Menu
حضارة

مشروع حماس الجديد والانعطاف السياسي الأخطر

أرشيف: موظفو حكومة حماس يعتصمون للمطالبة بحقوقهم المالية

مهند عبد الحميد

تمنع حركة حماس «حكومة الوفاق» من الالتقاء مع موظفيها، ومن الخروج من الفندق أو من استقبال الموظفين والزوار، وبالكاد سمحت أجهزتها  لوزراء الحكومة بالعودة إلى الضفة الغربية. 

لم يكن سلوك الحركة ناشزا هذه المرة وفي المرات السابقة ايضا، يوجد لدى حماس بند واحد هو حل مشكلة الموظفين ودفع الاموال، وما عدا ذلك، لا يوجد شيء مشترك، إنها تحكم السيطرة على القطاع وترفض اية شراكة جدية في الحكم إلا إذا كانت شراكة رمزية استخدامية بلا مضمون.

وفي تصعيد لافت أعلنت سلطة حماس عن فرض ضريبة خاصة بقطاع غزة، في إشارة إلى عزمها فصل القطاع عن الضفة. 

ترفض حركة حماس نقل السلطة بالتراضي والاتفاق أو عبر صندوق الاقتراع، ومن يعود إلى الماضي لن يتفاجأ، فقد كانت الحركة تبني سلطة  مسلحة موازية بدعوى مقاومة الاحتلال، ثم فازت في الانتخابات التي رأت فيها انقلابا سياسيا شاملا قافزة عن مرجعية المنظمة، وعن طبيعة النظام الفلسطيني الرئاسي – البرلماني المختلط، ثم دبرت انقلابا عسكريا شاملا أفضى الى سيطرتها الكاملة والمحكمة على قطاع غزة بدعوى أن الاجهزة الامنية وتنظيم فتح يشكلان عقبة أمام مقاومتها للاحتلال.  ومنذ ذلك اليوم ابرمت الهدنة مع دولة الاحتلال التي لم يعكر صفوها إلا  ثلاثة حروب.

قلما يتم ربط سياسات حماس ومواقفها بأيديولوجيتها ومرجعيتها التنظيمية (حركة الاخوان المسلمين - وتنظيمها الدولي).

يستوقفني قول قيادي من إخوان مصر الحاج مصطفى مشهور، ورد في كتاب سر المعبد / الاسرار الخفية لجماعة الاخوان المسلمين للقيادي السابق المحامي الشهير «ثروت الخرباوي: سنعيد قسم الوحدات المسلحة، فلا حياة للاخوان بغير هذا القسم، هل تتصورون دولة بلا أمن وبلا جيش ؟ نحن دولة بل نحن اكبر من دولة، نحن أمة الاسلام ويجب أن يكون لهذه الامة أمن وجيش.. وعن قريب سيكون للاخوان قوة تحميهم».

وقال: «إن الإخوان لديهم خطة سيصلون الى الحكم من خلالها»، وخطة التمكين تقوم على السيطرة على الجيش والاعلام والقضاء، هذه ثلاث ركائز إن سيطرنا عليها كان طريق وصولنا للحكم ميسرا».

وينطلق الاخوان «اتجاه سيد قطب» صاحب النفوذ الاكبر من «تكفير مجموع المسلمين وليس فقط الحكام والانظمة».

قد يقول البعض ان هذا الاتجاه لا وزن له، لكن الوقائع تعاند ذلك الاعتقاد. فعندما نقد القرضاوي التكفير في فكر سيد قطب، انبرى محمود عزت ومحمد مرسي للدفاع عن قطب باسم جماعة الاخوان. قال محمد مرسي: عندما قرأت سيد قطب وجدت فيه الاسلام، نحن لا نعتبر نصوص سيد قطب تكفيرية «وردا على سؤال هل تعتبرون «معالم في الطريق» كتابا للاخوان؟ قال مرسي الذي اصبح رئيسا لمصر: إن ما يقوله سيد قطب هو الاسلام».

وإضافة للتكفير وامتلاك القوة، هناك قضية شديدة الاهمية في فكر الاخوان هي الموقف من الديمقراطية التي تعتبر حراما.

نعم، لا يعترف فكر الاخوان بالديمقراطية إلا من باب الاستخدام لمرة واحدة او لمرات مضمونة النتائج.

