Menu
حضارة

الحركة الجماهيرية المصرية فعلها، ومفعولها، وفاعلها المغيب

ثورة-25-يناير

بقلم: ممدوح مكرم

الحركة الجماهيرية المصرية
فعلها، ومفعولها، وفاعلها المغيب
(محاولة للفهم)
بقلم: ممدوح مكرم
[1]
نظرتان من خلالهما يتم رؤية الحركة الجماهيرية:-
الأولى: نظرة سكونية استاتيكية، ذات جذور مثالية، ، وهذه ترى الحركة الجماهيرية مفعول بها، لا فاعلة؛ لأنها تنظر إلى الجماهير ككتلة صماء واحدة، فهي توحد بين المُستَغِل والمُستَغَل، بين الرجعي و التقدمي، بين الثوري الحقيقي والثوري الزائف، وتحت هذه النظرة تندرج تيارات تبدو متباينة في الظاهر، لكنها متفقة على الجوهر ( جوهر النظر للحركة الجماهيرية) وتشمل الليبراليون باختلاف مسمياتهم وأحزابهم، وتيارات اليمين الديني، وجزء من اليسار ( حتى لو لبس قناع الجدل الزائف).
الثانية: نظرة ديناميكية، ترى الجماهير بشكل جدلي، ديناميكي، من خلال رؤية جدل المد والجزر في الحركة الجماهيرية المصرية، وجدل التواصل والانقطاع في النضال، وجدل الإصلاح والثورة، ونحن نزعم الانتماء للنظرة الثانية، التي تنطلق من العلم ووقائع التاريخ، والوقائع الملموسة في الآني واللحظي الراهن، وهذه النظرة هي النظرة المناضلة التي تشكل لب معرفة وفهم بنية وطبيعة الحركة الجماهيرية، والتي من المفترض أنْ ينطلق منها كل ماركسي، ونؤكد هنا على مجموعة من الحقائق:-
1-    ليس صحيحًا أنَّ الشعب المصري خانعٌ بطبيعته، بحكم تكوينه التاريخي كشعب نهري، هناك انتفاضات وثورات مسطورة داخل كتب التاريخ، غطت كافة حقب التاريخ المصري الضارب بعمق جذوره في الآماد والأزمنة.
2-    الجماهير ليست كتلة واحدة، هي عبارة عن طبقات، وشرائح اجتماعية، تتقارب وتتباعد، تضعف وتقوى، حسب البناء الاجتماعي، وحسب نمط الإنتاج السائد، وحسب تأثير البنية الفوقية، وبالتالي من المهم جدًا دراسة الأبنية الاجتماعية والطبقية، وجذور تكوينها، وما أثّر فيها من الخارج ( الوافد) ومن الأهمية بمكان دراسة عميقة لبنية الوعي  السائد، ومعرفة تأثيره على البنية التحتية.
3-    أننا نرى الحركة الجماهيرية من خلال ميكروسكوب ( رؤية ميكروية) تنطلق من الحركة الباطنية ( التي لا ترى بالعين المجردة، وهي تعتمد على: رؤية الأجزاء الصغيرة جدًا والمفككة، مع الحدس العلمي الذي يقترب من حدس المتصوفة) أما الرؤية الماكروية: هي رؤية بالعين المجردة، رؤية ظاهرية، خادعة، كما أنها لا تظهر إلا في ذروة المد الثوري، أما الأولى فهي تكون في حالة الجزر الثوري.
4-    يرتبط بما سبق أننا نطرح الموضوع من منظور، رؤيتنا للحركة كمجرد، الحركة كحقيقة علمية في الطبيعة والمجتمع، الحركة كأساس لفهم طبيعة التغيرات وكيفيتها، وهي كما نعرف هي محصلة صراع أضداد متحدة، وحصيلة تناقضات مستعصية على الحل تتراكم كميًا، حتى ُتحدِثَ تحولات نوعية؛ ليبدأ طورٌ جديدٌ ومرحلةٌ جديدة، وحركة ٌجديدة إلى الأمام.
هكذا نحاول أنْ نفهم الحركة الجماهيرية، بالنفاذ إلى بنيتها، وتحديد عوامل نهوضها، وهبوطها، ومن ثًمَّ الإمساك بقوانينها العامة.
