على مدار الساعة
أخبار » آراء

الجبهة الشعبية بعد 49 عاماً على انطلاقتها؟ ما المطلوب منها؟

20 نيسان / ديسمبر 2016

على الرغم من الانتقادات الشعبية و النخبوية الجارفة و المحقة التي تتعرض لها، يبقى أهم ما يميز الجبهة الشعبية ليس وجودها بحد ذاته كرديف لقوى الثورة الفلسطينية و العربية، بل كمؤسس أساسي لمكونات الحالة النضالية الفلسطينية و العربية، فهي نظرياً  أول من دعا لها بعيد النكبة، و عملياً أول من أطلق الرصاص بُعيد النكبة كجهد منظم بسيط و ربما ساذج من قبل خلال خلايا حركة القوميين العرب التي أسسها الدكتور جورج حبش ورفاقه عام 1951 بعد ضياع سياسي و تشتت شهده الشعب الفلسطيني منذ النكبة في العام 1948.

فقد بدأت الحركة الفلسطينية الثورية المسلحة" ما سيعرف بالكفاح المسلح" بنضالات فردية شجاعة، و لكنها ساذجة و غير مجدية، كأن يتفق عدد من الشبان المتحمسين و يقوموا بعملية ضد العدو بلا أسلحة و ذخائر تذكر، فيعتقلهم النظام العربي، أو يقتلهم في الطريق نحو فلسطين، أو يصلون فيواجهون جنود العصابات النازية الصهيونية التي أصبح اسمها جيش الدفاع، المدجج بشتى صنوف الأسلحة الحديثة و المدعوم من العالم بأسره، فتتم مواجهة غير متكافئة ليسقطوا بعدها شهداء أو جرحى،

و على بطولة أعمالهم لكنهم كانوا يقومون بالنضال الساذج اللا مجدي، و أما الشعب الفلسطيني عموماً فمشغول بالخيام و المخيمات التي صنعها العالم له بعد أن شرد نصفه من وطنه، أو البكاء على هذا الوطن و لعن من كان السبب في ضياعه.

جرب جورج حبش الطالب في الجامعة الأميركية ببيروت و رفاقه من المناضلين و المثقفين القتال عام 1948، فهزموا، و بكوا بمرارة لما حل بفلسطين، و شهدوا تسليم النظام العربي الوليد لها،  و اتفاقه برمته على تسليمها للصهاينة،  كما خبروا خبث النازية البريطانية و دعم الانتداب المجرم للعصابات الصهيونية، و ظلم العالم بأسره، فكانت حركة القوميين العرب التي سعت لتحشيد الطاقات العربية من أجل النهوض القومي شعبياً و نخبوياً ،و ليس سلطوياً، فالسلطات كانت مشغولة ببناء كراسي الوهم على حساب تاريخ الحقيقة.

كانت حركة القوميين العرب التي ضمت نخبة من أهم المثقفين و المناضلين العرب حالة مهمة في تاريخ العرب الحديث، فهي إلى جانب جهودها النظرية و الفكرية المميزة سعت لتحرير الوطن العربي من "الاستعمار و الرجعية و التخلف "، و اعتبرت فلسطين مركز الصراع، إلا أن ظروف التجربة و الحالة النخبوية السائدة في ثناياها، و كارثة النكبة الثانية في العام 1967 دفعتها لتحديد البوصلة باتجاه العدو الأول المتعاظمة قوته، فأطلقت من رحمها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم ذابت فيها.

أصبحت الجبهة الشعبية سريعاً بالمعنى النضالي أقرب للمواطن العادي، و طرحت علاقة مميزة مع الجماهير" كل الحقيقة للجماهير" الذي لا زال شعار الهدف، فركزت عملها على الكفاح المسلح البطولي النادر، بفكر يساري قومي منفتح و راديكالي في آن معاً، و قوة إرادة و تصميم، و استفادت من تجربتها و أخطائها التنظيمية العفوية السابقة ، و ضمت خيرة المثقفين و المناضلين و الثوار ، مما نبه العالم لخطورتها فكافح وجودها النظام العربي بمختلف عناوينه، و اعتبر فكرها مقوضاً لأسس بقائه، فكانت الانشقاقات التي حملت عناوين خلافية داخلية، و لم يتم استيعاب الحالة الجبهوية العريضة التي قامت على أساسها، كما لعبت الخلافات القيادية الشخصية دوراً سيئا في هذا الشأن لتُنتج عدة انشقاقات في جسد الجبهة التي تناضل براديكالية واضحة ضد العدو الصهيوني و الأميركي و الرسمي العربي.

بعد 49 عاماً لن تجد فلسطينياً على المستوى الشعبي و النخبوي لا ينتقد الجبهة الشعبية لما يسمونه بضعفها الحالي و انحسار دورها، أو مشابهتها للبقية، و هو انتقاد نابع من احترام عميق و حسرة لما آلت إليه أمورها و أمور الفلسطينيين و العرب.

صحيح أن الجبهة الشعبية حوربت منذ بدايتها، و على مدى قرابة نصف قرن واجهت بشجاعة و تصميم كل الضغوط، لكنها بقيت متمسكة بكل الثوابت، و خاضت رحلة عذاب هي ذاتها ما أدت للاحترام الكبير الذي تتمتع به من قبل الشعب الفلسطيني و الأمة العربية و أحرار العالم، ليس لأنها قامت بعمليات بطولية في فلسطين، و لا بفعل التميز بتفجير الطائرات و العمليات الشجاعة، و لا بسبب شخصية  جورج حبش و وديع حدادة و كنفاني و غيرهم فحسب، بل بقدر ما لمسه الجميع من ارتقاء أخلاقي أولاً، حتى أن البعض سماها "الجبهة الشعبية لتحرير الأخلاق".

اليوم، حال الجبهة الشعبية و معها كافة الفصائل العلمانية لا يسر صديقاً و يفرح كل عدو، و ذلك بفعل عوامل عدة آخرها الدعم و المصادر المالية و الظروف العامة، و أولها بطء التجديد النظري و الحزبي و الكادري، و الديناميكية التي صنعت منها حالة التميز و الريادة، هذا التجديد الذي تملك كل عوامل القدرة لتحقيقه بدءاً من ضبط خطابها و إيضاحه أكثر في مختلف المجالات و الذي ينتج ما يعرف بالمواقف المعلنة، كالعلاقة بالسلطة و المنظمة و الأنظمة و ما يجري في المنطقة حاليا، و مستقبل الصراع مع الصهيونية، و كيفية استمرار تفعيل القوة الكامنة في الشعب الفلسطيني، و إعادة نسج العلاقة مع الجماهير بمفهوم حداثوي لا خطابي، و هي قادرة على ذلك فالشعب الفلسطيني و أحرار العرب و العالم لم ينسوا تميزها النضالي على مدى نصف قرن خلا، و لم ينس جورج حبش و و ديع حداد و أبا علي مصطفى و كنفاني و أمينها العام الحالي الأسير الشجاع أحمد سعدات و  العشرات من الشخصيات الشهيدة و الحية التي لمس فيها البسطاء و العظماء كل عظمة و احترام و تقدير، و هو يحترم كل احترام قيادتها الحالية، و ينتظر منها الخروج من حالة السكونية و اللا تقدم التي تعانيها، مع إقرار الفلسطينيين جميعهم بأنها لا يُنتظر منها تقديم الخدمات أو الرشى، أو منح المميزات و الهبات كحال بعض الفصائل الأخرى.

من الجدير ملاحظته أن الفلسطينيين العاديين و هم الأكثر احتراما للشعبية، يدركون تماما أن قوتين فلسطينيين أخريين قادرتان على تقديم المعونات الكبيرة ، لكنهم ينتظرون من الشعبية تحديداً و بالتسمية تقديم معونة أخرى ، سياسية و نضالية، نظرية و عملية تعيد لها تميزها في الحركة الوطنية، فهل ستكون الشعبية فاعلة لذلك؟

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

وليد عبد الرحيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر