Menu
حضارة

محـــاربة من ؟

د. هيفاء حيدر

إذا لم تستحي قل وأفعل ما شئت، جملة  تكاد لا تكفي لتوصيف حال وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري وهو يبذل قصارى جهده في تجميع بنات أفكاره للقول حول"أهمية محاربة الأفكار التي تنشرها عصابة داعش الإرهابية لإجتذاب الشباب إليها"، وليس هذا وحسب ويا ليت السيد  كيري قد توقف عند هذا الكلام وسكت عن الكلام المباح، فقد أردف قائلاً:"علينا مضاعفة الجهود لمنعهم من ارتكاب خطأ فادح بالإنضمام الى داعش ومن ثم السفر ومحاولة العبور الى داخل سورية"، فلمن يوجه خطابه بالتحديد؟

لقد دأبت الولايات المتحدة وعلى مدى عقود مضت في تلطيخ صورة المنطقة بالألوان التي تريد وتضفي عليها ما تشاء من مساومات ومفاوضات وتبرم العقود والإتفاقيات في التقسيم وإعادة التقسيم الى أن وصلت الى مرحلة بات معها المقسم عصياً على التقسيم لضألته وضعفه، وكل هذا بفضل بركات العالم الجديد ورسم خريطته على أساس من المصالح سوف لن ينالنا منها سوى هدر المزيد من الثروات وسفك المزيد من الدماء، وما داعش سوى أمثولة مصغرة عن الحلم الأمريكي في خلق منطقة مستقرة لمصالحة ، تنبت فيها كل عناصر التطرف والمغالاة فيه بعدما أتمم كيري نفسه الأستعداد لهكذا ظرف  وهيء كل العوامل الذاتية والموضوعية لتقبل ذلك، وليس من الآن وحسب بل من عقود تعود الى بدايات العقد السابع من القرن العشرين عندما كان أسلافه يروجون لمشروع روجرز في المنطقة، وها هو الزمان المناسب والأدوات المناسبة قد بدأت تؤتي بثمارها لقد إنتهى عهد القاعدة في أفغانستان بشكله وحلته الذي ظهر بها إبان ما كانوا يهابونه من المد السوفيتي في الفترات الماضية، وربما شب َ الوليد الذي بات رجلاً اليوم وخرج عن الطوق المرسوم له قليلاً لكنه لم يغادر البته كنف كيري ومن حوله من تحالفات وأقطاب أراد لها أن تدخل مع غيرها في هذه المنطقة في حروب وصراعات عرقية ومذهبية لا يعلم سوى الله وكيري نفسه متى تنتهي، نفسها داعش اليوم سعيدة للغاية لتصريحات كيري، وحال نفسها تقول: لقد علمتني الرمي وأشتد ساعدي وما عليك سوى أن تستمر في مدي بالسهام وتمهد لي ما شئت من الصحارى والقيافي والمدن، فعن أي إرهاب يحاول السيد كيري أن يتحدث؟ ألم يعمل جاهداً ويمني نفسه عناء تعب جولات مكوكية بين الشرق والغرب وخلجان المنطقة كي يدعم ربيعاً دامياً سالت به الدماء أكثر مما سالت في كل الحروب التي خاضتها نفسها الولايات المتحدة بكل عدتها وعتادها، أم عن قوة الإرهاب الذي شاؤوا فرضه لحرية مزعومة عمادها تقسيم وتوزيع ثروات ومنابع النفط ومنتجاته وكل مشتقاته من جديد، أليست هذه نظريتهم التي سوقتها كونداليزارايز عن محاسن الفوضى الخلاقة في زمن ما بعد الحدائة التي ستضيء مشاعل نور وعدل ومساواة وحقوق انسان ضجرت منها وملت سطور الإتفاقيات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان المهدورة، وما عدنا قادرين على عد المكاييل المزدوجة التي تمارس تحت مسمياتها ثورات المزعوم الربيع العربي. والأدهى والأمر أن السيد كيري يخاطب نظيره التركي أوغلو بأن عليهم التعاون في صد الإرهاب القادم من بوابة داعش، نفسها داعش التي شُرعت لها بوابات تركيا والخليج وسخرت لها المطارات وما زالت تلقى لها المساعدات والسلاح  من البر والجو ومن قبل دول نفس الأشخاص الداعين لمحاربتها، فمجنون يتحدث وعاقل  يسمع فلا المجنون يقف عند حد لجنونه ولا العاقل بات قادراً على تحمل عقله أكثر، فمن يريد أن يوقد النار على فوهة البركان عليه أن يتحمل اليوم بأن السيل الجارف من النار سيأخذه معه. وسوف لن تنفع كل التصاريح و الوعود المزيفة بعد اليوم بما يسمى محاربة الإرهاب.الشباب العربي وغيره ممن ينضوون تحت راية داعش اليوم هم حصيلة سياسات التآمر على المنطقة وشعوبها وثرواتها ، وهم نتيجة كان لا بد منها لفكر متطرف يقال أن الإسلام بريء منه على ذمة من يعرف الإسلام اليوم حق المعرفة وكأنه عاش في كنف دولة الخلافة التي تركها الرسول الكريم بعد أن أتمم دينه علينا.