حماس تتبنى فكر الاخوان، هذا ما اعلنته قيادتها، وما تنص عليه وثائقها. وهذا ما تؤكده تجربتها في الحكم. إنها تبني سلطة دينية مدعمة بالقوة  وبفكر وغير مهيأة للتبادل، وكل ما تسعى اليه بعد حسم السيطرة الشاملة الداخلية، هو الحصول على قبول إسرائيلي مباشر يسمح ببناء وترسيخ مقومات الامارة الاسلامية في القطاع.

السؤال الذي يطرح الآن بقوة، هل تنتقل العلاقة الحمساوية - الاسرائيلية من تواطؤ ضمني عنوانه القبول الاسرائيلي بسلطة حماس ليس كأمر واقع، بل كعامل كابح لانتقال الوطنية الفلسطينية الى الدولة المستقلة عن الاحتلال، الى اتفاق على إقامة الامارة الحمساوية في القطاع والاستجابة لمتطلباتها ومقوماتها كالسماح بإقامة ميناء ومطار يربطها بالخارج  ويفصلها نهائيا عن الضفة الغربية. 

هذه الاقوال ليست تحليلا سياسيا مجردا، فثمة مفاوضات إسرائيلية حمساوية، «اعترف أحمد يوسف القيادي في حماس بها من خلال ما سماه «دردشات «بين الحركة واسرائيل بوساطة اوروبية».

وقال: هناك دردشات تتعلق بملفي التهدئة والميناء تنقلها جهات اوروبية بيننا وبينهم، وأضاف: «الهدف ايجاد مخرج لقضية الحصار بفتح ممر بحري للتواصل مع العالم الخارجي».

أما اليكس فيشمان فقد أكد أن إسرائيل تجري حوارا مع حماس للوصول الى اتفاق تهدئة طويل الامد، وكشف أن ممثلين عن حكومة اسرائيل واجهزة الامن يجرون حوارات مع حماس بمستوى مباشر وبمستوى غير مباشر. 

وكشفت تقارير إسرائيلية أن مسؤولين قطر يين كبارا توجهوا إلى إسرائيل وشاركوا في الوساطة غير المباشرة.  

الحوار بحث إعادة الإعمار وبناء الميناء في غزة، وعرضت حماس تهدئة لمدة 15 عاما، ويحظى الحوار بدعم رئيس الأركان «غادي ايزنكوت» والجنرال «يوآف مردخاي» منسق شؤون الحكومة الاسرائيلية.

إذا عدنا للمطالب التي طرحتها حركة حماس في المفاوضات الاولى لوقف إطلاق النار بعد الاسبوع الاول من العدوان الاسرائيلي الاخير، كانت إعادة بناء المطار والميناء والافراج عن المحررين في صفقة شاليت وفك الحصار.

لم تتضمن حزمة المطالب أي مطلب يدعو الى وقف الاستيطان والى وقف تهويد القدس والى إعادة ربط  قطاع غزة بالضفة الغربية.

تلك المطالب والسلوك على الارض يشير الى انفصال حماس عن المسألة الوطنية وحصر أهدافها ومطالبها في إقامة إمارتها في قطاع غزة.

إن تلك المطالب تعني تكريس فصل القطاع عن الضفة والقدس، وتعني إخراج قطاع غزة من معركة إنهاء الاحتلال الاسرائيلي المباشر وغير المباشر للاراضي الفلسطينية. تعني غض النظر عن استمرار الاستيطان واستمرار تهويد مدينة القدس وممارسة التطهير العرقي فيها وفي 60% من اراضي الضفة الغربية. تعني خروج قطاع غزة من المعركة السياسية والدبلوماسية والقانونية والاقتصادية ضد دولة الاحتلال التي تشارك فيها شعوب ومنظمات ودول في كل أنحاء العالم، بل وإضعاف انخراط الشعب الفلسطيني في البحث عن مسار بديل لمسار المفاوضات.

ما يحدث في السر والعلن، ينبئ بانعطاف سياسي خطير، يستدعي وضع النقاط على الحروف، والشروع بتحرك مضاد يشارك به المجتمع لقطع الطريق على حدوث مثل هذه الصفقة. يستدعي التوقف عند واقع المنظمة والحكومة والاحزاب والتنظيمات  والمؤسسات والخطاب والثقافة التي يدعم ضعفها وهشاشتها الانقسام الاخطر في تاريخ الشعب الفلسطيني.