على مدار الساعة
أخبار » صحافة المواطن

الكتابة تصنع بيتاً من الرمال

01 حزيران / يناير 2017
زياد الرحباني - تعبيرية
زياد الرحباني - تعبيرية

مازن حلمي

عزيزي زياد رحباني،

حِينَ جئتُ إلى بيروت منذ عدة شهور، سألتُ عنكَ. أخبرتهم أنيّ أريد أن أجري معك حواراً صحافيّاً. لكنّ الحقيقة أني أردت مقابلتك فقط، لأقول: «أنا أحبك يا زياد، شكراً». لكني لم أستطع أن أقابلك. لا تحولني لأضحوكة حِينَ أخبرك أن قبل قدومي إلى بيروت، كنت أظن أنك لا تفعل شيئا سوى الوقوف في شارع الحمرا تتأمل وجوه العابرين. أعرف أنيّ لستُ صديقك.

فكرت أن أكتب لكَ عن إصلاح الخيبات بالكتابة. لكنّي خجلت منك، لأنك أحد تلك الخــــيبات. بينما كان أصدقائي يموتون بجانبي بعد الثورة. كنتُ أراك تؤيد قاتلنا، وتتغزّل في الأنظمة العســــكرية. لا يمكن أن أكرهك أو أحاسبك على موقفك، لكني أخبرك فقط عن الخيبات.

عندما أفكرُ أنكَ كتبت ديوان «صديقي الله» وعمرك ثلاثة عشر عاماً فقط، أصاب بالدهشة. لكني أعود لأتحرّر نحو الكتابة. أفكر أنك كنت متحرّراً كفاية من تعقيدات الكتابة وحسابتها. كلما شعرت أني كتبت شيئاً جيداً، تذكرت أني في الثالثة والعشرين، وما زلت أبحث عن نص جيد. بينما أنت عندما كنت في نفس عمري، كان لديك الكثير من المسرحيات وديوان شعر وعدد كبير من الألحان. قررت أن أكتب لك نصوصاً قصيرة عن الكتابة أستدعي فيها ذاكرتي. لكن بعيون ودهشة ابن الثالثة عشرة، ربما أكون محظوظاً ويظنّ الناس في المستقبل أنّي كتبتها وأنا في ذلك العمر.

(1)

أضع قدمي في الرمال. أغوص قليلاً حتى أصنع مسافة مناسبة لقلبي. أشيد قلعة من الرمال. أكتب عليها هنا بيتُ فلان، وحِينَ يغمر البحر أسوار البيت، أكتشف لحظتها أنه لم يكن بيتي. أحاول إعادة الفعل ذاته عدة مرات، أملاً أن تبني لي الرمال بيتاً. الكتابة وحدها تصنع بيتاً من الرمال لا يهدم.

(2)

في الصف الثالث الابتدائي كانت هُناك فتاة تجلس في نهاية الفصل، وحيدة، لكنّها ليست حزينة. حين سألتها المعلمة عن اسمها قالت «أنطونيا». ضحك الجميع على الاسم وعلى شكلها غير المرتب. وبعدما خرجت المعلمة. كان اليوم الدراسي الأول لأنطونيا في مدرستنا، لكنّه كان الأسوأ. وقف التلاميذ يخبروها أن شكلها بشع، ويرددون: «أنتِ لستِ جميلة يا أنطونيا» ويضحكون. كنت أشعر بالحزن تجاه ما حدث لها، لكن الشعور الأقوى كان الخوف أن أقــــع في نفس موقفها. لذلك ســــريعاً ما شاركت في الحفلة عليها، حتى لا أصير التالي.

في اليوم الثاني أتى والد أنطونيا معها، واشتكى للمعلمة التي أخبرته أنّه يجب الاعتناء بمظهرها قليلاً. لكنّ الأب أخبرها أن والدة أنطونيا ماتت قبل انتقالهم إلى القاهرة بشهور، وهو ليس لديه الوقت للاعتناء بها. في الأيام التالية كنت أحلم أنيّ خائفٌ من شكل أنطونيا وهي واقفة أمامي. كنتُ أضحك عليها بصوتٍ عال. رأيتُ في لحظتها وجهي كأنّه ملوّن، رأيتُ تلك الألوان وهي تنصهر وتختلط ببعضها. بعد أيام حين طلبت المعلمة من أنطونيا أن تكتب اسمها في جملة مفيدة، كتبت: أنطونيا فتاةٌ جميلة. أنطونيا تحب أصدقاءها.

(3)

مات جدي منذ عــــدّة ســـنوات. توقفت جـــدتي عن صنع الخبز. لكن في أحد الأيام قررت أن أكتب قصيدة رثاء له وأن أذكر فيها الخبز. ألقيتها على جدتي، فبكـــت. وقررت أن تــــود لصناعة الخـــبز مرة أخرى. تلك كانت أولى قصائدي الزائفة من أجل الخبز الحافي.

(4)

في صغري حين كان والدي يخبرني بأنّ عليَّ أن أًصير ضابطاً في المستقبل، كنتُ أخبره أني أحلم أن أكون لصاً. بعد سنوات أخبرني أنّ عليَّ أن أكون مهندساً، فأخبرته أني سأكون رساماً. لم يخبرني بعدها بحلمه أن أكون طبيباً. لكن في النهاية صرت كاتباً لأكون ما لا يريده. الكتابة تعلمني التمرد على أبي.

(5)

في المدرسة الإعدادية كانوا يفصلون المسلمين عن المسيحيين في حصة الدين. المسيحيون يغادرون الفصل. أما نحن المسلمين فنظل في أمكاننا. لم أكن أعرف شيئاً عن المسيحية، لكنّي كنتُ أشعر بالفضول تجاه هؤلاء الذين يغادرون حصة الدين. طلبت من المُعلم الذهاب إلى الحمام ولحقت بالطلاب المسحيين لأتجسس عليهم. سمعتهم وهم يردّدون: «لمّا رآه التَّلاميذ ماشياً على الماء، اضطربوا قائلين: «إنَّه شبحٌ!» ومن خوفهم صرخوا. وفي الحال كلَّمهم يسوع قائلاً: «تشجَّعوا! أَنا هو. لا تخافوا!» فقال له بطرس: «إِن كنت أَنت هو، فمرني أَن آتي إليك ماشياً على الماء!». أدهشتني فكرة أن يمشي أحدهم على الماء. حين عدت إلى الفصل، وكان المعلم يقرأ آيات من القرآن، قُلت له: اقرأ علينا آيات الرجل الذي مشى على البحيرة. قال: لم يأتِ هذا في القرآن. فكرت أن أكتب قصة عن رجل مشى على البحيرة، زهواً، من أجل أن تعجب إحداهنَ. الكتابة تجعلنا نصنع أبطالنا.

(6)

نسيتُ أن أخبرك أنّي كتبت لآخر فتاة عرفتها بعد انفصالنا «اذكري بس شو كنت منيح معك»، فردّت بالشتائم. تذكّرت وقتها أنّ الكتابة كثيراً ما تخذلنا.

متعلقات
انشر عبر