Menu
حضارة

عملية الجولان: ماذا يعني كسر القواعد؟

جيش الاحتلال في الجولان

ابراهيم أمين

"المشكلة ليست في المحاولة، بل في القرار الذي يعني أننا أمام برنامج شامل. وإذا نجحنا هذه المرة، فقد لا ننجح في المرات المقبلة".

هذه العبارات، لطالما استخدمها ضباط العدو من الجيش والاستخبارات، في معرض التعليق على برامج قوى المقاومة في لبنان وفلسطين. والآن جاء دور سوريا. وما نشر، أمس، من تعليقات على عملية الجولان، يعيدنا إلى العبارات ذاتها وإلى المربع نفسه.

يوم هاجم العدو سيارات تقل مقاومين من حزب الله قرب المناطق المحتلة في سوريا، قال وزير الحرب موشي يعلون إن العملية أفشلت مخططاً لحزب الله في المنطقة. طبعاً، هو يدرك أن الشهداء يومها لم يكونوا في طريقهم إلى تنفيذ عملية عسكرية أو أمنية. لكن ما يعرفه يعلون، ومن يهمهم الأمر، هو أن فكرة اقتراب مقاومي حزب الله من الجولان المحتل تعني أموراً كثيرة. ومهما بلغ صراخ جماعة العدو من المسلحين السوريين أو آخرين من المعارضين السوريين الذين لا يرون في قتال العدو أولوية، فإن أصل اهتمام حزب الله بمناطق الجنوب السوري يتعلق بالجبهة مع العدو، من دون أن نتجاهل حقيقة أن حزب الله منخرط، علناً وجدياً، في معركة الدفاع عن الدولة السورية والحكم القائم فيها.

لكن ما يسبب مشكلة لإسرائيل، كما لأنصارها من المسلحين السوريين، هو حقيقة أن حزب الله يعرف ما الذي يحقق النتيجة الأفضل. وبمعزل عن علاقته بمجموعة الأبطال الذين استشهدوا أول من أمس، فإن ما يقلق العدو ويريح المقاومة، هو أن من يقومون بالعمل العسكري المباشر، هم أبناء الأرض، هم السوريون من أبناء تلك المنطقة، سواء التي تحتلها إسرائيل أو التي تحتلها بواسطة عملائها من المسلحين.

غداً، ستكون هناك نتائج أكيدة لتحقيقات هدفها معرفة الخلل الذي أدى إلى اكتشاف الخلية، وما إذا كان مصدر الخطأ تسرباً معلوماتياً أو خللاً ميدانياً أو آلية رقابة إسرائيلية خاصة، أو هي عيون العملاء. وهذه النتائج ستمثل، بالنسبة إلى من يقود هذا العمل، درساً يستفاد منه في مواجهة التحديات المقبلة، وسيلزم رفاق الشهداء بدرجة أعلى من الحرفية والدقة.

أكثر من ذلك. حتى لو خرج من يقول إن هذه المحاولة كانت عملاً فردياً، ناجماً عن حماسة أو خلافه، فإن ما حصل يمثل الإشارة الأقوى إلى ما يهم المقاومة وإلى ما يرعب العدو، وهو أن شباناً من أبناء هذه المنطقة، يظهرون استعداداً عملانياً للقيام بأخطر المهمات في مواجهة قوات الاحتلال. وهم يتحدّون، ليس فقط حالة الخمول التي سادت هذه الجبهة لعقود خلت، بل يعطون الإشارة إلى أن كل أنواع القمع والتطبيع التي جرت في الجولان أو من حوله، لم تخمد جذوة المقاومة عند الناس. كذلك يعطون الإشارة إلى أن قيام عملاء سوريين بحماية قوات الاحتلال لن ينفع في منع وصول المقاومين إلى حيث يجب. ويعطون الدليل على أن كل الإجراءات الأمنية والعسكرية الجديدة التي قام بها العدو في تلك المنطقة، لم تنفع لمنع وصول مقاومين إلى النقاط الأقرب حيث تتحرك قوات الاحتلال. وهذا وحده ما يفسر قلق العدو وقوله: العملية الجديدة آتية!

في الجانب الآخر، هناك عنصر قلق إضافي عند العدو. وهو يتعلق بأن من يقف قبالته يقيس خطواته، ليس ربطاً فقط بما يجري على الأرض من مواجهات مع المسلحين السوريين. وهذا وحده كافٍ للقول إن العدو يعي أولاً، وقبل غيره، أن المقاومة ــ رغم انشغالها في معارك الداخل السوري، ورغم حاجة هذه المعارك إلى العديد والعتاد ــ فإن ذلك لا يشغلها عن مهمة إيلام، وهي مهمة لها من يتولاها، من دون أن يكون أمره مرتبطاً بالجبهات الأخرى. وهؤلاء لديهم الوقت الكافي لإجراء الاستطلاع وإعداد المجموعات والتدريب واختيار الأهداف وتنفيذ المهمات. وهذا وحده يمثل الرد الأكبر والأقوى على من يوهم نفسه بأن المقاومة ضلت طريقها.

ماذا عن التداعيات؟

ما جرى ويجري هو جزء من سياق طويل. كان له محطة يوم اغتال العدو شهداء القنيطرة، وما تلاه من رد عملاني من جانب المقاومة في مزارع شبعا المحتلة، وما جاء كرد سياسي على لسان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. وهو ما يتعلق بجبهة جديدة فتحت، ليس في وجه إسرائيل، بل أمام المقاومة التي صار بمقدورها القيام بأمور أكبر لحماية نفسها، وتعزيز قدراتها، وتوسيع هامش عملها، وتحقيق الإصابات الأكثر إيلاماً في جسد العدو.

وإذا كان العدو مهتماً بالتعايش مع هذا الواقع، فهو يهتم أكثر بمحاولة فرض قواعد لعبة في تلك المنطقة. والجديد أنه لا يملك يقيناً عن الخطوات المقابلة من جانب المقاومة. وهذا الفشل في بناء تقدير متكامل، من شأنه أن يدفعه إلى ارتكاب حماقات وأخطاء، ما يتيح للمقاومة ليس إيقاعه في فخ هنا أو كمين هناك، بل في عدم ترك زمام المبادرة في هذه الجبهة بيده وحده... وهذا هو بيت القصيد!