[2]
بنية الجملة  الفعلية في الدرس اللغوي العربي : الجملة الفعلية تتكون من فعل، هذا الفعل له أبعادٌ زمنية: إما في الماضي، أو المضارع (يوازي الحاضر، والاستمرارية، ويغيب الزمن المستقبل) ثم فاعل هو من يقوم بهذا الفعل ( قد يكون حاضرًا، أو مضمرًا (مغيب لكنه ملتصق بالفعل عبر الضمير)، والمفعول به هو ذلك الشيء أو الشخص الذي وقع عليه فعل الفاعل.
من هذا المنطلق القادم من دراسة النحو، نحدد الحركة الجماهيرية وفق أبعادٍ ثلاثة:-
الأول: بُعد الفعل: فعل الحركة الجماهيرية.
الثاني: بُعد الفاعل: وهو البعد المغيب، أو بالأحرى يتم تغييبه.
الثالث: بُعد المفعول به: وهو ما يقع عليه فعل الحركة، وآثارها.
لنكن دقيقين تمامًا وعلى يقين بأنه لا يوجد شيءٌ مُؤّبّد، أي يستمر للأبد دون حدوث أي تغيرات أو انقلابات، نقول أي شيء، مهما كان في الطبيعة، في المجتمع، على مستوى الأفراد، أو الجماعات، والدول، لابد أنْ نكون على استعداد لفهم هذه الحقيقة والعمل وفق حساباتها، أعتقد أنَّ ذلك سيخفف جرعات اليأس والقنوط التي نتجرعها يوميًا، لكنَّ مكمن المشكلة في رؤية هذه التغيرات؛ ولذا نقول:  التغيرات نوعان:-
الأولى: تغيرات ظاهرية: أي يدركها الجميع، ويرونها بأعينهم، مثاله: اسقاط مبارك، ومرسي، الجميع رأوا أنه حدث تغيير في مصر!
الثانية: تغيرات باطنية: وهي تجري في قلب الظاهرة ( في أحشائها، إنْ جاز التعبير) وهذه لا يراها الكثيرون، لا يراها إلا من يملكون أدوات حقيقية  للدراسة والملاحظة، ولديهم حدس علمي ( قدرة على التنبؤ) هذا ما يؤدي إلى الرؤية النمطية حول سلبية الجماهير، وأنه لا فائدة، لا أمل، وهي عملية نابعة من عَجَلةٍ في إصدار أحكام ذات أبعاد قيمية ومطلقة، هذا يتنافى مع العلم. وكما هو قَارٌّ وراسخ فإنَّ التغيرات هي حصيلة تراكمات كمية، وحصيلة أضداد (تناقضات) تتفاعل داخل الظاهرة، هي ما يعطيها بعدها الحركي/الديناميكي، إذا فهمنا ذلك سيكون التعامل مع الجماهير أسهل وأوضح.
الجماهير كما أسلفنا: ليست كتلةً واحدةً صماء، إنها تنقسم إلى طبقات بحسب موقعها من عملية الإنتاج، وكيفية حصولها على دخولها، وخصائصها السيكولوجية (النفسية)، والمكانة الاجتماعية، وسلوكها، ووعيها ( هذه معايير موضوعية في علم الاجتماع، وعلوم الاتصال الجماهيري) وهنا نحدد أكثر ما يعنينا من الجماهير ألا وهي: الجماهير الأجيرة: التي تعمل بأجر، وتضم عمالًا وفلاحين، وحرفيين، ...إلخ وشرائح اجتماعية أخرى كالطلبة، والمثقفين ( هذه الشرائح تُعتبر عابرةً للطبقات: أي موزعة على كافة طبقات المجتمع) هذه الجماهير هي صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، وهي الوقود  الحقيقي لكل حركة تمرد، أو احتجاج من أجل تحسين أوضاعها المعيشية ( ما يسمونه بالمطالب الاقتصادية، أعداؤها: يطلقون عليه فئوية) ونثير بدورنا تساؤل لمزيد من التحليل: هل هناك جماهير (جماهير الأجراء)؟
من ينظرون إلى الموضوع نظرة ظاهرية، سيجيبون بالإثبات، سيقولون ( مفيش جماهير، شعب ميت، مفيش فايدة، مفيش حاجة هتتغير، ...) أما الإجابة الأخرى بالنفي وذلك استنادًا إلى:-
-    الشكاوي، والمذكّرات.
