على مدار الساعة
أخبار » منشورات

قوى اليسار الفلسطيني ومعضلاتها!

31 نيسان / ديسمبر 2016
اليسار
اليسار

"إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية. حرٌّ وعبد، نبيلٌ وعامي، بارونٌ وقن، معلمٌ وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون في تعارض دائم، خاضوا حربا متواصلة، تارةً معلنة وطوراً مستترة، حرباً كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، أو إما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين" (كارل ماركس).

· تقديم

أن تعتقد أي قوة سياسية أنها خارج نطاق الأزمات، هذا بحد ذاته تعبير عن أزمة معرفية ومنهجية حقيقية على صعيد وعيها لذاتها ودورها.

هذه القراءة أو المقاربة موجهة وبشكل رئيسي: للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حزب الشعب الفلسطيني والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، ومع ذلك فأن ما تحمله من نقد وملاحظات منهجية قد تنطبق أيضا على كثير من قوى اليسار العربي.

بطبيعة الحال لا أنطلق في هذه القراءة من باب تسجيل النقد لمجرد النقد، أو من منطلق تصفية الحساب أو اليأس من الحالة، بل أنطلق من أرضية الاحترام العميق والوفاء للتجربة، فالدافع الحاسم هو أن تتجاوز قوى اليسار الفلسطيني معضلاتها لكي تلعب دورها التاريخي بما يليق بتضحياتها وأهدافها النبيلة... بل وأكثر من ذلك إنها تأتي أيضا في سياق الوفاء حتى لتاريخي الشخصي، ذلك لأنني قضيت الجزء الأكبر من عمري في تلك التجربة بسياقاتها وميادينها المختلفة.. فهناك انبنت تجربتي ونضج وعيي وتعمقت وانصقلت معارفي وتكونت هويتي الثقافية، فبدون تلك التجربة، بما لها وما عليها، لما كنت أنا أنا.

كما يجدر التنويه ومن البداية إلى أن هذه القراءة ما هي إلا مجرد محاولة للوقوف أمام بعض معضلات قوى اليسار الفلسطيني وفق رؤيتي وتجربتي، بهذا المعنى فهي لا تدعي الكمال والشمولية بتاتا، فهي قابلة للنقد والإغناء وحتى النفي، ومع ذلك وفي كل الأحوال سيكفيها شرفا أن تثير النقاش وتفتح الأبواب والنوافذ للحوار واستفزاز الأسئلة والأفكار.

لقد اعتمدت في مقاربتي هذه منهجية مناقشة إشكاليات قوى اليسار الفلسطيني بشكل عام وليس بشكل تنظيمي محدد، هذا بطبيعة الحال يعني أن هناك خصوصيات تتعلق بكل قوة من تلك القوى من حيث التاريخ ومدى التأثير والتمايز والدور.. ولكنها ليست الآن هي موضوع هذه المقاربة، حيث يمكن لاحقا الاستفادة من هذه القراءة من أجل الذهاب إلى تلك الخصوصيات بصورة أكثر تحديدا وملموسية.

موضوع قوى اليسار الفلسطيني ليست شأنا تنظيميا خاصا، بل هي مسألة وطنية بامتياز، ذلك لأن حالة الضعف التي تعاني منها تلك القوى، وإن بتفاوت نسبي من تنظيم لآخر، تنعكس على مجمل واقع وأداء الحركة الوطنية الفلسطينية، كما تؤشر إلى اختلال عميق في التوازن الذي يجب أن يحكم واقع تلك الحركة بحيث لا تصبح قضية الشعب الفلسطيني بكل أبعادها ودلالاتها وأهميتها تحت رحمة هيمنة قوى سياسية معينة.

وبالرغم من أية ملاحظات أو نقد يطال واقع قوى اليسار الفلسطيني ودورها ومقارباتها في المرحلة الراهنة، إلا أن هناك حقيقة يجب تأكيدها بكل وضوح، وهي أن تلك القوى شكلت عبر تاريخ النضال الوطني الفلسطيني المعاصر رافعة وطنية واجتماعية وثقافية رئيسية، كما أنها قدمت تضحيات هائلة من الشهداء والأسرى والجرحى، وقدمت للنضال الفلسطيني والقومي قادة ومثقفين ومقاومين من طراز رفيع.

لهذا فإن الوقوف أمام واقع ودور قوى اليسار الفلسطيني ليس ترفا، بل هو ضرورة وطنية تمليها التحديات والصعوبات والمخاطر التي تواجهها القضية الفلسطينية ونضالات الشعب الفلسطيني، ذلك لأن الدور السياسي والاجتماعي والثقافي والنضالي لتلك القوى هو دور وتعبير موضوعي تفرضه وتستدعيه مكونات وبنى الشعب الفلسطيني السياسية والاجتماعية الطبقية، بمعنى أن تلك القوى لو لم توجد لسعى الواقع الاجتماعي والسياسي إلى خلقها بالضرورة، ذلك لأن التنوع الاجتماعي والطبقي في المجتمع الفلسطيني، بما يعنيه ذلك من تناقض وتشابك في المصالح يستدعي تعبيرات سياسية وفكرية تعكس هذا التنوع وتلك التناقضات الموضوعية.

· المعضلة أو الإشكالية

تعتمد هذه القراءة في مقارباتها لتناقضات الواقع السياسي والاجتماعي الفلسطيني وفي السياق دور قوى اليسار الفلسطيني على المنهج الجدلي الماركسي بشكل عام وملاحظات ونقد غرامشي الصارم والعميق لأداء القوى السياسية اليسارية بشكل خاص.

وقد استندت في قراءتي لواقع ومعضلات تلك القوى إلى متابعتي لمواقفها وأدائها في المحطات المختلفة، وأيضا ما تنشره من وثائق أو عبر حضورها في وسائل الإعلام أو عبر الندوات والنقاشات المباشرة...

يشهد الواقع الفلسطيني أزمة عميقة على مختلف الأصعدة؛ يمكن وصفها بالانحباس الاستراتيجي لحركة التحرر الوطني الفلسطيني، دون أن يعني ذلك غياب حالة العناد الشعبي التي يعبر عنها الشعب الفلسطيني على شكل انفجارات انتفاضية ومبادرات مقاومة تأتي في سياق الحالة الطبيعية التي تنتجها معادلة المواجهة ما بين شعب يقاوم الاحتلال بالفطرة.