أوغلو بدوره أكد لكيري أن :"بلاده ستبذل قصارى جهدها في اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها أن تحد من تدفق المقاتلين الأجانب االذين يسعون للإنضمام الى داعش في سوريا.
واعتبر وزير الخارجية التركي أن الشرق الأوسط يشهد "فترة حرجة"، وكشف أن تركيا أدرجت على لائحتها للممنوعين من دخول أراضيها 12800 شخص يشتبه في سعيهم للتوجه إلى سورية والعراق"، عن جد؟ نكاد لا نصدق مدى صدق وورع وكم هم أتقياء يضعون مخافة الله بين عيونهم، يوصف الإرهابيين بالمقاتلين وربما لو تسربت معظم الأحاديث في اللقاءات لقالوا عنهم مقاتلين أشداء في نصرة الحق والإستشهاد في سبيل دين الله، لكن للأسف ما يرشح من معلومات يبقى يمر بقنوات غير نظيفة حتى يصل لمسامعنا، وأكثر من ذلك عندما أستنفرتم لقيام الحرية ونصب أعمدة الديمقراطية في عالمنا العربي  فكيف غاب عن ذهنكم أن من استقدمتموهم زوراً وبهتانا كانوا لديكم عصابات تدربت وقوي ساعدها في بلادكم وحيث ما كنتم تشاؤون وبمال عربي للأسف ونفط عربي كذلك، فما طبيعة الإجراءات التي أنتم بصدد أخذها اليوم؟

وعن أية حدود تتكلمون تلك التي استبحتم أرضها من الشمال السوري إلى الشرق العراقي إلى أقاصي المغرب العربي؟  وماذا عند تلك الأرض الموعودة الغافية بهدوء وسلام تنتظر نهاية الربيع حتى تتمتع بشمس وفاكهة الصيف القادم حيث هم أيضاً ما زالوا موعودين بأن يحلون ضيوفاً على ضفاف دجلة  والفرات وبضيافة داعش نفسها التي تحاولون إيهامنا بمحاربتها، أم إنكم تمارسون نوعاً من الدهاء السياسي علينا بأن  حدود الخلافة القادمة ستبقى حتى لو لم تقم الحق وتنصب العدل وما عليكم سوى الإعتراف بواقع الحال لمن وضع اليد واستولى على الأرض  فليبقى الحال على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجوء للقضاء قضائكم الجاهزة محاكمه وقضاته في لاهاي وجنيف ؟

 لا نخفيكم سراً أننا بتنا نخاف على قصارى جهودكم أن تذهب سدى، دون نفع يذكر، إذ من غير المعقول أن يُرمى السهم لصدر راميه.