Menu
حضارة

أدونيس: معرض تونس للكتاب فرصة ضد الإرهاب

أدونيس

بوابة الهدف_ تونس_ وكالات:

الجلوس إلى الشاعر السوري أدونيس والاقتراب من عالمه فيه متعة كبيرة، لا تضاهيها إلا متعة النبش في ذاكرة هذا المفكر الأصيل، والحديث حول تحولات الثقافة العربية وعن “الثابث والمتحول” في القصيدة العربية الحديثة، والتحديات الإبستيمولوجية التي تطرح على المثقف العربي اليوم، بعد الهزة التي أحدثها ما صار يعرف بالربيع العربي.

المسارب والدروب إلى فكر أدونيس وشعره وقلبه كثيرة، والحديث معه لا ينتهي، ولكننا ارتأينا في هذا الحوار أن نتعمق في بعض القضايا التي تهتم بالآن والهُنا، والأسئلة الملحة التي تشغل الساحة الثقافية العربية والكونية. كان لقاء “العرب” مع أدونيس على هامش الدورة الـ31 لمعرض تونس الدولي للكاتب.

عن معرض تونس الدولي للكتاب هذه الدعوة والتظاهرة التي تشرع للثقافة وتحض على التفكير والقراءة، في هذا الظرف الراهن الوطني والإقليمي والعربي الذي تفشى فيه الإرهاب باسم الدين، يبدأ أدونيس حديثه بشكر القائمين على معرض تونس الدولي للكتاب وما يقومون به في سبيل إعلاء راية الثقافة ودور الكتاب في حياة الفرد والجماعة أيضا.

ولكنه يعتقد أن الشكل الأول من أشكال النضال ليس ضد الإرهاب فحسب، وإنما ضد التخلف بصفة عامة. فالإرهاب، في رأيه، هو الصورة الأكثر مباشرة والأكثر وحشية للتخلف، ولهذا وجب الثناء على إقامة هذا المعرض رغم كل شيء. والشيء الثاني هو أن هذا المعرض هو فرصة للقاء بين الكثير من المثقفين العرب وكذلك بين مثقفين وفاعلين دوليين، وبذلك تكون فرصة للتعارف والحوار ودعم المشروع الثقافي ضدّ الإرهاب. وثالثا يظن أدونيس أن المشكلة العميقة للإرهاب ليست مشكلة سياسية وإنما هي بالأساس، كما يرى، مشكلة ثقافية، ومن هنا تظهر قيمة إقامة هذا المعرض في هذا التوقيت بالأساس واللقاءات الفكرية والأدبية التي يتيحها.

بعبارة أخرى تستطيع السنبلة والسوسنة والوردة والقصيدة والأغنية واللوحة التشكيلية أن تقاوم الرصاصة والدبابة والعنف، وتحفر عميقا في الوعي القطيعي للمجتمع العربي، يعلق ضيفنا على ذلك: الرصاصة وحشية وجهل وحقد على الآخر، الرصاصة أيضا تخفي عجزا كبيرا، ومن لا يستطيع أن يقنعك بعقله يقتلك. إذن هذا ليس دليلا على نظام حقيقي، النظام الحقيقي هو الذي يجب أن يكون إنسانيا ويحترم إنسانية الإنسان ويحترم الحياة. الإنسان أعطي مرة واحدة ووحيدة فرصة أن يحيا، ولذلك من يهتم بمصير الإنسان فعلا يحترم حياته وكل الإرهابيين طبعا لا يفكرون بهذه المعاني السامية للإنسان. إذن السنبلة رمز أبدي والزهرة رمز أبدي وكل ما هو جميل هو رمز أبدي، وكل ما هو قبيح كالرصاص والعنف والحقد والكراهية، كل هذه أمراض عقلية واجتماعية وفكرية، وأظن أن في الحياة العربية وفي الجسم العربي هناك شحنة مقاومة كبيرة ولن يغلب هذا الإنسان العربي أبدا.