تتجلى المعضلة الاستراتيجية لحركة التحرر الوطني الفلسطيني عموما وقوى اليسار الفلسطيني على وجه الخصوص في عجزها حتى اللحظة عن توفير شروط التحرر والاستقلال لإنهاء الاحتلال الكولونيالي واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والقومية... ليس هذا فحسب بل وذهاب التناقضات الداخلية نحو مشهد غير مسبوق من الانقسام والتشرذم؛ الانقسام على المستوى الوطني العام من جانب، والتشرذم على مستوى قوى اليسار الفلسطيني نفسها من جانب آخر، فيما يواصل الاحتلال الكولونيالي سياساته ومشاريعه بمزيد من الاجراءات وفرض الوقائع التي تجعل منه احتلالا مديدا... يشمل ذلك استمرار الحصار على قطاع غزة؛ اخفاق استراتيجية التفاوض وتقديم التنازلات فلسطينيا، وبالتالي فشل ما يسمى "عملية السلام" في سياق رفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها حق العودة، واستمرار سياسة الاستيطان بصورة متواصلة وخاصة في القدس المحتلة المحاصرة؛ نهب وسرقة الثروات الفلسطينية الطبيعية مثل الأرض والمياه والآثار والتراث، الاعتداءات والحروب المتواصلة ضد الشعب الفلسطيني؛ بقاء ما يقارب 7 مليون لاجئ فلسطيني مشردين في المخيمات المنتشرة في داخل فلسطين وفي الدول العربية المحيطة.

أما على الصعيد الاقتصادي الاجتماعي فتبدو الصورة أكثر قتامة وضراوة وذلك بسبب طبيعة التحديات البنيوية التي يفرضها الاحتلال على المجتمع الفلسطيني من جانب، وبحكم البنى السياسية والطبقية المهيمنة في هذا المجتمع من جانب آخر. وهكذا لم يعد يملك الاقتصاد الفلسطيني القدرة على المنافسة بسبب الهيمنة الاقتصادية من قبل الاحتلال، وبسبب السياسات الاقتصادية الحكومية التي تعتمد على التمويل الخارجي بكل اشتراطاته المهينة... وبما أن الأزمة الاقتصادية العالمية في الدول المتطورة ترتد على شكل أزمة طاحنة في الاقتصادات الضعيفة والهشة والتابعة، فإن الأمر يصبح كارثيا في الحالة الفلسطينية بسبب الاعتماد الكبير على التمويل الأجنبي بكل اشتراطاته السياسية والاجتماعية في سياق الخضوع والتبعية الاقتصادية التي يفرضها الاحتلال الكولونيالي الإسرائيلي بقوته الاقتصادية والعسكرية.

التبعية والخضوع للشروط الخارجية لا يقف تأثيرهما على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بل يمتد ليتحول إلى أداة ابتزاز سياسي يضرب في عمق الأهداف الوطنية الفلسطينية التحررية. حيث تتجه الطبقات المهيمنة إلى استخدام آليات السوق في المجتمعات الضعيفة للتعويض عن طريق منظومات الفساد وسرقة الرأسمال العام،والسمسرة والصفقات المشبوهة... وذلك بهدف الاستيلاء على أكبر حصة من الناتج القومي، وفي مواجهة ذلك تلجأ "الدولة/السلطة" للتعويض عن هذه الاختلالات البنيوية إلى رفع الدعم وزيادة الضرائب بما يضع المواطن بين شقي رحى القطاع الخاص المتوحش، وخاصة حين تصبح السلطة أداة في يد القطاع الخاص والتمويل الأجنبي واشتراطاته... ولتحقيق هذه الهيمنة الطبقية يجري التحالف أو التقاطع ما بين رأس المال والسلطة السياسية والإعلام لكي يتم إحكام القبضة على ردود الفعل الاجتماعية وضبطها بحيث لا تتحول لحركة جذرية للتغيير.

هذا الواقع بأبعاده المختلفة بقدر ما يشير إلى أزمة فلسطينية عامة، إلا أنه في ذات الوقت يضع قوى اليسار الفلسطيني أمام أزمة أكثر عمقا بحيث تضع علامة سؤال جدية على برامج أو مشروع اليسار الفلسطيني السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والكفاحي ذاته، وقدرة ذلك البرنامج على إقناع الشعب الفلسطيني بقيمته وجدواه كبرنامج يجيب على أسئلة الناس ويلبي مطالبهم، بما يوفر التوازن والتناغم بين مهام التحرر الوطني وانهاء الاحتلال وتحقيق طموحات الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال ومهام البناء الاجتماعي وتلبية حقوق واحتياجات المجتمع الفلسطيني الاقتصادية والاجتماعية، ف" في الحياة العملية، لا يمكن للمرء أن يطلب من الآخرين الحماس والتضحية .. إلخ دون مقابل" (أنطونيو غرامشي - كراسات السجن، ص 103 –– دارالمستقبل العربي – القاهرة – 1994)، هنا التحدي.. وهنا يتقرر النجاح والفشل.

فهل يملك اليسار الفلسطيني اليوم برنامجا مقنعا وعمليا وعلميا..؟ أم أنه لا يزال يتحرك وفق البرامج التي صاغها قبل عقود؟.

بالمعنى الموضوعي والتاريخي الفرصة قائمة وناضجة لكي تلعب قوى اليسار الفلسطيني دورا رئيسيا، أو على الأقل لتصبح لاعبا فاعلا ومؤثرا لا يمكن تجاوزه، حيث:

· سياسات الاحتلال الإسرائيلي القمعية والعنصرية ضد الشعب الفلسطيني سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا... وما يرافقها من سياسيات وممارسات تستهدف تصفية الحقوق الوطنية الفلسطينية.

· حالة الانقسام الفلسطيني وما يرافقها من عملية استقطاب سياسيي واجتماعي بين حركتي فتح وحماس، وما ترتب على هذا الانقسام من ضرب لمفهوم الوحدة الوطنية الفلسطينية سياسيا واجتماعيا وجغرافيا، وأيضا تعطيل مؤسسات الشعب الفلسطيني سواء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية أو مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية... إلى جانب تهميش المنظمات والاتحادات الشعبية الفلسطينية.

· الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعاني منه المجتمع الفلسطيني، حيث البطالة وخاصة بين الشباب، وإثقال كاهل المواطن الفلسطيني بالقروض، والارتفاع العالي في تكاليف المعيشة، والتراجع المريع في قطاع الزراعة، وربط قوة العمل الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، واستمرار حصار غزة بكل ما يترتب على ذلك من نتائج اقتصادية واجتماعية مخيفة.

