئات الشعبية، فتونس بورقيبة وزين العابدين فيها الكثير من ملامح العلمانية، ومع ذلك كان النظام نظاماً رجعيا تابعا للإمبريالية ومعاديا للجماهير الشعبية، وتركيا العسكر كانت علمانية (ومكثرة!!) ومع ذلك انتجت نظاما فاشيا معاديا للشعب الكردي وللفقراء الأتراك، ونظام صدام حسين حمل بذور علمانية ومع ذلك كان نظاماً دموياً بامتياز.

ينبغي على الفكر العربي العلماني ان يغادر الملمحين البارزين للعلمانية العربية، المجزوءة على أية حال: ملمح الفاشية من جهة وملمح العمالة للغرب الإمبريالي من جهة ثانية، وهذا بتقديري لن يتأتى إلا عبر نظام يجمع بين العلمانية كنظام سياسي ينهض على المواطنة والديموقراطية الشعبية[8] وبين السلطة الطبقية الثورية للفئات الكادحة من منتجين وعمال وفلاحين، فعبر هذا الجمع يتحقق ليس فقط مفهوم المواطنة بل ومصالح الفئات الشعبية في دولة تتبنى اقتصادا تنمويا، بآفاقه الاشتراكية، تتخذ موقفا معاديا من الهيمنة الرأسمالية العالمية. وهنا تحديدا أرى دور الماركسيين العرب وقواهم في تقديم هذا البديل التاريخي الذي سيشكل حاجزا في وجه الطائفية السياسية.

والرد التاريخي أعلاه يستدعي رداً على الجبهة الثقافية باعتبار الصراع الايديولوجي ضد الثقافة الدينية ساحة يتوجب خوضها بكل جرأة، ونقد النص الديني ساحة لترسيخ البديل، الثقافة العلمية اليسارية، الديموقراطية، وهنا تتنوع ساحات الصراع: على جبهة أجهزة التربية والتعليم التي تعيد انتاج كل منظومة الثقافة الدينية التكفيرية، على جبهة الإعلام والوقوف بوجه تسونامي فضائيات التكفير والإجرام الوهابية، على جبهة الأسرة وتربية الأطفال تربية علمانية وعقلية بعيدا عن الخرافات والغيبيات، على جبهة الثقافة والمعرفة على العموم. للأسف إن اليسار العربي بالإجمال لم بخض تلك المعركة بقوة تليق بما يحمله من مهام، فحتى اللحظة لا زال الجهد فرديا عند هذا المثقف أو ذاك دون ان يصل لمستوى الممارسة الثقافية الحزبية لعموم قوى وأحزاب اليسار.[9]

 

 

[1] - ليس هنا محل التعليق المسهب حول المصطلح ولكن حسبنا التساؤل حول ممكنات الجمع بين نص غيبي/ إيماني وبين التنوير العلمي/ العقلي، وتساؤلي هذا على مستوى الممارسة السياسية والاجتماعية لا على مستوى الإيمان الشخصي للمؤمن.

[2] - ينبغي الإشارة هنا أن مفهوم ( الخلافة) مفهوم أموي بامتياز لا قرآني حسبما يقدم حديثا في التأويل، فآية الاستخلاف الواردة في النص القرآني لم تكن تعني للمفسرين القدماء نظاما سياسيا/ دولة بل الإعمار في الأرض، ومن المحدثين علي عبد الرازق وصل في كتابة ( الإسلام وأصول الحكم) حد اعتبار أن لا دولة في الإسلام أصلاً.

[3] - مرة أخرى، وإن من زاوية مختلفة، لا أجد ممكناً التوفيق بين الديموقراطية كنظام للسلطة السياسية تنهض على فكرة المواطنة وبين مفهوم الدولة الإسلامية، كدولة دينية، تنهض على التصنيف الديني والطائفي، ناهيك ان الديموقراطية والإسلام حقلين مختلفين تماماً لا يلتقيان في ممارسة متشابكة سياسياً واجتماعياً.

[4] - قطعا إننا هنا نتحدث عن بعض البلدان مثل مصر ولبنان ( والأخير نظام طائفي وتعددية حزبية وحرية تعبير!!!!) والجزائر والمغرب وسوريا ولا نتناول  (محطات الكاز) المسماة دولا على سبيل المجاز في منطقة الخليج.

[5] - أجد نفسي هنا مضطرا للإشارة لأغنية مارسيل خليفة التي يصف فيها المواطن اللبناني: معرم بالطقم الطلياني وبالسروال العثماني كتصوير جميل عن تلك التوفيقية الكاريكاتورية.

[6] - عزمي بشارة بات كاتب الأمير القطري، وغليون في حضن الأتراك والأمريكان أما أدونيس ومع انطلاق الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011 اعلن انه لا يقف مع جماهير تخرج من الجامع!

[7] - من أبرز تلك الجمل قاعدة الفصل بين السلطات والتي تعامل بمثابتها أيقونة دون الأسئلة البديهة: لماذا ينبغي الفصل بين التشريع والتنفيذ مثلاً؟ وما هي القوى الطبقية المتنفذة في الجهاز التشريعي والتنفيذي، وبالتالي القضائي والتي تفرض رؤيتها الطبقية على كل السياسات؟ وكيف يمكن تحقيق الفصل في ظل الزواج الكاثوليكي في النظام الرأسمالي بين السلطة والمال؟

[8] - ليس المصطلح ( ديموقراطية شعبية) جزافي بل النقيض للديموقراطية الليبرالية التي تركز على الديموقراطية السياسية والمساواة أمام القانون رغم أن التركيب الطبقي وموازينه لا تسمح بأية مساواة! الديموقراطية الشعبية هي التي توفر المساواة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي كشرط للمساواة السياسية والمساواة امام القانون.

[9] - لا بد من استثناء الشيوعيين اللبنانيين من هذا النقد فجهدهم عبر مثقفيهم الحزبيين في لحظة سابقة كان علامة بارزة ويكفي الاستشهاد بحسين مروة ومهدي عامل لتأكيد ذلك.

متعلقات
انشر عبر