-    الإضرابات والاعتصامات.
-    أساليب للاحتجاج اليومي لا تتوقف، عبر الكلام، وعبر عبارات السباب والقذف (التي لا تعجب البعض)، وعبر التنكيت والتبكيت، وعبر الأدعية والصلوات، وقراءة أوراد معينة كسورة ياسين مثلا، وعبر حتى السحر والشعوذة ( مهما كان خلافنا معها) وعبر  البكاء والعويل.. إلخ،  كلها أفعال احتجاجية تتراوح في قوتها وزخمها، بعضها ذو طابع فردي، وبعضها الآخر ذو طابع جماعي، إنها أفعال تحافظ على الحد الأدنى من إحساس الجماهير الأجيرة بالمعاناة والوعي بذاتها، ولكنْ هذا الوعي هو مشوش وغامض، ولا يعرف ماذا عليه أنْ يفعل؟ وكيف؟ ومتى؟ ولكنْ يبقى الرفض على مستوى اللاوعي الجمعي سيد الموقف، الناس لم ترض بالسيسي باعتباره بطلا ومخلصًا، رضا الناس بالسيسي رضًا غير واعٍ بسبب غموض وعيهم، وبسبب بنية هذا الوعي المحدودة جدًا، بل والمتخلفة، وفي نفس الوقت، هم لم يشاهدوا عيانيًا الأفضل أو الأصلح: من يعبر عن آلامهم وشجونهم، ويحقق مطالبهم حتى في حدها الأدنى! إذن داخل بنية الحركة لا يوجد توقف هناك حركة لا يمكن مشاهداتها إلا باطنيًا، ومن خلال رصد الحياة اليومية: في الشوارع، ووسائل المواصلات العامة، مقار العمل، والمقاهي، وجلسات المنازل- إنْ كان هناك وقت- في الزيارات، وحتى في المشاجرات العائلية والزوجية بسبب متطلبات الحياة الملحة، والتي أصبحنا جميعًا نعجز عن الوفاء بها في حدها الأدنى، بعد موجات عاتية من الغلاء لم ولن تنته في الأمد المنظور.
[3]
بُعد الفعل في الحركة الجماهيرية: هو الاحتجاج بكافة السبل والوسائل، بدءًا بالبسيط للوصول إلى المعقد، بدءًا من الأدنى للوصول للأعلى، أي بداية بشكوى، أو مذكرة، حتى الوصول لثورة وانتفاضة، هذا قانون مهم، الحركة لم تتوقف قط، قد يستغرق ذلك شهورًا أو سنوات أو عقود، على حسب موازين القوى، والعوامل المحفزة والمثبطة؛ لكنَّ الأكيد استحالة الموات، حتى من يموت، سيترك ورائه من يكمل، هذا هو جوهر الصراع والجدل، وذلك مناط الفهم العلمي، كما أكدنا في السابق، حتى في حالة السكون هناك فعل، لكنه أشبه بقوانين الديناميكا الحرارية، قد يكون التقاط أنفاس، أو إعادة نظر، أو البحث عن طرق جديدة، ومراجعة ما حدث في السابق.
بُعد المفعول به في الحركة الجماهيرية وتأثيراتها: وهو احتجاج ضد مَنْ؟ ولماذا؟ وما يتعين فعله لتحقيق أدنى حد من المكاسب؟ كلما أثر فعل الحركة، وتعمق، كلما تقدمت الحركة للأمام، وتراجع المفعول به ( السلطة أيًا كانت في مصنع أو شركة، وصولا للسلطة الكبرى)  وهذا يتوقف على قدرات الجماهير، وقوتها، وتعاضدها، ووعيها الذي يتطور في مجرى صيرورة النضال، وذلك يلضمه: التنظيم، والتنظيم هو الفاعل.
بُعد الفاعل في الحركة الجماهيرية: هو البعد الغائب ( على وزن الفاعل صرفيًا) ولكنه في الحقيقة مُغيب ( على وزن مُفَعَّل) بما يشي دلاليًا بقصدية التغييب وتعمده؛ أي تفعيل تغييب الفاعل بشكل قصدي ومتعمد من قبل النظام وطبقته، وأجهزته، وأدواته، عبر العديد من الأدوات الناعمة والصلبة، على سبيل المثال:-
-    القمع، والاعتقال.