· التحولات في الواقع العربي وما تعبر عنه من إزاحات في موازين القوى إقليميا وعالميا.. وخاصة ما يجري في سورية واليمن والعراق وليبيا ومصر... وعجز القوى الإستعمارية الغربية والقوى الرجعية العربية عن فرض أجنداتها، رغم كل الدمار والدماء والتضحيات الكبرى، مع سقوط سياسة القطب الواحد والعودة الفاعلة لروسيا والصين بالإضافة إلى ظهور إيران كقوة إقليمية حاسمة، وأيضا تشكل مؤسسات اقتصادية دولية تمهد لكسر هيمنة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مثل منظمة دول بريكس، وشنغهاي وغيرهما... كل هذا يوفر مساحة منطقية لحركة اليسار الفلسطيني لاستثمار هذه التحولات.

· وصول التناقض الثقافي الفكري مع قوى التخلف والرجعية والتطرف الديني إلى مستوى هائل.. مما يمهد لحالة من النهوض الثقافي بما يتجاوز "الثقافة" التي ترتبت على حقبة النفط الخليجي في مختلف حقول الثقافة العربية.

· تصاعد التناقض بين رأس المال والعمل إن جاز التعبير على المستوى الكوني مما يعبر عن أزمة الرأسمالية البنيوية التي ألقت بثقلها على الطبقات الوسطى في البلدان الصناعية المتطورة والطبقات والشرائح المنتجة ... وحالة الارتداد نحو اليمين مما يؤشر لاستفحال التناقضات الاجتماعية، بالإضافة إلى تعمق التناقضات في داخل الاتحاد الأوروبي وخروج بريطانيا، والوضع الاقتصادي الكارثي في اليونان.

لكن وبالرغم من هذه الحقائق إلا أن الواقع يشير إلى إشكالية أو معضلات عميقة في قراءة قوى اليسار الفلسطيني ووعيها للظواهر الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع ... فرغم المحاولات (النبيلة) التي تستهدف طرح بعض التصورات والأفكار لفهم ومواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسلوكية والأخلاقية البنيوية، غير أن تلك المحاولات سرعان ما تسقط في الخطاب المجرد أو تذهب للعموميات... وكأن المشكلة يمكن تجاوزها بالخطاب.

هذه الواقع يعكس معضلات فلسفية واجتماعية على مستوى تعامل اليسار الفلسطيني مع الأسئلة والمهام الوطنية والاجتماعية، ذلك لأن تشكل الظواهر، بما في ذلك نشوء الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يأتي في سياقات سياسية واقتصادية واجتماعية موضوعية.. وبالتالي فإن مواجهتها تستدعي بالضرورة النضال من أجل العمل لتأسيس سياقات وبنى بديلة.

من هنا يبدأ النقاش... بمعنى هل قوى اليسار الفلسطيني تطرح برامجها واستراتيجات عملها بناء على قراءة وتحليل علمي تاريخي - سياسي - اجتماعي طبقي للتناقضات والتحولات الداخلية والخارجية التي يواجهها المجتمع الفلسطيني.. أم لا؟.

· قوى اليسار وسياسة "حرب المواقع" والتجاوز الجدلي:

ما يقوله الواقع وتقوله التجربة هو أن التصدي لتلك الأزمات يجري في الغالب بصورة عاطفية وأحيانا بصورة عشوائية أو ارتجالية، وفي الغالب وفق استراتيجية رد الفعل وليس وفق رد الفعل الاستراتيجي، وكأن التناقضات السياسية - الاجتماعية هي مجرد سوء فهم وليست تعبيرا عن تناقضات عميقة بين مصالح طبقات متصارعة.

فعلى الصعيد السياسي يبدو اليسار الفلسطيني في حالة عجز ومراوحة لا تتناسب مع دوره وتاريخه وتضحياته.. كما لا تتناسب مع ما يفترض أنه وجد من أجل حله والتعامل معه من مشكلات وتناقضات سياسية واجتماعية وثقافية، مما وضع الحالة السياسية الفلسطينية تحت رحمة التناقض والتوازن بين حركتي فتح وحماس كقوى مهيمنة.

بل لقد جرى استنزاف سياسي مروع للحقوق الوطنية الفلسطينية، ومع ذلك لم يتمكن اليسار الفلسطيني من وقف هذا التبديد وهذا الاستنزاف.. كل ما في الأمر أنه يمارس النقد ويعلن الغضب تجاه الممارسة السياسية التي تعتمدها القوتين المهيمنتين، دون تقديم برنامج عملي واضح بمقدوره أن يجذب الشارع الفلسطيني ويقوده للتصدي لتلك السياسات.

هذه الديناميات لم تتشكل صدفة، بل إنها تقع في صلب المشروع المعادي الذي اشتغل وفق استراتيجية طويلة المدى لإعادة هيكلة البنى الاجتماعية والسياسية الفلسطينية، وبالتالي خلق شرائح وفئات اجتماعية مرتبطة مصلحيا بمشاريع الاحتلال.

هذا الواقع الشديد التأثير ينعكس على شكل احباط اجتماعي ونفسي وأخلاقي يعصف بالمجتمع الفلسطيني ووحدته وتماسكه...

البديل الوطني الثوري لهذا الواقع يعني النضال الشامل لقيادة الطبقات الشعبية الفلسطينية في كافة أماكن تواجدها والتعبير عن مصالحها الوطنية والاجتماعية، ف"الحزب الثوري لا يمثل فقط الحاجات المباشرة للأشخاص الذين تتألف منهم الطبقة التي يمثلها، بل عليه أن يمثل الحركة الثورية ككل، باعتبارها تطورا تاريخيا متكاملا. كما يمثل الحاجات المستقبلية، أي أنه مرة أخرى لا يمثل حاجات أفراد بعينهم، بل كل الجماعات (الطبقات) الوطنية، التي يجب أن تستوعبها الطبقة الاجتماعية الأساسية القائمة (غرامشي– ص 94).

هذا هو جوهر دور اليسار الاجتماعي والسياسي والثقافي، هذا الدور لا يتحقق بمواقف وممارسة واستراتيجية تقوم على التردد والتشتت والالتباس والاكتفاء بالنقد والمعارضة الخطابية للقوتين الأساسيتين في الساحة الفلسطينية، أي حركتي فتح وحماس، ذلك أن دور قوى اليسار الفعلي يتجاوز النقد نحو تأسيس البديل، وعلى مختلف المستويات... ثقافيا وتنظيميا وعمليا.. أي بمعنى قيادة المواجهة السياسية والاجتماعية.

