على مدار الساعة
أخبار » ثقافة وفن

لبنان.. رحيل الفنان اليساري المُخضرم "سليمان الباشا"

07 كانون ثاني / يناير 2017
الراحل سليمان الباشا
الراحل سليمان الباشا

بيروت _ بوابة الهدف

لطالما ردد في جلساته العائلية والإجتماعية أنه عاش كثيراً، عندما بلغ الثمانين قال: "بيكفّي هالقد"، وبعد 5 سنوات أردف: "هيتها طويلة"، وفي التسعين من عمره أسلم الفنان المُخضرم سليمان الباشا الروح، تاركاً أناساً أحبهم، وطبيعة خلابة في بلدته الشوفية "دميت" التي تفرّغ لطبيعتها عشر سنوات كاملة شكّلت الجزء الحميمي من شخصيته العاطفية الرقيقة الودودة، رغم هامته الطويلة ووجهه المُتجهم الذي سرعان ما ينقشع عن ابتسامة طفولية بريئة. غادرنا الفنان الباشا.

كان يُنادى تحبباً واحتراماً "يا باشا"، وهو يردّ: "طالع معكن واحد مصري"، واللقب الذي أحبه أكثر "بابا" وتكاد الأعمال التي شارك فيها مسرحياً وتلفزيونياً تأخذه كلها في اتجاه صورة واحدة وهي الأب، ومنذ التحق بفرقة "المحمصاني"، ثم "أبو ملحم" وصولاً إلى آخر أدواره عام 2007 يوم قرّر الاعتزال، كانت صورته الصارمة عن حق كأب لا يتهاون أمام أخطاء أبنائه، وتحولت الوقائع إلى رسالة يلتزمها هذا الفنان في كل إطلالاته، ولعب في مُسلسلات كثيرة دور الأب لمُعظم الفنانين الشباب في عصره.

تقلب الفنان الراحل في العديد من المهن، ثم المهمات الحزبية النقابية والخدماتية في الحزب التقدمي الاشتراكي، وصولاً إلى خدمة زملائه الفنانين كنائب رئيس لنقابة الممثلين في عهد الفنان "إحسان صادق"، وكان من شدة حبه للتمثيل لا يسأل عن أجر أو بدل في الكثير من الأوقات، ويكاد يكون بمثل طهارة المولود حديثاً فلم يتخاصم مع زميل أبداً، المُواجهة البسيطة كانت مع الفنان "أديب حداد" على خلفية التحدّث بالقاف، وهنا ارتأى عليه "أبو ملحم" عدم التحدث بها لأنه لا يجوز أن يتحدث أحد الممثلين بالقاف أفضل من بطلها ومؤلفها.

سليمان الباشا:

ولد سليمان الباشا عام 1925 في بلدة دميت في مناصف الشوف، وانتقل مع والده والعائلة الى بيروت في سن مبكرة، وكانت الشرارة الأولى لغرامه بالفن عندما فتح والده خطّار متجراً قرب مسرح مدرسة "رأس بيروت العلْوي" وهو الذي بقي الى جانب والده في المتجر. في هذا الوقت كانت الظروف تُعاكس الأب خطار فلم تمكنه من مساعدة ولده على إكمال دراسته، إلا أن ذلك لم يُثنِ الابن سليمان من متابعة تحصيله العلمي في بعض المدارس الليلية المجانية في رأس بيروت.

في العشرينات من عمره دُعي سليمان الباشا الى عرض مسرحي لعبد الحفيظ محمصاني في بحمدون. وبعد مشاهدته لمعت الفكرة في ذهنه، فراح يتردّد على فرقة محمصاني خلال فتراتها التدريبية في ساحة البرج في وسط بيروت. أصرّ سليمان على امتهان التمثيل وبعد مُوافقة الأهل التحق سليمان الباشا بفرقة محمصاني "من دون أجر". إلا أن الخطوة الأولى بدأت ومن خلال التعارف على الوجوه الفنية، مثّل الباشا في مسرحيّة "فيرجيني" المأخوذة عن رواية "بول وفيرجيني" للأديب الفرنسي برناردين دو سان بيار، وقدّمت في حينه في مناسبة الاستقلال في 22 تشرين الثاني 1943.