-    تزييف الحقائق، وإطلاق الشائعات.
-    الضغط المادي والمعنوي.
-    بث الفرقة، والاحتواء.
-    الرشاوي المادية والمعنوية.
وأدوات أخرى كلها من أجل تغييب الفاعل( التنظيم) باعتبار أنه العامل الحاسم في تطوير الحركة  الجماهيرية ( انظر مقالنا: ضرورة التنظيم في: اليسار اليوم، الحوار المتمدن، صوت العقل). 
عناصر الحركة الجماهيرية
تتمثل عناصر الحركة الجماهيرية في: الرؤية السياسية والخط السياسي، وشرطها الأساس: نابعة من الواقع، غير قافزةٍ عليه، وغير متراجعةٍ للوراء، الرؤية السياسية تعكس ما تريده الجماهير على كافة مستويات: الاقتصادـ السياسة-الاجتماع- الثقافة- الأخلاق، من خلال برنامج مرحلي يخص كل فترة تاريخية، بحسب الأولويات، وبحسب التناقضات الأساسية ( مثلا: على أجندة الحركة الجماهيرية في مصر إنهاء التبعية بشكل جذري- ما نعرفه بالثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية-  وبناء دولة ديمقراطية علمانية....إلخ) هذه حالة مرحلية، عندما تُنجز تتطور الحركة والرؤية لمهام أخرى أكثر تطورًا وعمقًا ( كالشروع في بناء اشتراكي من أسفل) .
والعنصر الثاني في الحركة الجماهيرية: هو النظرية الثورية التي تسترشد بها الجماهير في نضالها، من خلالها يتم فهم وتحليل الواقع، و مقاربته بشكل علمي ومنهجي؛ من أجل فهمه؛ للقيام بتغييره، بدون النظرية سيكون هناك تخبط وارتباك، وعدم وضوح، وهذا ما وسم يناير منذ 2011م، والنظرية هي بنت الواقع، وأم الواقع في نفس الوقت، أي أنَّ الواقع يحتوي النظرية في أحشائه، والنظرية تحتوي الواقع في أحشائها.
وهذا يقودنا إلى العنصر الثالث في الحركة الجماهيرية: وهو الحزب/التنظيم، ( الفاعل المغيب حسبما أوضحناه) هو الذي يقوم بحشد الجماهير، عبر بناء قواعده ومرتكزاته المتينة وسطها، وهي مرتكزات دائمة وليست مؤقتة، لا ترتبط  بحدث أو إضراب، أو اعتصام ينتهيان بنجاح أو فشل، إنما لابد من العمل من أسفل، من خلال إقامة علاقات شخصية و إنسانية، وتطويرها( في مصنع، في حي شعبي، ...إلخ) تكون بمثابة الخميرة التي تُبقى  الزخم قائمًا حتى في فترات الجزر والجدب كتلك التي نعيشها منذ ما بعد صعود السيسي للسلطة.
هذه العناصر مجتمعة هي التي تشكل أبعاد وقوام الحركة الجماهيرية، ضعف عنصر أو غيابه، يؤثر في كفاءة وفعالية باقي العناصر، قوة الحركة الجماهيرية في ترابط هذه العناصر وقوتها، هو الذي يطورها ويدفعها دائمًا للأمام، ويحافظ عليها من النكوص للخلف والانتكاس  والارتكاس.
[4]
هناك بُعد تلقائي للحركة الجماهيرية، والتلقائية أحيانًا تعمل كقانون ( الحركة في الكون تلقائية /ذاتية) الحركة الجماهيرية جزء من الحركة العامة، لا تنتظر من يدفعها للدفاع عن مصالحها، وذلك مرهونٌ بوعيها، ومرهونٌ بما يقع عليها من ضغوط مختلفة، ولكنها غير ساكنة ( نؤكد ذلك للمرة المليون) لماذا يُضِرب العمال؟ و لماذا يتذمر الفلاحون؟ ولماذا هذا الكم من اللعن للنظام؟ إنها التلقائية التي تدفع للحركة، هي حركة بطيئة جدًا، وضعيفة لكنها تراكم، هي كطفل صغير بدأ الوقوف بعد مرحلة الحبو، ولكنه وقوف الخائف المتردد، لكنْ للتلقائية عيوبها القاتلة فهي قد تقود للانتحار، أو الإحباط، وقد تكون << حصان طروادة>> الذي يتم امتطاؤه لكسر الحركة الجماهيرية، ووقف تطورها كما فعل الإخوان مع حلفائهم من الجنرالات، والجوقة النخبوية التي تعرفونها.