غير أن ما نلاحظه في واقع وفي ممارسة قوى اليسار الفلسطيني يتقاطع كثيرا مع ما ذهب إليه غرامشي حين قال "أحيانا يكون اختلاف الكثيرين من أعضاء القوى السياسية هو اختلاف في "الطباع" أكثر منه اختلاف في الطبيعة السياسية العضوية... أحيانا تصبح كلمة يساري تعني السياسي النشيط، المصمم، المتعصب، الذي يؤمن بالمزايا السحرية لأفكاره أيا كانت، وهذا يؤكد على العناصر الناشئة عن كراهية المنافسين والأعداء، أكثر مما يؤكد على ما هو بناء ناشئ عن تبني مصالح الجماهير الشعبية، ويؤكد على العنصر الانعزالي المتمثل في الشلة والجماعة الصغيرة والفردية المتطرفة أكثر مما يؤكد على العنصر السياسي القومي(...) أحيانا تكون سياسات اليسار استمرارا لسياسات اليمين ولكن بكوادر ولغة يسارية". (غرامشي ص 84 - 86).

المقصود بهذا القول أن الخطاب اليساري بمعناه المجرد والعام لا يحل المشكلة، ما يحتاجه الواقع قوى سياسية يمثل برنامجها وسلوكها مصالح الطبقات الوطنية جميعها، وأن تكون مستعدة وتملك شروط النضال الميداني والمباشر لقيادة الطبقات الشعبية الوطنية فعليا وليس لفظا.

بمعنى أن الحزب أو التنظيم يتأسس لتحقيق سياسة ورؤية وطنية وليس من أجل ممارسة السياسة لخدمة مؤسسة الحزب وفقا لتعبير لينين.

أما رهان اليسار على إجراء التغيير من خلال الرهان على تغيير طبيعة القوى الطبقية المهيمنة فإنه يعبر عن قصور نظري وسياسي منهجي.. فإذا كانت تلك القوى قادرة على تلبية مشروع قوى اليسار السياسي والاجتماعي.. فحينها لن يكون هناك ضرورة لذلك اليسار.

إذن المطلوب خطوة استراتيجية حاسمة لتجاوز هذه المعضلة وحالة الانحباس والانتظار التي تعيشها قوى اليسار الفلسطيني.

غير أن هذه الخطوة تستدعي مغادرة قوى اليسار الفلسطيني حالة "حرب المواقع الثابتة أو الثورة السلبية إلى حرب الحركة" وفق تعبير غرامشي، وهذا لن يتحقق إلا بامتلاك قوى اليسار الفلسطيني لشروط "التجاوز الجدلي" للواقع القائم، يشرح غرامشي هذه الفكرة كما يلي: -

- لا يندثر أي تكوين اجتماعي طالما قوى الانتاج التي نمت داخله، لا تزال تجد متسعا لحركتها.

- المجتمع لا يطرح على نفسه مهاما لم تتهيأ بعد الشروط الموضوعية لحلها.

في الثورات السلبية تحل الدولة محل الطبقات الاجتماعية المحلية في قيادة النضال من أجل التجديد. إنها إحدى الحالات التي يكون فيها لهذه الطبقات وظيفة السيطرة دون وظيفة القيادة، أي أننا لسنا أمام طبقة اجتماعية "تقود" طبقات أخرى، وإنما بصدد دولة "تقود" الطبقة التي من المفترض أن تكون هي الطبقة القائدة، أي حين يلقي طرفي التناقض بكل ما يملكان من موارد سياسية وأخلاقية في الصراع. هذا هو السبيل الوحيد للتجاوز الجدلي الحقيقي للخصم، لكي يحقق الحزب هدفه عليه أن ينجح في استيعاب جزء من نقيضه، وذلك كي لا يسمح له بتجاوزه في التناقض الجدلي. أي بانتقال النضال السياسي من حرب المواقع الثابتة إلى حرب الحركة... فإذا لم يكن التدخل الشعبي المباشر والفوري الذي يأخذ شكل الانتفاضة ممكنا، فيمكن أن يحدث التدخل شكلا انتشاريا شعيريا أي صورة الضغط غير المباشر، فالتدخل المباشر سيكون مستحيلا إذا لم يسبقه إعداد طويل، أيديولوجي وسياسي، لإيقاظ المشاعر الشعبية والمساعدة على تجميعها وبلورتها والوصول بها إلى نقطة التفجير" (غرامشي – ص ص 116، 117، 119).

بمعنى أن قوى اليسار الفلسطيني ولكي تتجاوز الواقع عليها أن تلقي بثقلها لقيادة القوى الاجتماعية، وهذا لن يتحقق من خلال الإكتفاء بنقد برنامج القوى النقيضة، دور اليسار يتحقق بالأساس من خلال النجاح في اقناع الطبقات الاجتماعية بجدوى برنامج اليسار ذاته، وقدرته على قيادتها فعليا، غير أن تحقيق هذا التجاوز يتطلب بنى تنظيمية مناسبة وقادرة على خوض المواجهات السياسية والاجتماعية، وقادرة على قيادة الطبقات الشعبية ثقافيا وعمليا.

الإشكالية هنا أن قوى اليسار الفلسطيني تبدو محكومة بخطاب عام يبرر دائما حالة عدم المبادرة بالتركيز على التناقض الرئيسي مع الاحتلال، هذا بالمعنى السياسي الاستراتيجي صحيح، لكنه لا يعني الصمت والمساومة وعدم المبادرة على صعيد الصراع الطبقي، أو الاكتفاء بالتقديس التقليدي للعامل، دون ملاحظة التغيرات البنيوية التي جرت على صعيد ثقافة العمل التي تفرضها حالة الاشتباك والتبعية مع الاقتصاد الإسرائيلي والتمويل السياسي والعولمة والتكنولوجيا وثورة التواصل الاجتماعي.

الاخفاق في وعي التحولات يقود إلى ممارسة سياسية وثقافية تتسم بالهروب والتبرير و"المسكنات السياسية".

ومن أخطر مظاهر الأزمة على هذا الصعيد دخول قوى اليسار بوعي أو بدونه في عملية تكيف تشبه "التكيف الدارويني" وفق تعبير الكاتب البريطاني جون هاريس، (نسبة إلى تشارلز داروين صاحب كتاب "أصل الأنواع")، أي كالنباتات الصحراوية التي تقوم بتكييف ذاتها بناء على واقع الظروف الصحراوية والجفاف، إنها لا تعمل على تغيير تلك الظروف المجافية، كما لا تعمل من أجل مغادرة الصحراء، إن كل ما تقوم به هو التكيف معها لا أكثر... أو كالحرباء التي تغير من لون جلدها لكي تتماهى مع البيئة المحيطة بها، إنها تقوم بتغيير ذاتها وليس تغيير البيئة، هذا لا يعني ان مهارة التكيف هي أمر سلبي دائما، فهو قد يكون الخيار الوحيد أمام تلك الكائنات، أو في مرحلة وظروف محددة، ولكن حين يتعلق الأمر بالقوى السياسية اليسارية، فممارسة التكيف مع الواقع ببناه السياسية والطبقية المهيمنة في محاولة للتغطية على ضعفها وعجزها أو إخفاقها يجعل من تلك الممارسة ثقافيا وسلوكيا وسياسيا أشبه بنمط وجود وسلوك وحياة دائمة، في هذه الحالة يصبح التكيف يعتبر بمثابة سير نحو الموت أو الغيبوبة.

