Menu
حضارة

الأسرى الفلسطينيون: معاناة وحلم بميلاد جديد

سليمان أبو إرشيد

في نفس الوقت الذي تكشف فيه قضية النائب باسل غطاس عن التعامل مع العرب كمشبوهين، يتوجب إخضاعهم للرقابة الأمنية حتى لو كانوا أعضاء كنيست، فإنها تسلط الضوء على معاناة آلاف الأسرى ال فلسطين يين، الذين يقعون تحت وطأة ظروف أسر قاسية ومعاملة انتقامية تحرمهم من أبسط الحقوق الإنسانية التي تتوفر للسجناء اليهود جنائيين كانوا أو سجنوا على 'خلفية قومية'، من أعضاء 'التنظيم الإرهابي اليهودي' وحتى يغئال عمير.

مثلما قامت إسرائيل ولم تقعد في حالة جثامين الشهداء، في قضية الأسرى أيضا تخرج القضية عن نطاقها المحدد لتتحول إلى حالة تحريض على العرب لا يتخلف عن قيادتها، كالعادة، رئيس حكومة المستوطنين بنيامين نتنياهو، الذي يعتبر الحرب على العرب في إسرائيل مثل الحرب على أي جزء آخر منهم، يفترض بالقيادة السياسية إدارة دفتها.

 تحتجز إسرائيل في سجونها 7000 أسير فلسطيني، بينهم 750 معتقلا إداريا وأكثر من 400 طفل و70 امرأة، أقدمهن الأسيرة لينا الجربوني من عرابة البطوف، التي أمضت في الأسر أكثر من 15 عاما، إضافة الى 30 أسيرا أمضوا أكثر من 20 عاما، هم أسرى من الداخل الفلسطيني، أقدمهم الأسرى كريم يونس وماهر يونس ووليد دقة، الذين أمضوا أكثر من 30 عاما خلف القضبان.

وترفض إسرائيل الاعتراف بانطباق اتفاقيات جنيف على الأرض الفلسطينية المحتلة والاعتراف بالأسرى الفلسطينيين كأسرى حرب ومقاتلين من أجل الحرية، وبهذا فهي تحرمهم من الحماية المقررة لهم وفقا لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وبدلا من ذلك تعاملهم وفق لوائح خاصة صادرة عن مصلحة السجون الإسرائيلية خاصة 'بالسجناء الأمنيين'. علما أن صفة 'السجين الأمني' تطلق على كل من أدين وحكم عليه جراء ارتكاب جنحة، أو معتقل جراء الاشتباه بتنفيذه لجنحة، التي بناء على ماهيتها أو ظروفها، صنفت على أنها جنحة أمنية بائنة، أو أن الدافع لارتكبها كان على 'خلفية قومية'.

ويقتصر تعريف 'السجناء الأمنيين' على العرب الفلسطينيين ويستخدم لإساءة ظروف اعتقالهم وشروط إطلاق سراحهم، ولم يتم تطبيق هذا التعريف على أي يهودي قام بتنفيذ عملية ضد عرب على 'خلفية قومية'، ما يعني أن من يقتل أو يحاول قتل عربا يتم سجنه بظروف جيدة ومن يقتل أو يحاول قتل يهود يتم سجنه تحت أقسى الظروف ولا يتمتع بأية تسهيلات، والأمثلة كثيرة على ذلك، من عامي بوبر ألى أبروشمي إلى أعضاء الخلية الإرهابية اليهودية الذين حاولوا تفجير عربة مملوءة ببراميل الغاز في مدرسة صور باهر وخططوا لتفجير المسجد الأقصى، ومن المفارقات في هذا السياق، تصنيف اثنين من الثلاثة الذين قاموا بنقل استشهادي لتنفيذ عملية في نتانيا 'سجناء أمنيين' لأنهما عرب، وتصنيف الثالث سجين جنائي لأنه يهودي، رغم أنه لعب دورا مركزيا في عملية النقل.

الاستثناء الوحيد كان يغئال عمير، حيث تم تصنيفه استنادا إلى هوية الضحية (يهودي)، لكنه (الجاني) يحظى بظروف سجن محسنة استنادا إلى هويته، زيارة أسبوعية بدون جدار عازل ومحادثة هاتفية يومية، ناهيك عن الحق بالخلوة مع زوجته، وهي أمور لا يحلم بها 'الأسرى الأمنيون'.

الاجحاف لم يقتصر على ظروف السجن، بل إن الأمر كان أكثر سوء عندما تعلق في مجال تحديد العقوبة، فلم يحظ الأسرى الفلسطينيون المواطنون في إسرائيل والمحكوم عليهم بالسجن المؤبّد بتحديد فترة حكمهم أو بالإفراج المبكر عنهم، حتى وقت قريب، وعندما تم ذلك مؤخرا، حيث حدّد رئيس الدولة الإسرائيلي فترة عقوبة سبعة سجناء فلسطينيين من مواطني إسرائيل محكوم عليهم بالسجن المؤبّد، حوكموا قبل اتفاقيات أوسلو، وهم في السجن منذ 25 سنة على الأقل، حين حدّد رئيس الدولة عقوبتهم بناءً على توصية وزير القضاء فقد اختار العقوبة الأطول (37 - 40 عاما) من بين العقوبات التي أوصت بها اللجنة. علما أنه على مدار السنين حظي السجناء اليهود بمظاهر العطف من مؤسسة الرئاسة ولجان الإفراج المختلفة التي منحت العفو لهؤلاء وحدّدت بعقوبات سهلة نسبيًا، وأوصت بالإفراج المبكر عنهم بعد قضاء سنوات قليلة.

والحال كذلك، فإنه في حين كان يستمتع أعضاء التنظيم الإرهابي اليهودي، قبل أن يتم إطلاق سراحهم، بنزهة على شاطئ نتانيا ويخلو يغئال عمير بزوجته في الغرفة المفروشة التي أعدتها مصلحة السجون لهذا الغرض، يحرم الأسير كريم يونس، الذي يمضي عامه الـ34 خلف القضبان، من إلقاء نظرة الوداع الأخير على والده المتوفي، وما زال وليد دقة الذي يلتقي زوجته من خلف حائط زجاجي، يحلم بـ'ميلاد' طفل لم يولد بعد ويبحث عن معنى للحياة.