وفعل الثورة هو فعل تلقائي منظم (تلقائية منظمة) أي أنَّ الثورة كأداة ٍراقيةٍ في تطور النضال هي تجمعُ وتوحُد بشكلٍ جدليٍ بين المستوى التلقائي للحركة، والمستوى المنظم، وهو ما يساعد في حسم الثورة، وحفرها مجرى عميق، لا يمكن لقوى الثورة المضادة أنْ تردمه؛ وبذا لا ينفصل التلقائي عن المنظم، ولا ينفصل المنظم عن التلقائي. مِنْ مرذول القول ِ لدى البعض تقديس التلقائي واحتقار المنظم، وهو سمة مصاحبة ليناير وما بعده بسبب قصور عميق في فهم طبيعة الحركة، وفهم متطلبات الواقع، وخلط أوراق كثيرة؛ بسبب غياب عناصر الحركة الجماهيرية: الرؤية السياسية، النظرية، الحزب/التنظيم. التخلص من عيوب التلقائية مرهونٌ بوجود التنظيم، والتنظيم هو الذي يُصَلّب الحركة التلقائية، ويرتقي بالوعي الفطِري (السليقي) ليصبح وعيًا علميًا منظمًا، وعيًا واعيًا بأهمية المزج بين الوعي التلقائي، والوعي المكتسب، وبين تلقائية الحركة و تنظيمها.
عوائق أمام الحركة وفاعليتها
1-    سيطرة الوعي الغيبي والاتكالي.
2-    ضعف الأشكال الدنيا من التنظيم (مثل النقابات أو الاتحادات).
3-     ضعف إمكانيات الحركة المادية والدعائية.
4-    القهر والاستبداد والقمع وغياب الحريات بكافة مستوياتها.
5-    الضغوط الاقتصادية وتدهور مستويات المعيشة بشكل مخيف.
هذه العوائق هي التي تشل الحركة، وتجعلها بطيئة، وقد تجعلها حركة رجعية معادية للتقدم والتطور، ويتطلب ذلك البحث عن طرق ووسائل لتحييد  تلك العوائق، والالتفاف عليها.
عوامل الحركة وأدواتها
الحركة لازالت جنينية، عواملها هي اقتصادية بحتة (مطالب اقتصادية) لم ترتق بعد للضم الاقتصادي بالسياسي، لها أشكال عديدة: إضراب، اعتصام، تظاهر، تكوين حملات شعبية، بيانات، ندوات، مؤتمرات....
[5]
أسئلة في قالب ديالوج
(مشهد مسرحي)
-    هل ستحدث ثورة أخرى في مصر؟
-    بل يمكن أنْ تحدث ثورات.
-    ثورات؟
-    نعم إذا لم تحقق الجماهير شيئًا من مطالبها سيظل شبح الثورة باقٍ، سواء بعد سنة، أو سنوات، أو عقود.
-    يعني الثورة قدر لا فكاك منه؟
-    التحليل العلمي، واستقراء الواقع يشي بذلك، ما دامت لم تنتف المظالم، وممارسات القمع، هذا يمهد لثورة.
-    لكن لماذا لا يتحرك  الناس رغم الغلاء؟
-    من قال لا يتحركون؟ هناك تحرك ولكنه بطيء، أنت تقصد حركة كبرى على نمط يناير، هذا مرهون بشروط غير موجودة، مثل التنظيم ( في الحد الأدنى) ومثل لو تحركنا ماذا سيحدث؟ مَنْ سيأتي، خاصة مع الوضع المعقد على كافة الأصعدة، وحرائق المنطقة، وركوب الإخوان لأي موجة احتجاجية لضربها، كما حدث في موجة 25 أبريل 2016م بشأن الجزيرتين. ويناير لن تتكرر ثانيةً بنفس  السيناريو الذي يزعمه البعض!