ذلك لأن هذه الحالة تتناقض جذريا مع الدور والوظيفة والمهام التي تأسست قوى اليسار من أجل القيام بها.. أي تغيير الواقع بما يلبي مصالح الطبقات الشعبية الواسعة.

المواجهة الاستراتيجية مع الاحتلال الذي أصبح يستند إلى بنى اجتماعية طبقية باتت مصالحها الضيقة تتقاطع مع مصالح الاحتلال، جعلت من التقاطع والتشابك بين المواجهة الوطنية القومية والنضال الطبقي الاجتماعي الداخلي، وخاصة بعد أوسلو، واقعا شديد الكثافة والقوة، بحيث لا يمكن تحقيق إنجازات وانتصارات ولو صغيرة في أحد المجالين بمعزل عن الآخر، بل إن هذا الأمر أصبح بمثابة الشرط في المواجهة الوطنية القومية ضد الاحتلال.

غير أن ما هو قائم عند قوى اليسار في الحالة الفلسطينية يشبه بالمعنى السياسي حالة حرب المواقع الثابتة مع القوى المهيمنة طبقيا، إنها مناوشات سياسية موسمية، وعادة ما تبقى تحت سقف المعادلات القائمة ولا تستهدف تجاوزها أو تغييرها، ذلك لأن تجاوزها جدليا يستدعي ممارسة سياسية وثقافية وعملية تأخذ طابع حرب الحركة، أي المبادرة والمواجهة في الشارع على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية.

فالسؤال هنا هو: كيف ستنحاز الطبقات الشعبية لقوى اليسار عمليا بدون صراع ومواجهة طبقية مع القوى المسيطرة!؟.

إذن أهم شرط يميز البرنامج أو المقاربة أو التحليل اليساري في حالتنا الفلسطينية، هو القدرة والعمق في ربط مهام التحرر الوطني بمهام النضال والمطالب الاجتماعية، والربط هنا بمعنى رؤية تأثير التموضع والانتماء الطبقي في تحديد الخيارات والبرامج والمواقف السياسية والاجتماعية... هذه الإشكالية تضعنا بالضبط في مواجهة السبب الجوهري لأزمة اليسار الفلسطيني...

فاليسار ليس شعارا أو دوغما بل دينامية وحيوية تدرك وبعمق التحولات الاجتماعية والطبقية في المجتمع الفلسطيني... والمقصود هنا ليس توصيف الواقع، فهناك آلاف التقارير والإحصاءات الاقتصادية والاجتماعية التي تعطي صورة معقولة عن واقع الحال... المقصود هو تحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية بالاستناد إلى الفكر الماركسي وقوانين الجدل... وقراءة الظواهر الاجتماعية ومواقف الطبقات والشرائح بالاستناد إلى الاقتصاد السياسي بعيدا عن الغوغائية والعواطف ومحاولات تطويع الواقع بالقوة.

· المنهج الجدلي والاقتصاد السياسي:

تحقيق هذا الشرط يستدعي رؤية واقع حال السلطة الفلسطينية، وما شهدته من تحولات وما لها من تشابكات مع رأس المال المحلي والإقليمي والعالمي، بالإضافة إلى التدخلات والتأثير الموضوعي للرأسمال الإسرائيلي... ورؤية دور القطاع الخاص الفلسطيني وطبيعة علاقته بتلك السلطة، ومدى تأثيره على دورها وبرامجها... وأيضا تأثير تمركز السلطة السياسية والإعلامية والمالية، الأمر الذي يؤدي حتما لخيارات سياسية محددة... إذن خيارات القوى السياسية، والمقصود جميع القوى السياسية الفلسطينية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين وما بينهما.. ليست مسألة إرادوية وعفوية بل هي عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية معقدة تتوج بالتموضع والخيارات السياسية.. وبالتالي فإن مجابهة هذا الاستحقاق لا يناسبها تبادل الاتهامات، بل القراءة والتحليل العميق والمتواصل للحراك الاجتماعي وتموضع الطبقات والفئات الاجتماعية.. بهذا تكون خيارات وبرامج اليسار مستجيبة لحركة الواقع وليست مقطوعة عنه... هذا هو التحدي الذي يواجه قوى اليسار الفلسطيني وطنيا واجتماعيا... بما في ذلك سياسة التحالفات الأقليمية والعربية والدولية...

هذا يعني رؤية البنى والتحولات الاجتماعية وحركة مصالح الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة في سياق حركة الزمن الملموس والواقع الاجتماعي المحدد، وبالتالي تحديد أسس تموضع الطبقات والفئات وخياراتها السياسية... وفي السياق رؤية الأسس والمصالح التي تصطف على أساسها وتتقاطع الطبقات الفقيرة والمنتجة، بما في ذلك الطبقة الوسطى... وأيضا تقديم تحليل علمي لدور القطاع الفلسطيني الخاص ورؤية التمايزات في داخله وتحديد الفواصل بين فئات القطاع الخاص المختلفة، فهناك فئة تعزز العمليات الانتاجية الوطنية على محدوديتها وفئات مرتبطة موضوعيا باقتصاد الاحتلال، أو بالشركات العالمية... ف"عدم وعي القوى الشعبية الراديكالية بدور الطرف الآخر يحول دون وعيها الكامل لدورها" (غرامشي – ص 122).

هنا تتبدى الأهمية والقيمة الكبرى للفكر والمنهج الماركسي، الذي تعلن مختلف قوى اليسار الفلسطيني أنها تتبناه وتسترشد به، لفهم ما يجري في الواقع الفلسطيني ... فهو أداة منهجية صارمة وعلمية إلى أبعد الحدود من أجل وعي ذلك الواقع ومغادرة دوائر التخبط والتجريب والشتائم والتكفير والغيبيات والجهل والمقاربات الأخلاقية والمناشدات الساذجة... فالماركسية علم وليست تنجيم... وكم كان كارل ماركس يرفض ويكره مفهوم "التنبؤ" فهو يستنتج ولا يتنبأ...