*الإنسان يبدع هويته فيما يبدع عمله وفكره، إذن فالهوية تأتي للإنسان من المستقبل وليس من الماضي

الاستثناء التونسي

في تقييمه للتجربة التونسية وإن كانت هي الاستثناء العربي الجميل في هذه التناقضات والتجاذبات العربية والإقليمية الكبيرة، يقول الشاعر السوري: قلت وأكرر دائما أن التجربة التونسية تجربة رائدة، ويجب أن تكون نموذجا للعرب جميعا. ولذلك من المهم أن تكتمل هذه التجربة وأن تنتصر لا بالمعنى السياسي وحده، وإنما بالمعنى الثقافي والاجتماعي والحضاري بشكل عام. الحرص الأول يتمحور حول نجاح التجربة التونسية.

ومع الأسف كنت آمل أن يحتذى ويقتدى بهذه التجربة الرائدة، ولكن أظن أن هناك قوتين تخافان من مثل هذه التجارب أي من تحول العرب إلى قوة كبيرة، ليس فقط قوة جغرافية واستراتيجية واقتصادية للعالم الخارجي، وإنما قوة ذاتية خلاقة.

العالم الغربي يخاف من ذلك والقوى الظلامية في الداخل تخاف من ذلك، ولذلك تتضافر جميع الجهود الاستعمارية وبقايا الاستعمار وجميع الجهود الداخلية الرجعية لمحاولة الحيلولة دون أن يصل العرب إلى هذا المستوى من الوعي الذاتي والمعرفة الخلاقة ومن الحضور الفعال في العالم والإسهام في بنائه.

يضيف الشاعر: أعتقد أن هذا الخوف هو الذي سارع في حياد هذه الثورة عن مسارها، وهو الذي جعل القوى المعادية الداخلية والخارجية تتضافر لحياد هذه الثورة وإشعالها بطرق طائفية ومذهبية مقيتة، وبالارتباط بالخارج. يعني اليوم ليس العرب هم الذين يقومون بهذه الثورات على غرار تونس، وإنما تقوم بها قوى أخرى بعضها خفي وبعضها معلن، يعني ما يحدث ليس تقصيرا في أمد الدكتاتوريات إطلاقا أو التخلص منها، وإنما بالعكس ما يحدث يشجع على إطالة أعمار الفساد بمختلف أشكاله سواء كان سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا، لأن تغيير السلطة وحده لا يعني شيئا، الثورة تغير المجتمع بكامله، تغير الثقافة تغير العلاقات البشرية الاجتماعية وتغير العلاقات مع الآخر أيضا، وللأسف نحن لا نرى من هذا كله أيّ شيء في المسار الراهن إلا في تونس.

الحداثة وراءنا

وإن كانت عاصفة الثورة وريحها الصرصر التي هبت سريعا على المنطقة العربية قد فشلت في كنس كل أشكال الدكتاتورية والاستبداد والظلم المعشش منذ قرون في مخيال الشعوب العربية وفي لاوعيها، يجيب ضيفنا: في اعتقادي أن الإنسان العربي دائما جاهز لكي يثور ويخرج من الكهف، الإنسان العربي كفرد لديه طاقة لا تقل على الإطلاق عن طاقة أي فرد في العالم، وإنما المشكلة هي في مؤسساتنا الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، مشكلتنا باختصار هي في الأنظمة. خارج التجربة التونسية وقليلا التجربة المصرية التي يجب أن نشير إليها، كل ما يحدث في العالم العربي تقوم به القوى الرجعية والقوى الاستعمارية، فكيف يمكن لقوى رجعية يجب أن تتغير هي أولا ولقوى استعمارية معروفة أن تقوم بثورة وحركة تقدم حضاري؟ إذن هذه القوى الراهنة تطيل أمد الفساد والظلام والتخلف في العالم العربي، وتطيل أمد التبعية للقوى الاستعمارية الخارجية. وهذا مخيف ومفزع خاصة بعد أن استطاع الاستعمار أن يطور أدوات الإخضاع والسيطرة لديه بشكل كبير وسريع.

