على مدار الساعة
أخبار » صحافة المواطن

الرحيل عن مشاهد لا تذكرنا

18 آذار / ديسمبر 2016
الرحيل عن مشاهد لا تذكرنا
الرحيل عن مشاهد لا تذكرنا

نغم شرف

عندما ماتت أمي، بكيتُ فوراً، قطفت الورود. عاينت جثتها، لا لأودّعها بل لأتأكّد من موتها. الخامسة فجراً، رفعت رأسي فوق حافة السرير. تلقيت خبر موت جدي. عدتُ إلى النوم. استبدلتُ الأدعية وأصوات المعزّين بأغاني فيروز، تحديداً "سألوني الناس". وحين ماتت جارتي، صرت أضحك على نحوٍ هستيريّ. تظن أنّ اختبار الموت بعمر صغير سيخلق لديك مناعة، خصوصاً عند رحيل الأشخاص الأكثر قرباً، لكن مع كلّ موت جديد ترجع إلى الموت الأول. حفظت، حجم هذا الوجع. ولذلك أظن أنّ خوفي من التعامل معه مجدداً أقوى من خوفي على موت من أحبّ.

رقصت الليلة الماضية بجانب وجع أخدّره كل يوم. رحل بنفس السرعة التي جاء بها. هذا الوجع أنقذني. خلت سابقاً أنّ التخلص من الرواسب يعني الجلوس مع النفس والتفكير بكل ما حدث وتقبّله. في الواقع، لم أتخلص من شيء. طريقتي تشبه الاستماع إلى الأغنية ذاتها، آلاف المرات حتى أملّها. أثرها لم يختف لكنّني اعتدته فقط. طريقتي هي بناء هالة من الجمود حولي.

هذا الوجع كسر الجمود، دفقت بوجهي الرواسب، وكسرتني. قد أواجهه يوماً ما خلال جلسة قهوة من دون أن أحرق يدي اليمنى. أما الآن، فأكتفي بألّا أنظر إليه أو أشعر به. ثمّة أوجاع لا تقبل المساومة، إن أردنا مصارحتها بالقول إنّه بعد زيارتها اكتشفنا مدى عمق اضطراباتنا، وإنّ كلّ ما نفعله الآن هو محاولة للشفاء، كي نكفّ عن إدارة ظهورنا للوجوه الجميلة التي تزورنا في الصباح. وإن سبب صمتنا في لحظات الحقيقة هو كوننا لم نتقن هذه اللغة، أنّنا لم نختبر أمراً مشابهاً من قبل. بهذا البوح علينا أن نكون قد تخلّصنا من كل ما سبق. أن نباشر مرحلة نعلم حتماً أنّها ستقلب كل شيء. قد لا تحدث المواجهة. لا أعلم، ربما ثمّة أوجاع تقف بطريقنا وترحل كي تبقى نقطة صغيرة تحركنا من الداخل من دون أن ترجع فتلتحم بنا.

أغفو إلى جانب سريرها على كرسي، لا ظهر له. في ليالي الأرق، أحضّر لها القهوة. أحدّثها لألهيها عن أوجاعها. كنت أعلم أنّها مريضة مع جهلي بطبيعة مرضها.

- "إنتِ بتعرفي شو بني؟".

- "لا".

- "معي سرطان".

- "يعني رح تموتي؟".

- "لا ما رح موت".

كان جوابها كافياً لأكرهها، ولأقاطع كلّ ما له صلة بها لأربع سنوات.

لا المحتضرون ولا الأحياء يهيئوننا لرحيلهم. لكنّي فهمت، أنّ القيام بفعل التخلي أصعب من مواجهته.

تخلّي مَن نحب عنّا بسبب الموت، أسهل من تخلّيهم عنا وهم أحياء. إنّها فكرة أنانية بالطبع. للموت حتميّة يفترض بنا تقبّلها. لكنّ إدراكنا أنّهم في مدينتنا بعيدون مسافة أحياء عنا، وأنّنا قد نلتقي بهم بالصدفة، أو أنّ بإمكاننا أن نهاتفهم، هنا كارثة الاحتمالات. يصير الحل الوحيد قتلهم عمداً. والانتقال للعيش في عوالم أشخاص جدد لا يشبهوننا بشيء، كوسيلة لمحاربة الوحدة. هذه العوالم كلفتني أظافري و35 سنتيمتراً من شعري.

ثمّة وحدة جميلة. كأن أشتري أربعة أنواع من الجبن، وقنينة نبيذ، وأشاهد ثلاثة أفلام لجولييت بينوش. ثمّة وحدة جماعية، الوحدة التي تأتي في الصباح أثناء التصاقي بجسد، أو حين استيقظت الشهر الماضي محمّلة شعري كل الأيادي التي مرت عليه. أيادٍ ثقيلة تذكّرني بفراغي، فحاولت قطعها.

منذ ذلك الحين لم تلمس شعري سوى يدٍ واحدة، يدٌ لا تدري أنّها جميلة، أخرجتني من دوامة اضطراباتي، علّمتني أن أشرب الكثير من الماء، وألّا أتحدّث بالسوء عن نفسي. تقول لي: "حين ترحلين حاولي أن تحبي أحداً". سبب بقائها الوحيد هو سفري. بعد 11 يوماً سينتهي كل شيء.

- "تعلمين أن رحيلك هروب؟".

- "أقلّه، هذه المرة أعلم".

- "ماذا ستفعلين هناك؟".

- "لا شيء. أنا ذاهبة كي لا أفعل شيئاً. ربما أتفرّغ لأتعلم كيف أبصق، هذه البصقة الجامدة التي تصيب هدفاً بعيداً من دون أن تتناثر على ملابسي، أو أن أصفّر بأصابعي لا بشفتي السفلى".

- "ستذهبين بمفردك؟".

يُضحكني هذا السؤال، مَن يستطيع أن يحيا بعد بيروت، سوف يحيا في أيّ مكان.

لنرى، السير بالمجاري كلّ شتاء، رائحة البول في منطقة الكولا، العودة بسيارات الأجرة شبه واعية، السقوط في مجرور، الجامعة اللبنانية، انقطاع الكهرباء. فواتير الكهرباء. انقطاع المياه وتسرّبها من السقف على رأسي. أزمة النفايات، عاصفة 2013 من دون أيّ وسيلة للتدفئة سوى الفودكا الرخيصة، الجوع لمدة أسبوعين. العمل في شركة والوقوف لمدة 17 ساعة في اليوم، زحمة السير، الأطفال في الشوارع، رجل عجوز يبيع المحارم وآخر يبكي بسبب ضبط سير، سالم غندور تحت جسر الكولا. الحب في بيروت. باستطاعتي أن أُكمل! رأيت وواجهت كلّ ألوان الذلّ في هذه المدينة. نعم، سوف أذهب بمفردي وسأكون بخير.

أجلس في حديقة مستشفى حمود. في يدي قطعة من جسد أخي، تمّ استئصالها بالأمس. لم أدخل وأخرج بعجلة متجنبة الشرفات كعادتي. أجلس مقابل تلك الشرفة بالتحديد. أواجه المشهد الأول. لن أخوض في كتابته الآن. أن نكتب عن شيء يعني أن نختمه. كلّ ما يتعلق بها لن يُختم. سأكتفي بمراقبته والتحديق فيه وحدي.

يقف أمامي رجل ميّزته من الوهلة الأولى، تستدير امرأة تحاذيه، أرى وجهها الجميل. وقد صار بعين واحدة. أدنو. ألقي عليها السلام.

7 سنوات مضت منذ ترجّلت من تلك الحافلة وفكرت: "حسناً هذه بيروت، الآن عليّ إيجاد منزل أهرب إليه".

استأجرت أول غرفة وجدتها، في أول مبنى دخلته في منطقة الكولا. بعد عشرة أشهر طردتني صاحبة المنزل، لأنّي تجرأت على فتح باب الصالون والجلوس بداخله. صاحبة المنزل، وعن غير قصد طبعاً، لعبت بذلك دوراً مفصليّاً في تغيّر مسار حياتي في بيروت.

تدخن الآن معي سيجارة في باحة المستشفى، وتراني كما رأتني دوماً بعين واحدة. تضع يدها المجعّدة على كتفي، قبل أن أرحل، وتسألني: "شو كان اسمك؟ ما عم بتذكّرك".

متعلقات
انشر عبر