التوصيفات الأخلاقية والسياسية المجردة والخطاب الوطني العام لا يحل المعضلة، فالهدف ليس منح شهادات وطنية لأحد، بل تحديد علمي للقوى التي يمكنها موضوعيا وطبقيا أن تتبنى وتناضل لتحقيق برنامج التحرر الوطني والبناء الاجتماعي... وهذا لا يتحقق بالنداءات والمناشدات والعواطف، بل بالنضال السياسي والاجتماعي والثقافي والعملي المعبر عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية لغالبية الطبقات الشعبية بما ينعكس بالضرورة على الخيارات الوطنية الكبرى للشعب الفلسطيني... هذا ما يجب البحث عنه وتحديده وتأمين شروطه...

الاستناد للتاريخ جيد، ولكن الرهان عليه دون مبادرة وفعل أمر خاطئ، ما نحن بحاجة إليه هو إعادة قراءة الواقع الاجتماعي الطبقي.. فخيارات أي تنظيم سياسي فلسطيني، هي في النهاية خيارات تعكس مصالح طبقية..

ما يميز اليسار عادة هي رؤيته الاجتماعية، ولكن بشرط أن تكون مستمدة من وعي الواقع بعمق... وليس مجرد شعار أو ادعاء.. فبإمكان أي كان أن يدعي ما يشاء... ولكن هل الواقع يستجيب لهذا الادعاء ويقبل به هكذا ببساطة؟!... الخافية الطبقية في المجتمع ليست مجرد توصيف بل هي ترجمة لواقع حال قائم.. واقع يتعلق بالدخل وبالدور في عملية الانتاج وبالحصة من الدخل القومي وتلبية الحاجات وتوزيع الثروة وحجم المشاركة في القرار وفي تحديد الخيارات السياسية والاقتصادية التي تلبي حاجات وأدوار كل طبقة وكل فئة بناء على حجمها ودورها... والاختلال في هذه العملية هو المحرك للتغيير الاجتماعي السياسي، وما لم تر قوى اليسار الفلسطيني ذلك فلن تستطيع أن تقوم بدورها مهما تغزلت بالعمال والفلاحين وتحرر المرأة، فما لم يلمس هؤلاء بأن لهم مصلحة واضحة في الانتظام والتغيير فلن يحركوا ساكنا وراء شعارات لا تقنعهم عمليا بالجدوى.

شرط استعادة القوى اليسارية التي تناضل وتسعى من أجل التغيير لدورها يكمن في قدرتها على وعي عملية التغيير وتأمين شروطها الذاتية والموضوعية... بهذا المعنى لا يعود التاريخ قوة عمياء بل عملية يتم تتبع مساراتها بشكل حيوي وديناميكي... فما تحاول القوى السياسية الطبقية النقيضة فعله فلسفيا وسياسيا هو نفي هذه الحقيقة وذلك بهدف قطع الطريق على أي عملية تغيير جذرية .. وذلك من أجل تكريس الواقع القائم الذي يخدم مصالح الطبقات المهيمنة... وبالتالي فإن فلسفتها تكرس الغيبية والاستسلام والقدرية... اي أنها دائما تؤكد على أن الواقع هو هكذا منذ الأزل فلا جدوى من محاولة التغيير، أو أنه يتحرك بصورة عشوائية وصدفية فلا جدوى من التفكير في التغيير وفق رؤية واستراتيجيات عميقة.

الجدل هو المنهج العلمي لوعي الظواهر، والجدل أو الديالكتيك ليس سفسطة أو لغوا أو منطقا صوريا أو مجردا، ذلك لأنه يستند إلى المعطيات؛ “أعطونا الوقائع”! بهذا المعنى هو ليس منهجا غيبيا أو ارتجاليا، بل يقوم على تحليل الوقائع في سياقاتها وترابطها مستخدما قوانين الديالكتيك بهدف رؤية العلاقات وتشابكها ووعي ما وراء الظواهر في سيروراتها وحركتها وليس في ثباتها وجمودها... تتجلى قيمة هذا المنهج الحاسمة في واقعنا الفلسطيني والعربي اليوم بصورة هائلة، حيث تسود عند الكثير من القوى السياسية والمحللين والسياسيين المقاربات الإرادوية والغوغائية...بما هو أقرب للفتاوي... حيث يقدمون قراءاتهم وكأنها حاسمة ونهائية، ولكن بقليل من التفكير والنقد والتحليل تنهار تلك البنى الذهنية الوهمية التي لا تنطلق من الحقائق ولا تستند لمقاربات شمولية وفلسفية محددة.. الجدل منهج علمي محكوم بقوانين ومعطيات تتعامل مع البنى في حركتها وتحولها... وهو يستند لرؤية فلسفية، إنه ليس مجرد رياضة ذهنية بل هو وعي للواقع بهدف تغييره... بما ينسجم مع حركة التاريخ وبما يستجيب لمصالح أغلبية المجتمع وقواه المنتجة... وكشف ديناميات الاستغلال والقهر وإعادة إنتاج التخلف... من هنا يمكنني التأكيد على أن الكثير من الوعي المزيف الذي يأخذ شكل الكشف هو مجرد ثرثرات عامة لا طائل تحتها... لتوضيح هذه المعضلة أكثر لننظر، على سبيل المثال لا الحصر، إلى المنتوج والخطاب الاجتماعي والسياسي الثقافي المتعلق بقضايا المرأة، حيث يعتقد الكثيرون أن المسألة مجرد كلام وشعارات.. أو مجرد قوانين مدنية، أو كما يقول البعض إنها بسبب العادات والتقاليد، ولكن كيف ومن أين وفي أي سياقات تشكلت تلك العادات والتقاليد والبنى القانونية والمدنية؟.

تحرر المرأة ليس مجرد عملية لغوية أو اعتباطية أو أمنيات أو تصورات ذهنية... بل عملية تاريخية اجتماعية مشروطة بوعي البنى والمنظومات التي تولد استغلال المرأة وقهرها .. أقصد البنى الاقتصادية والطبقية التي تؤدي لاستغلال المرأة وتبعيتها واستلابها الشامل..