في سؤالنا عن فشل الثوراث العربية هل هو فشل لفكر النخب المثقفة العربية وكتاباتها وإبداعاتها على مرّ السنين؟ يجيب أدونيس: يمكن أن يقال الكثير عمّا يسمى النخب العربية، وأنا لا أؤمن بهذه العبارة إطلاقا.

هناك كتاب ومفكرون وأدباء وهم جزء من المجتمع ومن الشعب والحياة اليومية فقط، وكلمة نخبة تذكرني بكلمة عامة. في اعتقادي أننا شعب واحد والأفراد فيه متساوون والفرق بين فرد وفرد هو فرق في الدرجة وليس في النوع.

وإذن نحن كلنا شعب واحد لا نخبة ولا عامة، ولكن هذا طبعا لا يعني أن نسبة المتعلمين في هذا البلد أو ذاك أكثر أو أقل، وكذلك نسبة الأمية وهذه مشكلات اجتماعية وتاريخية ينظر إليها كلّ على حدة. هناك تخلف طبعا ولكن الفشل العام هو فشل مجتمع ككل وليس فشل النخب.

طبعا النخب يمكن أن يقال عنها أنها لم تكن زجرية بالمعنى الحقيقي للكلمة وفكرها بقي في إطار المصالحات والإصلاحات لا في مستوى القطيعة مع نسق معين من التفكير ونسق معين من التعبير في المجتمع العربي. وآمل أن هذه التجارب التي نمر بها اليوم أن تعمل على تغيير جذري في الثقافة العربية وأن تحدث شيئا جديدا نابعا من القطيعة مع القديم.

ويوضح ضيفنا قائلا: إحداث قطيعة مع القديم، وفي طليعتها القراءة الجديدة للبنية الدينية في المجتمع العربي.

ويجب أن يتجرأ المفكر العربي اليوم والعربي العادي أيضا أن يقوم بمثل هذه القراءة بحيث يتم الفصل كاملا بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي وثقافي واجتماعي، وهذا لا يعني إطلاقا عزل الدين عن الحياة، بالعكس إنما عزله عما يغيره ويدمره ويشوهه وعما يجعله عنفا وقتلا، ولا يتم ذلك إلا بجعل الدين تجربة فردية خاصة لا تلزم إلا صاحبها، وأنا أؤمن بحق الفرد في أن يتدين بالدين الذي يشاء، وأؤمن بحقه في أن لا يتدين، كما يجب تأويل الدين تأويلا جديدا تفرضه تجربة الحضارة وتجربة التطور الراهنة وتفرضه التجربة الإنسانية ككل.

*ما يحدث ليس تقصيرا في أمد الدكتاتوريات إطلاقا أو التخلص منها، وإنما بالعكس ما يحدث يشجع على إطالة أعمارها

ومثل هذه التجربة قام بها العرب القدامى، يعني مثلا الفلسفة قراءة جديدة للدين، التصوف قراءة جديدة للدين، الشعراء أيضا قاموا بقراءة جديدة للدين، يعني هناك سوابق في الماضي بحيث تدعونا أحيانا للقول إن الحداثة العربية اليوم هي وراءنا وليست أمامنا.

يضيف: يعني ما حدث في العصر العباسي مع أبي نواس والفلاسفة الآخرين قفزة تاريخية كبرى، احترموا الدين وجعلوه فرديا وأوصلوه لكي لا يكون عنفيا. فبمجرد أن تدخل الدين في السياسة يصبح عدوانيا. إذن هذه القطيعة التي أدعو إليها تحترم الدين الفردي، لكن المجتمع ليست شؤونه دينية، المجتمع همه وشؤونه التقدم والحرية وحقوق الإنسان والعلاقة الندية مع الآخر والإبداع والحضور الخلاق.