-    ولكن الغلاء والمعيشة التي في الحضيض ألا تحفز؟
-    لا.. الثورات لا تقوم من أجل الغلاء، لو كان الغلاء دافعًا للثورات، لوجدنا يوميًا وفي كل مكان على الكوكب ثورات، الثورات فعل معقد: هناك بعد نفسي مهم، يتعلق بمزاج الجماهير ورغبتها، يتداخل مع بعد اجتماعي، وسياسي، واقتصادي، وأزمة داخلية، بالإضافة للبعد الإقليمي والدولي، الثورات فعل إرادوي جماعي، يحدث مرة واحدة، وإذا ما تم استنفاذ كافة الطرق والوسائل لحلحلة التناقضات.
-    ما تأثير الغلاء إذن؟
-    تأثير الغلاء أنه يكشف التناقضات، ويسرع من وتيرة الحركة، يعمل على بلورة رؤية مغايرة لسياسات النظام، ولكنْ لازلنا في البداية، بسبب تدني مستويات الوعي، وغياب أطر منظمة بشكل معقول، بالتأكيد الغلاء ضمن دوافع كثيرة، كما قضية الأرض تدفع عجلة الحركة، ولكن هذا لا يكفي، دفع عجلة الحركة أكثر يعني: ترقية الوعي، وبناء تنظيمات جماهيرية دنيا، تكون نواة في المستقبل للتنظيم الثوري.
-    المستقبل؟
-    نعم المستقبل: يعني نفس طويل جدًا، قد يستغرق هذا عقودًا أو أعوامًا تزيد وتنقص حسب الظروف الموضوعية والذاتية السائدة، بالمناسبة قد تخرج الجماهير بشكل تلقائي مع اشتداد الأزمة، ولكنه سيكون خروج مضر بالحركة، وهذا ما يجب التنبه له، العمل على تنظيم الجماهير حتى لو تنظيمات صغيرة جدًا ومتخلفة في أطرها، لمحاولة الحفاظ على الحركة في حدها الأدنى.
-    يناير ماذا عنه؟
-    يناير 25 تم خلط الأوراق، ولا يوجد حتى الآن رؤية واضحة، هل هي ثورة؟ أم انتفاضة؟ أم ماذا؟ لكنْ بالتأكيد هناك زخم جماهيري بدأ يوم 28 هو اليوم الفعلي الذي خرجت فيه الجماهير، مطالبةُ بإسقاط مبارك، لكنْ في يناير اختلطت الثورة بالثورة المضادة، واختلط المحلي بالإقليمي بالدولي، وتم خلط الأوراق ( جزء من يناير برتقالي) ولكن يناير أعطت دفعة ضعيفة للحركة.
ونضيف يناير: لم تكن نبتًا شيطانيًا، إنها حصيلة عقود من الكفاح منذ انتفاضة 1977م ( 18، 19 يناير)  زاد منسوب الحركة في عام 2000م مع الانتفاضة الفلسطينية، لتحفر مجراها بالتدريج وببطء، توسع هذا المجرى، وهو ما أدخل الجماهير الكثيفة المجرى يوم 28.
هذا فهمنا ليناير، وهو فهم مغاير لكثيرين يرون يناير جاءت هكذا دون سابق إنذار، وهو ما يراه ليبراليونا، وقطاعات من (النشطاء) غير الواعين!!
في النهاية: لا يمكن الحكم بشكل مطلق على يناير بأنها هُزمت أو انتصرت، لأنَّ المعركة مستمرة، ولم تتوقف بعد، فقط هناك استراحة محارب من قبل الجماهير، لتواصل قتالها حتى النصر.
و يسدل الستار، لتبدأ مرحلةً جديدة، يونيو كانت بداية مشاهدها، رغم إظلام المسرح، إلا أنَّ بقعًا من الضوء تتسلل لنرى المسرح، ومِنْ ثم نشارك في صياغة المسرحية من جديد، لتكون النهاية جديرة بالجماهير بوصفها هي البطل المطلق الذي لا يموت.

أبنوب: 22 يناير(كانون الثاني) 2017م