غالبية البرامج والخطاب تتعامل بشكل عام مع قضايا المرأة بصورة طوباوية.. مجرد مناشدات بما في ذلك مسألة الحرية في العلاقات العاطفية والزواج، وكأن المعضلة هي مجرد وعي أو مجرد تفكير أو رومانسيات ومثاليات تهبط على الوعي من السماء .. في حين أن ما تعانيه المرأة من استلاب ناتج في العمق عن تبعيتها اقتصاديا وطبقيا، وبالتالي تكريس دونيتها وخضوعها، فالاستلاب العاطفي هو وليد الاستلاب الاقتصادي وبالتالي الاجتماعي ومن ثم النفسي... وهكذا لا يمكن الوصول للحرية بمعناها الواقعي والحقيقي بدون تحرير العلاقات الاجتماعية من الاستغلال والقهر... وغير ذلك هو تهويم في العموميات وتفكير مثالي ينطلق من وهم أن المسألة مجرد حوار ونقاش وتعبيرات نفسية...

وبكلمة... إن الوعي هو وليد العلاقات الاقتصادية الاجتماعية وما يترتب عليها من ثقافة وسلوك وبنى سياسية وقانونية وحقوقية في الواقع وليس العكس... بمعنى أن من يعتقد أن الواقع يتشكل انطلاقا من الوعي يسقط تلقائيا في الغيبيات أو النزعة الإرادوية... فعلاقات الناس ووعيهم تحدده بناهم الاقتصادية الاجتماعية وعلاقات إنتاجهم ومستوى تطورها ومستوى تناغمها مع مصالح أغلبية الناس... فإذا كانت تلك العلاقات قائمة على الاستغلال والقهر والسيطرة والهيمنة فإنها ستنتج ثقافتها المنسجمة معها... ولن تتغير تلك الثقافة إلا بتغيير العلاقات في الواقع ذاته... مع ملاحظة أن هذه العملية العميقة لا تعمل بصورة معزولة عن عوامل وعناصر مؤثرة أخرى... أقصد أن هذا المبدأ لا يعني مطلقا وفق المنهج الجدلي أن العلاقة بين الوعي والواقع هي علاقة ميكانيكية.. ذلك أن الوعي قد يتحرك في مرحلة ما نسبيا بصورة مستقلة ليصبح قوة مضافة في عملية التغيير الجارية، لكنه في مطلق الأحوال ليس بذاته هو الحل...

من هنا نلاحظ أن إحدى مشكلات اليسار على هذا الصعيد أنها أحالت في كثير من الأحيان مهمة النضال الاجتماعي إلى المنظمات الأهلية وغير الحكومية التي أنشأتها، معتقدة بذلك أنها تقوم بدورها وواجبها، لقد حولت المسألة إلى مجرد خدمات اجتماعية، ولكن وبعيدا عن التقليل من أهمية الخدمات الاجتماعية، إلا أن تلك الخدمات بالتأكيد ليست هي المعادل للنضال الاجتماعي، إنها تسنده ولكنها ليست بديلا عنه، فالمرأة والعمال والطلاب والمعلمين والمزارعين وغيرهم من الفئات الاجتماعية المستغلة يحتاجون لقيادة سياسية اجتماعية طبقية تقودهم لتغيير الواقع الذي يؤدي إلى استغلالهم وقهرهم، وليس التخفيف من وطأته، إنهم بحاجة إلى قوى سياسية تناضل معهم لانتزاع حقوقهم بما يتناسب مع دورهم في العملية الوطنية والانتاجية.

وهذا لن يتحقق إلا إذا استطاعت قوى اليسار أن تطرح برنامجا يعبر عن مصالح وحقوق تلك الطبقات والفئات وقيادتها اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، والأهم من ذلك أن تخوض النضال عمليا لتحقيق ذلك البرنامج عبر النضال الميداني المستمر والمتراكم في الشارع، لنتذكر على سبيل المثال لا الحصر حركة المعلمين الفلسطينيين.

· الشباب

في هذا السياق تأتي قضية الشباب، حيث تضج أدبيات قوى اليسار وخطابه بالحديث عن قطاع الشباب بما يقارب الرومانسية من نوع إنهم "جيل المستقبل، وهم الأمل، وأن المجتمع الفلسطيني هو مجتمع شاب" وغير ذلك من التوصيفات، وكأن مقاربة قضية الشباب مجرد لغة ومفاهيم إيجابية.

ورغم كل ذلك يلاحظ عزوف شديد من قبل الشباب الفلسطيني عن العمل السياسي والانتماء التنظيمي، دون أن يعني ذلك غياب الحس والشعور الوطني العام عند الشباب، بل والمبادرة الفاعلة على صعيد المواجهة مع الإحتلال وصولا إلى الاشتباك الشجاع معه.

هذا الواقع يشير إلى إشكالية عميقة لها علاقة بمدى وعي قوى اليسار الفلسطيني للتحولات البنيوية التي جرت في المجتمع الفلسطيني، بما في ذلك ثورة الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها الثقافي والسلوكي على وعي الشباب الفلسطيني.

حيث يتعرض الشباب لعواصف هائلة من الضغط الاقتصادي، بما في ذلك الاخفاق في تلبية احتياجاتهم على مختلف الأصعدة، في حين تلقي الجامعات الفلسطينية وغيرها سنويا بآلاف الخريجين الجامعيين الذين لا يجدون فرصة عمل تناسب الحد الأدنى من احتياجاتهم، يضاف لذلك تأثيرات الإعلام الاستهلاكي وشبكات التواصل، الأمر الذي يترك تشوهات عميقة على وعي الشباب لذاتهم، كل هذا يجري دون أن تملك قوى اليسار الفلسطيني رؤية وبرنامجا شاملا ومتواصلا للاقتراب من الشباب ووعي قضاياهم، الأمر الذي يضع هذا الشباب في مهب رياح الثقافة الغيبية والدينية والاستهلاكية والاغتراب والإستلاب.

وفي هذا السياق يأتي ايضا عدم امتلاك قوى اليسار لرؤية علمية ومعاصرة لقطاع التعليم ومناهج التعليم الفلسطيني المدرسي والجامعي، إنها تكتفي فقط بالتذمر من تلك المناهج وكأنها تعيش في عالم آخر وليس من مهامها النضال لتطوير تلك المناهج بما يحصن وعي الشباب بالعلوم ومناهج التفكير العلمي، خطورة هذا الأمر لاحظه غرامشي بمنتهى الدقة، حيث أشار إلى أن مناهج التعليم هي من أهم أدوات الهيمنة الطبقية الحاسمة، ذلك لأن مناهج وفلسفة التعليم السائدة في المجتمع هي التي تحدد اتجاهات التطور الثقافي فيه.