الهوية في المستقبل

دائما ما يطرح أدونيس في محاضراته وكتاباته مسألة جوهرية وأسئلة محرجة تتعلق بالهوية، يقول عن ذلك: أول شيء في الهوية هو أنها ليست إرثا. الإنسان لا يرث هويته كما يرث بيته أو حقله وإلا ستكون الهوية عمياء لا معنى لها. ثانيا لا يمكن أن تكون الهوية عميقة في مجتمع كالمجتمع العربي الذي يكرس الانتماء الأول إلى عائلته وقبيلته وطائفته أو إلى السلطة القائمة. إذن فهو لا يملك هوية وإنما لديه انتماء.

الهوية وعي وعمق وانفتاح ولذلك فالهوية الحقيقية هي الخلاص من هذا كله بحيث تصبح إبداعا، الإنسان يبدع هويته فيما يبدع عمله وفكره. وإذن الهوية تأتي إلى الإنسان من المستقبل وليس من الماضي، تأتي من علاقته بالآخر الكيانية والخلاقة.

الذات العربية غير موجودة إلا بوصفها جزءا من كل إنساني ولذلك الآخر أيا كان هو جزء مني كعربي، وهذا ما قام به المتصوفة حيث قالوا “الآخر هو أنا” بينما قال رامبو عكسهم “الذات هي أنا”. وهذا ما مارسه العرب في فلسفتهم التي قامت على الانفتاح وعلى الجمع بين العقل اليوناني والدين الإسلامي، وهذا مثل حي على انفتاح الهوية. الهوية تأتي بالتفاعل مع رؤية مستقبلية ولا تأتي كخشبة يحملها الإنسان على كتفيه من أسلافه.

*الفصل الكامل بين ماهو ديني وبين ما هو سياسي وثقافي واجتماعي ضروري، وهذا لا يعني إطلاقا عزل الدين عن الحياة

قصيدة النثر

يعتبر الشاعر السوري أدونيس أن الدور التعبوي الملحمي الذي يلعبه الشاعر والمبدع عموما في القديم بوصفه لسان حال القبيلة، يجب أن يتغير.

ويقول: الشاعر ليس ناطقا باسم حزب أو أيديولوجيا أو باسم دين، وإنما هو ناطق فقط باسم الشعر وباسم ذاته وتجربته. لذلك أنا ضد جميع أشكال الأدب الذي يسمى ملتزما، والأدب الملتزم في كل الشعوب وعلى مر التاريخ لم يقدم أي أثر أدبي عظيم، ويجب أن نكون ضد هذا النوع من الالتزام حتى نجعل من الشاعر أولا يعرف نفسه قبل أن يتصدّى إلى معرفة الآخرين، الشاعر الذي يكتب قصيدة جميلة عن الحب والجمال والعلاقة بالآخر وقصيدة جميلة عن الوردة هو أيضا شاعر ثوري.

الشعر في ذاته ثوري لأنه في ذاته يعيد النظر إلى العالم ويقيم علاقات جديدة، ومن هنا كل نفس أيديولوجي فيه يفسده، ولذلك كل شعر وأدب الالتزام في العالم هو أدب ثانوي ولا قيمة له، الشعر إذا حددته قتلته، وأجمل ما في الشعر أنه لا يحدد وأنه منفتح كالفضاء.

يضيف أدونيس: قصيدة النثر تطورت كثيرا بحيث أصبحت واسعة وتحتاج إلى نقاد يصنفون طرق التعبير فيها، ويصنفون البنى التي تولدت بها وعنها، وهذا مع الأسف لم يحدث كليا بعد مرور خمسين سنة تقريبا على ولادتها، وقصيدة النثر لم تدخل عضويا في البنية الثقافية العربية، حيث هناك أناس ينكرونها إلى اليوم، ولم تدرس وتؤطر نظريا، ولكن قصيدة النثر موجودة وتتطور وهناك أصوات جميلة ومبدعة فيها.

 

نقلاً عن: العرب