على مدار الساعة
أخبار » صحافة المواطن

حماس واستنساخ الأجهزة الأمنية للسلطة

03 كانون أول / يناير 2017
شرطة غزة
شرطة غزة

كتبَ رامي خريس على

تعثّرت قبل أيّامٍ قليلة بالصدفة بخبرٍ قديمٍ عن حفل تخريج دفعة من قوّات الشرطة الفلسطينيّة التابعة لحركة "حماس" في غزّة مطلع العام الفائت. أهمّ ما كان يُميّز الخبر هو احتواؤه على عددٍ كبيرٍ من الصور التي رصدت مُجريات ما حدث أثناء الحفل. وقد لفتتني بشكلٍ خاص صورة لضابطٍ مُلتحٍ في الخمسينات من عمره وهو يعزفُ على آلة القربة على هامش استعراض حرس الشرف. تأمّلت الصورة مطوّلا وقلتُ لنفسي أنّها تستبطن إلى حدودٍ بعيدة جانبا أساسيّا من تجربة "حماس" خلال العقد الماضي، أي منذ سيطرتها على غزّة صيف العام 2007 ومن الشوط الكبير الذي قطعته منذ ذلك الوقت على طريق تجسّدها كـ "سلطة وطنيّة" على أرض الواقع. 

فحماس التي كان أوّل قراراتها حين تسلّمت وزارة الداخليّة عام 2006 السماح لمنتسبي الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة بإطلاق لحاهم، في خطوة عُدّت الأولى آنذاك على طريق "أسلمة" جهاز الحكم وعودته إلى احتضان المظاهر الإسلاميّة بدون قيود، هي ذاتها الحركة التي انخرطت منذ العام 2007، وبدأبٍ شديدٍ، لبناء "جمهوريّة" صغيرة استلهمت فيها كلّ سمات الجمهوريّات العلمانيّة الحداثيّة ورموزها وتقاليدها. ولم يكن استدخال طقسٍ كعزف القِرَب ضمن ممارسات السلطة العسكريّة سوى مظهرٍ واحدٍ من مظاهر هذا التوجّه الذي تكيّفت "حماس" معه بشكلٍ لافت (دخل عزف القرب إلى الجيش البريطانيّ من خلال المحاربين الإسكتلنديّين في صفوفه وبشكلٍ عفوي قبل أن يجري اعتماده رسميّا كعلامة مميّزة للطقوس العسكريّة أواسط القرن التاسع عشر ليتحوّل لاحقا إلى تقليدّ تتّبعه كلّ جيوش العالم الحديث). 

 بهذا المعنى، كانت "حماس" تُضفي على أجهزتها الحكوميّة طابعا إسلاميّا، لكنّها كانت تُعيد في الجوهر استنساخ جهاز السلطة الفلسطينيّة الذي أسّسته "فتح" مطلع التسعينات بكلّ عناصره تقريبا، بدءا بتضخيم المكوّن الأمنيّ في الجسم البيروقراطيّ، مرورا بتأهيل الكادر الشرطيّ لمهمّة التصدّي لأعمال الشغب وقمعها بما في ذلك إنشاء وحدة احترافيّة للكلاب البوليسيّة، وصولا إلى إعادة تشكيل هيئات "التوجيه السياسيّ المعنويّ" (وهذه الأخيرة كانت بالأساس مُحاكاة فتحاويّة مشوّهة لاستراتيجيّة بناء "الجيش العقائدي" في نظام البعث السوريّ)، أي أنّ الحركة لم تسع في الواقع لخلق نموذجها الخاص المُتميّز على أنقاض النظام القديم وإنّما أعادت بعثه مُجدّدا بقضّه وقضيضه بعد أن ألبسته اللحية فحسب. ومن الواضح أنّ هذه العمليّة أخذت وتيرة أكثر عمقا وتسارعا بالترافق مع سعي "حماس" لاكتساب نوعٍ من المشروعيّة والقبول الدوليّين (أنظر هنا إلى الجهود الذي تبذلها شرطة "حماس" في تأمين الوفود الأجنبيّة الرسميّة التي تزور غزّة وحرصها على إظهار طابعها الاحترافي في هذا المضمار مثالا). 

 هذا التمثّل النوعيّ من قِبل "حماس" لكلّ عناصر الحلم الوطنيّ الفلسطينيّ ببناء الدولة المستقلّة ولشعارات حركة التحرّر الفلسطينيّة وطقوسها وإرثها البيروقراطيّ رغم خلفيّة الحركة الإسلاميّة ربما يدفعُ إلى الاستنتاج بأنّ الحدود التاريخيّة لمشروع "حماس" إنّما تتمثّل حصرا في وراثة المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ كما تجسّد بعد أوسلو (أي ببساطة شديدة وراثة كرسي التفاوض الفتحاويّ مع إسرائيل). وعلى هذه الخلفيّة يُمكن فهم تصريحات موسى أبو مرزوق الأخيرة حول الفدراليّة بين غزّة والضفّة، أي بوصفها تجسيدا لانحدار مشروع الوراثة هذا ضمنا إلى مجرّد الحفاظ على مكتسبات دويلة غزّة حتّى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

متعلقات
انشر عبر