عام 1945 كان له دور نقابي من خارج الفنحيث انتخب نقيباً لعمال الكوي والتنظيف، وبعدها مديراً لمغاسل فنادق "كومودور" و"كابيتول" في لبنان. وفي العام 1951 كان له دور نقابي أيضاً إثر انتسابه إلى "الحزب التقدمي الاشتراكي".

بعد ثلاث سنوات على تأسيس "تلفزيون لبنان"، كان له دور الأب في مسلسل "تحت السنديانة" للكاتب جورج طويل، وشارك فيه إلى جانب نزهة وهيام يونس وإحسان صادق وإيلي صنيفر، وغيرهم. وحينها كان البث على الهواء مباشرةً. لم يتلق الباشا أي أجر لمُشاركته في هذا المسلسل، في وقت كانت فيه أجرة الممثل في حلقة البث 15 ليرة لبنانية". في هذا الوقت، كان إحسان صادق قد بدأ العمل ببرنامج "صندوق الفرجة" فكان للباشا دور كبير فيه ولاقى البرنامج رواجاً في المجتمع اللبناني على مدى أربع سنوات.

وكرت السُبحة ليسطع نور سليمان الباشا بعد مشاركته في مسلسل "حكمت المحكمة" (1963) لالياس متى، و"كانت أيام" (1964) لباسم نصر، وكان لافتاً الأدوار التي كان يتخذها والتي كانت تًجسد شخصيته الحقيقية كابن الجبل المُتشدد والمُتمسك بالعادات والتقاليد. إلا أن الدور الذي بقي في ذاكرة اللبنانيين هو من خلال مشاركته في مسلسل "أبو ملحم" لأديب حداد، الذي ظلّ يعرض بنحو متقطّع بين عامي 1967 و1976.

في المسرح رافق سليمان الباشا جلال خوري في العديد من أعماله منها "جحا في القرى الأمامية" (1972) و"القبضاي" (1973)، و"الرفيق سجعان" (1974). كما وقف على الخشبة إلى جانب نضال الأشقر، وأنطوان كرباج، وليلى كرم، في مسرحية أخرجها برج فازليان، وكتب موسيقاها زياد الرحباني عن نصّ التركي خلدون ثائر بعنوان "أبو علي الأسمراني" (1974). كما وضع بنفسه نصوصاً أخرجها، وجال بها على المناطق خلال السبعينيات، وصولاً إلى القرى الجنوبيّة، منها "الموظف الكبير"، و"مصيبتي ابني"، و"استشهد غصب عنو".

شارك الباشا سينمائياً في فيلم "القناص" (1980) للمُخرج العراقي فيصل الياسري، وفيلم "شبح الماضي" (1985) لجورج فياض.

كان سليمان الباشا عراباً اكتسب هذه الميزة من خلال موقعه النقابي والإنساني، فانحاز إلى حقوق زملائه الفنانين، وحلحلة مشاكلهم الوظيفية والإدارية. لهذا، كان من الساعين إلى ولادة نقابة تحضنهم، فأسهم في تأسيس نقابة الفنانين وفي تنظيم أمورها. وتمكن مع العديد من زملائه من تأسيس "صندوق التعاضد" للفنانين المنتسبين إليها عام 1999، وكان برئاسة إحسان صادق، فيما تولّى سليمان الباشا مسؤولية نائب الرئيس.

امتهن سليمان الباشا التمثيل مُتعة من دون أجر في كثير من الأحيان، قبل وبعد أن كان "تلفزيون لبنان" رائد المواهب والطاقات الفنية في لبنان والعالم العربي،زمن جميل ولّى.

"سليمان الباشا" من الأسماء الراسخة في الأذهان كصاحب أدوار مُحترمة، تحمل مضامين إيجابية ومبادئ لا تستوي الحياة الصحيحة من دونها.

متعلقات
انشر عبر