Menu
حضارة

إيلاريون كبوجي أيقونة على صدر فلسطين

ابو علي حسن

إيلاريون كبوجي أيقونة على صدر فلسطين

مع الساعات الأولى لأول يوم من عام 2017, يغيّب الموت رجلاً عربياً مسيحياً عرفناه مناضلاً صلباً في زمن عنفوان ثورتنا الفلسطينية, المطران كبوجي, المقاتل الشجاع, السوري المولد, الفلسطيني الإنتماء, هذا الثائر على كل أشكال الظلم الوطني والطبقي, ربما جيل هذا الزمن لا يدرك من هو هذا الرجل الذي ذاع صيته في السبعينات من القرن الماضي, إنه رجل دين مسيحي, كان نائباً بطريركياً عاماً في القدس سنة 1965 عن الروم الكاثوليك, وكان رئيساً لأساقفة قيصرية فلسطين, كان مغموراً بحب الناس, وداعية محبة وسلام, يطلق عبير التسامح في فضاء القدس وفلسطين وفي عام 1967 تقدم "اسرائيل" على احتلال القدس والضفة الغربية, تتفجر لدى الرجل مكامن الوطنية في دواخله,  وتأبى عليه نفسه أن يقف محايداً كرجل دين, أو متفرجاً على صلف وغرور واضطهاد الاحتلال لشعبه, أبناء وطنه وتوأم عروبته, ويخط سيرة وطنية من ذلك الحين ويبدأ مشواره الطويل في مواجهة الاحتلال, لم يكن موقعه الديني كابحاً له أو مانعاً كي يصبح وطنياً وثائراً,ورجل دين في آن....بل أن موقعه الديني قد مكّنه أن ينافح ويجاهد ويحرّض ضد الاحتلال في كل المنابر المتاحة.

      ما أجملك يا سوريا حين تقدمين لشعب فلسطين تلك القامات الوطنية التي أشعلت فينا حب الوطن والذود عن حياضه...ماأجملك يا جبله حين قدمت لفلسطين شيخك الجليل عز الدين القسام الذي حمل معول ثورة 1936...وفجر العنف الثوري ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني...وما أجملك يا حماه حين قدمت المناضل الكبير سعيد العاص الذي استشهد في ثورة 36...وما أجملك يا حلب يوم قدمت لمصر العروبة أبنك سليمان الحلبي طالب الأزهر ليقتل القائد الفرنسي الجنرال كليبر حاكم مصر...وها أنت اليوم تقدمين رجل الدين المسيحي في عام 1965 هدية حب...ورافعة نضال إلى الشعب الفلسطيني.

      منذ اللحظة الأولى للاحتلال في عام 1967 عمل على تشغيل القوى العاملة الفلسطينية العاطلة والمحتاجة في أعمال النسيج, ويطبع على قطع النسيج طابع القدس....كأنه يقول أن القدس لهؤلاء الفقراء والمظلومين...وأن القدس لأصحاب الوطن...ويلجأ العدو إلى تحذيره ونهره...ويزداد إصراراً ومقاومة بثبات رجل الدين على الحق...كان يطلق لحيته المنظمة... ويعتمر..."المانيتلا" الحريرية على الرأس...ويلبس الهندام الفضفاض...والأكمام الطويلة...وكل موجبات رجل الدين المسيحي الكاثوليكي...بيد أن هذا اللباس كان يخفي وراؤه ثائراً وطنياً لا إرهابياً.

     وفي 1974 يحمل صليبه...ويسيرعلى درب الآلام كما سلفه المسيح عليه السلام ناقلاً السلاح بسيارته المرسيدس معبّأه بالكلاشينكوف والمسدسات من صور إلى القدس...ويرفع إشارة النصر لأبو جهاد الوزير القائد الوطني...ويمضي في طريقه وهو مدرك أن هذا العمل المباشر لرجل الدين يحمل مخاطر وتبعات أقلّها الاعتقال...كان يدرك أن الثمن سيكون باهظاً لو تم اكتشاف أمره...وكان يجب أن ينأى بنفسه عن الفعل الفدائي وفعل الثورات...فذلك الفعل الفدائي هو من اختصاص الثوار...! لكن الثورة كانت تعتمل في صدره...القدس تسكن روحه...وفلسطين بين عقله وفكره وضلوعه...وأيقونة القدس مدلاه على صدره...فكيف يكون وفياً دون أن ينخرط في الفعل المباشر للعمل الوطني...فأقدم على ما عجز عنه البعض...مرة وثانية...ويكتشف أمره العدو...ويتعرض للتحقيق والتعذيب النفسي...ويحكم عليه 12 عاماً...ويقضي منها أربعة أعوام في زنازين الاحتلال وهو في الخمسينات من عمره...ويلمع صوت الرجل...وصورة الرجل في عالم الثورة الفلسطينية...وتتداعى دوائر دينية لإخراجه من السجن...ويفرج عنه بتدخل من الفاتيكان...إلى الفضاء الآخر من النضال...ثائراً من جديد...لم يعتذر...لم يغير مواقفه...لم تسقط هيبته كرجل دين,,,غير أن شجاعته وفعله المباشر قد زاد من مهابته وقوة شخصيته الدينية والوطنية...هي ذاتها المفارقة تتكررر لرجال دين...مسلمين ومسيحيين...رجل دين مسيحي كاثوليكي ليس فلسطيني المولد...مرجعيته بالفاتياكان يتحول إلى ثائر له مرجعياته الوطنية...ويتحول إلى جندي يهرب السلاح إلى أبناء وطنه...!! هي ذات الحمية التي دفعت عيسى العوام أن يخترق حصار الفرنج لعكا مرات ومرات...كي يقدم لشعبه وزعيمه صلاح الدين الأيوبي ما ينتصر به على أعدائه.

     لم يكن رجل دين كاثوليكي فاضل فحسب...إنما كان ثائراً بروحه وقلبه وعقله وفعله...فقد كانت فلسطين تساوي أمه...وهو القائل "هناك أهم من الأم الوالدة...فالأرض هي الأم"

      حين أطلق سراحه اشترط عليه أن يرحل إلى أمريكا اللاتينيه كي يخرج من السجن..إلا أنه لم ينصاع للأمر الواقع...فمكث ثلاث شهور ثم عاد إلى وطنه سوريا...وفتحت سوريا ذراعيها مرحبة به مواطناً شريفاً مكرّماً...ويمضي الرجل مقاوماً متنقلاً من مكان إلى مكان...لا يفارقه موقفه الوطني...محرضاً على الاحتلال...مناصراً لكل فعل وطني...ويستقر في سنواته الأخيره في الفاتيكان في روما...يراقب ويتابع ويصرح...ويشارك اعمال المجلس الوطني الفلسطيني عام 1979 عضواً إصيلاً...كما شارك في سفينة "الأخوّة" المتجهه إلى غزة لكسر الحصار...وبعدها شارك في أسطول الحرية "مرمرة" ويعتقل من جديد من على ظهر السفينة بعد المجزرة التي أودت بحياة عدد من المناصرين...ويطلق صراحه...ليمضي في ساحة النضال الوطني ويشارك في كثير من الأنشطة السياسية والوطنية مطلقاً تصريحاته الوطنية والعروبية...ويبلغ الرجل الثانية والتسعون من عمره...دون أن تلين له قناة.

     غادرنا الرجل...ولم يمت حلمه...فقد سلمه لأجياله ومحبّيه...وداعاً أيها المطران الجليل...أيها الثوري الجليل...وداعاً أيها المسيحي الثائر.