إذن الإخفاق أو الضعف في الوصول إلى قطاع الشباب انعكس على شكل "شيخوخة" في بنى قوى اليسار التنظيمية، وضعف عملية التجديد فيها، ذلك لأن عملية التجديد ليست مجرد ضم بعض الأفراد للهيئات القيادية في تلك التنظيمات، التجديد صيرورة اجتماعية تعبر عن التحولات في البنى الاجتماعية.

ولكن كيف سيتحقق ذلك في ظل تكلس البنى التنظيمية، بل وتراجع حتى أشكال التنظيم التقليدية وغيابها، بحيث غابت معها عملية البناء الثقافي للشباب، مما أفقد الأجيال الجديدة المنتمية لقوى اليسار العمق الثقافي والمعرفي والفلسفي، وهو الأمر الذي نجحت فيه قوى الإسلام السياسي ببرامجها الاجتماعية والثقافية.

هنا تتجلى فكرة التجاوز الجدلي الطبقي للواقع كعملية اجتماعية سياسية ثقافية عميقة، بمعنى التجاوز في البرنامج والقيادة والعمل الفعال ميدانيا، أما الاكتفاء بالعمل الخدماتي وتحسين ظروف الواقع فهذا يساعد نسبيا في تعزيز الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال والظروف اليومية الصعبة، لكنه لا يجدي لتغيير الواقع سياسيا واجتماعيا باتجاه البديل الوطني الديمقراطي اليساري.

· اليسار والمبادرة الثقافية:

حالة التمزق والجهل والعشوائية تجاه ما يجري في مجتمعاتنا العربية يشير إلى أن معظم المثقفين والكتاب يميلون للمثاليات والفكر الغيبي أو الانتقائي أو الرغائبي وكأنه الحل... أو يذهبون لشتم الواقع وشتم الذات وكأن ذلك هو الرد والطريق للتغيير... بينما المطلوب ممارسة سياسية وثقافية تنطلق من المعطيات وحركتها، لكي يتم تحديد القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة في عملية التغيير، وأيضا القوى التي ليس لها مصلحة في ذلك، ومن ثم العمل من أجل بلورة مشروع سياسي فكري اقتصادي واجتماعي... تحمله قوى اجتماعية مستعدة للمقاومة والثورة وغير ذلك هو الدوران في ذات الدوائر المغلقة...

ذلك لأنه "من الضروري تجنب طرح االقضايا طرحا "عقليا محضا" بدلا من طرحها طرحا سياسيا تاريخيا، وإلا ستبقى مجرد استبصارات وتأملات شخصية تمثل نوعا من "رؤية الأحداث بعد وقوعها " (غرامشي – ص 123)..

لكل ذلك فإن قوى اليسار بحاجة للمنهج الجدلي... كي تتخطى التجريب والارتجال... نحو النظر وبعمق وشمولية للظواهر بقصد وعيها علميا من أجل الفعل الواعي والتغيير المحدد وفق أهداف سياسية واجتماعية محددة ، وليس كمجرد حالة ذهنية عاطفية ساذجة.

هذا يستدعي التوقف ولو سريعا أمام الدور الثقافي لقوى اليسار الفلسطيني، ذلك لأن من أخطر الظواهر التي مر بها هذا اليسار في ظل صعود الإسلام السياسي هو الميل للمهادنة والمساومة الثقافية/الأيديولوجية من جانب، وفقدان المبادرة الثقافية بالمعنى الاجتماعي الطبقي الأمر الذي ضرب عميقا قدرته على مواجهة الفكر الغيبي وثقافة الاستهلاك والاستلاب، مما وضع علامات استفهام جدية على هوية اليسار الفكرية.

ما تعيشه الأمة والمجتمعات العربية ومن ضمنها الشعب الفلسطيني من ويلات اجتماعية وسياسية وثقافية وسلوكية أمر شديد الخطورة... هي نتاج تراكم طويل من غزو ثقافي واغتراب واستلاب اجتماعي وهيمنة ثقافة النفط والتسطيح والتفاهة... التي تشكل بمجملها الحاضنة لسياسة التبعية والخضوع للقوى الاستعمارية.

ومع ذلك وأمام أهوال ما يجري يلاحظ أن هناك حالة من غياب العقل والوعي بصورة جدية... مما يضاعف من المأساة والكوارث على كل المستويات.. وفي ذات الوقت ومع انتشار ثقافة وسياسة التكفير والقتل والتجهيل نجد سذاجة في قراءة الواقع، حيث الميل للفكر الغيبي من جانب، أو الرهان على المناشدات والوعظ الأخلاقي الذي لا يسمن ولا يغني من جوع من جانب آخر... ذلك لأنه يخلق وهما ووعيا زائفين تجاه ما يجري، وكأن ما نعيشه هو مجرد اختلالات عاطفية أو نفسية أو بسبب سوء التقدير .. بينما هو نتاج بنى اجتماعية طبقية وسياسية لها خياراتها الموضوعية المحكومة بمصالحها المادية التي ترتبت على تحالف الأنظمة المتخلفة والتابعة مع القوى الاستعمارية... وعليه فإن مواجهتها يستدعي وعيا علميا لطبيعتها وكشف آليات فعلها من خلال وعي وفهم البعد الاقتصادي – السياسي - الاجتماعي لهذه الظواهر... ناهيك عن أن سياسات الدول محكومة أيضا بمصالح الطبقات والاحتكارات المهيمنة.

لم يعد هناك مجال لأي مهادنة أو مساومة أيديولوجية مع الغيبيات والتكفير والتجهيل والشعوذة "الدينية" أو الاجتماعية أيا كان مصدرها.... لقد آن الآوان لكي تغادر القوى اليسارية والعلمانية عموما، والقوى والمفكرين الماركسيين تحديدا سياسة الدفاع... والانتقال للهجوم الثقافي... فالمواجهة الفكرية الثقافية من أصعب وأعقد المواجهات... إنها صراع على الوعي... وهو في جوهره صراع طبقي... فلا يوجد فكر فوق الطبقات... كما لا توجد دولة فوق الطبقات... بل هي أداة في يد طبقة لفرض سلطتها على الطبقات الأخرى... ومن أجل الحفاظ على علاقات الأنتاج التي تدر عليها الأرباح... إذن هو صراع بين فكر يؤمن بالحرية وبالقوى المنتجة وفكر يحاول تكريس الجهل وتشويه الوعي وتصوير الظلم والاستغلال الذي تمارسه طبقة ضد أغلبية المجتمع على أنه حالة طبيعية أزلية...يقول غرامشي:

"لا توجد أي طبقة مستقلة من المثقفين، فلكل (جماعة (طبقة) اجتماعية فئتها المثقفة، أو تميل إل

نصّار إبراهيم

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر