Menu
حضارة

الانقسام وأزمة الهوية الفلسطينية

​د.عماد أبو رحمة

الانقسام وأزمة الهوية الفلسطينية

مقدمة:

ولدت الهوية الفلسطينية المعاصرة مأزومة، لأن الهوية والكيانية السياسية لم تكونا متطابقتين لدى الفلسطينيين منذ البداية، بسبب افتقار المشروع الوطني الفلسطيني لإقليمه الجغرافي وحيزه الاجتماعي المعين.

ومثلت نكبة عام 1948 حجر الزاوية لإعادة بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية، كما جسدت م.ت.ف الكيان السياسي- المعنوي الممثل للفلسطينيين والمعبر عن هويتهم الجماعية. ولكن تبني برنامج التسوية عام 1974 شكل تراجعا عن الافكار المؤسسة للهوية، التي تطابق بين شعب فلسطين وأرضه ومشروعه الوطني، وكان العامل الرئيسي للانقسام السياسي.

أدخل اتفاق أوسلو عام 1993 الهوية الفلسطينية في أزمة حادة، لأنه لم يشمل اللاجئين وفلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 في حق تقرير المصير، وأدى الى تراجع دور المنظمة وغياب المؤسسات التمثيلية الجامعة للفلسطينيين، بالإضافة  للفشل في تحويل السلطة إلى دولة تعيد بلورة الهوية الفلسطينية، واندلاع الصراع على السلطة.

وعبر صعود حركة "حماس" عن بروز المكون الديني في الهوية الفلسطينية مقابل تراجع المكون الوطني، ودلل الصراع على السلطة وانقسام النظام السياسي على عمق الأزمة وشمولها لكافة أبعاد وتعبيرات الهوية الفلسطينية.

إن استمرار الانقسام يهدد الهوية الفلسطينية بمزيد من التآكل والضمور، وهذا يطرح على الجميع مسئولية استنهاض الوطنية الفلسطينية بمعناها الهوياتي (الثقافي) والكياني (السياسي)، عبر إنهاء الانقسام وتجديد بنى المشروع الوطني، وتوليد رؤية جديدة تطابق بين شعب فلسطين وأرضه ومشروعه الوطني.

يعنى هذا البحث بدراسة أثر الانقسام في أزمة الهوية الفلسطينية، وتتبلور مشكلته  في محاولة الإجابة على السؤال الرئيسي التالي: ما هي أبرز التغيرات التي طرأت على الهوية الفلسطينية بتأثير الانقسام؟

ويتفرع عن السؤال الرئيسي مجموعة الأسئلة الفرعية التالية:

1. ما هي ظروف نشأة الهوية الفلسطينية المعاصرة؟

2. ما أثر تبني قيادة م.ت.ف لبرنامج التسوية السياسية في أزمة الهوية الفلسطينية؟

3. إلى أي مدى أثر صعود تيار الإسلام السياسي ودخول "حماس" للسلطة على الهوية الفلسطينية؟.                                                   

أولاً: الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة:

يتميز مفهوم الهوية الوطنية المعاصر عن غيره من مفاهيم الانتماء والولاء المختلفة في أنه يعبر عن حالة سياسية وإرادية خالصة، تتسم بطبيعتها الجماعية وتقوم على الاتفاق عن وعي تام بين سكان إقليم معين على العيش معًا في مجتمع يتمتع بالسيادة الكاملة. ويشير هذا الإجماع إلى عناصر أساسية في مقدمتها الإقليم المعرف والحدود والحكومة الواحدة والقانون الواحد(7).

حتى الثلث الأخير من القرن العشرين، ظل الفلسطينيون يعتبرون أنفسهم جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي لإقليم بلاد الشام، أما على الصعيد العام فكانوا يعتبرون أنفسهم جزءًا من رابطة إسلامية أوسع، ومع صعود النوازع القومية باتوا يعرفون أنفسهم كجزء من أمة عربية(8).

وبعد الفشل في تحقيق مطمح الوحدة العربية، وتشتت الحركة العربية الواحدة وتجزئها إلى حركات قطر ية، بدأت المعالم الأولى للحركة الوطنية والهوية الوطنية الفلسطينية التي عبرت عنها، تظهر في مواجهة الانتداب البريطاني وخطر المشروع الصهيوني الاستيطاني انسياقاً مع المجرى العام في المنطقة، دون أن تقطع صلاتها بالحركة العربية9، حيث طور الفلسطينيون تصوراً لهوية وطنية فلسطينية ترتبط بحدود جغرافية وسياسية معينة، وطوروا مؤسسات وقيادات وطنية، استمدت مشروعيتها من مقاومة الاحتلال البريطاني والمشروع الصهيوني- الاستيطاني.

ولكن هذا الإحساس بالهوية الوطنية لدى غالبية الفلسطينيين لم يرتبط بوعي الدلالات المعاصرة، السياسية والاجتماعية والحقوقية (أي الأيديولوجية) لمفهوم الوطنية، التي شكلت قاعدة لنظرة بعض النخب السياسية والفكرية.

وقد أدى افتقار الفلسطينيين للدولة إلى حرمانهم فرصة تطوير تقاليد الحكم الذاتي ومؤسساته، وكان لذلك تأثير بارز على تنمية الهوية الوطنية الفلسطينية، نظراً لعدم تجسد تلك الهوية في هيئة واحدة معترف بها، حيث تعثرت محاولات القيادة الفلسطينية لتنمية الحس الوطني القطري، أو القطرية الدولانية، على عكس نظيراتها في البلدان العربية المجاورة(10).

أدت النكبة عام 1948 إلى تمزيق المجتمع الفلسطيني، واغتصاب معظم أرضه، وتلاشي الحقل السياسي الوطني الذي نشأ قبل عام 1948، ومثل ذلك انكساراً في محاولات الفلسطينيون تأسيس هوية وطنية وكيانية سياسية، ولم يعد للهوية ولا للكيانية أي تعبيرات في الحياة السياسية والاجتماعية للفلسطينيين (باستثناء الثقافية)، وأصبح فلسطينيو الأردن والضفة مواطنون في المملكة الأردنية، وفرضت الهوية الإسرائيلية على فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948، ونتج عن ذلك اختزال الفلسطينيين في اللاجئين الذي يقطنون في مخيمات اللجوء والشتات، تماماً كما اختصرت قضية فلسطين في قضية اللاجئين، ولم يتح لهم التعبير عن هويتهم بشكل قانوني وحقوقي، ولا بشكل تمثيلي مؤسساتي، أو التعبير عن قضيتهم بشكل سياسي، فعوضوا عن ذلك بانخراطهم في الحركات السياسية "فوق الوطنية"، القومية والإسلامية والشيوعية(11).

ولم تكن الهوية الفلسطينية على درجة من القوة بحيث تكون قادرة على فرض ذاتها على المعادلات السياسية العربية آنذاك، فتم تهميش دور الفلسطينيين واستبعاد دورهم، بدليل اختفاء "حكومة عموم فلسطين" بعد أشهر قليلة من إعلانها، ومنع الفلسطينيين من إدارة الضفة الغربية وقطاع غزة وحكم أنفسهم بشكل مستقل، إذ جرى ضم الضفة إلى المملكة الأردنية، وأخضع قطاع غزة للإدارة المصرية، ما أدى إلى خفوت الوعي الكياني لدى الفلسطينيين(12).

ولكن الاقتلاع الجماعي للشعب الفلسطيني وتشريده مثّلا حجر الزاوية لكل التطورات السياسية والاجتماعية اللاحقة في التجربة الفلسطينية، إذ شكل العزل والتهميش الاجتماعي والسياسي أساساً جوهرياً في تشكيل هوية وطنية خاصة بالفلسطينيين، ورفع اللاجئون في مخيمات الشتات راية الوطنية الفلسطينية التي سقطت عام 1948، وأعادوا بناء حركتهم الوطنية، فيما أوجد الكفاح المسلح الدفع السياسي والدينامية اللازمتين لتطوير الهوية الوطنية الفلسطينية وتأكيدها(13).

وبرزت م.ت.ف باعتبارها الكيان الممثل للفلسطينيين، والإطار المؤسسي المجسد للهوية الوطنية الفلسطينية، إذ تولت بتكوينها الائتلافي "حياكة" الروابط بين تجمعات الشعب الفلسطيني المختلفة الظروف والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واضطلعت بمهمة إعادة صياغة الهوية الوطنية الفلسطينية عبر إعادة روايتها على ضوء عمليات التشريد والشتات والضم والاحتلال وما تولد عنه من تدمير مجتمعي وإقصاء وتمييز(14).

وتعززت المكانة التمثيلية للمنظمة بعد الاعتراف العربي بشرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني في قمة الرباط عام 1974، والذي تلاه اعتراف دولي بصفتها التمثيلية للشعب الفلسطيني، وحصولها على وضع مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة(15). ويرى عزيز حيدر بأن "بداية بناء فلسطين كشعب وتشكل هويتهم المميزة بدأت بعد تأسيس م.ت.ف عام 1964، واكتسبت هذه العملية دفعاً قوياً بعد عام 1967"(16).

ومع ذلك، فإن الهوية الفلسطينية والكيانية الوطنية لم تكونا متطابقتين أو متلازمتين لدى الفلسطينيين، وذلك نتيجة لافتقار المشروع الوطني الفلسطيني لإقليمه الجغرافي الخاص وحيزه الاجتماعي المعين، وهما عاملان رئيسيان في إنتاج (وإعادة إنتاج) أي هوية وطنية  واستمرارها. صحيح أن طرح موضوع الكيانية السياسية- المعنوية توخي التعويض عن غياب الإقليم، بهدف فرض وجود الشعب الفلسطيني على الخريطة السياسية، تمهيداً لفرضه لاحقاً على الخريطة الجغرافية، ولكن فلسطينيي الأراضي المحتلة عام1948 حرموا من شمولهم في إطار الهوية والكيانية التي تمثلها م.ت.ف، وأصبح الفلسطينيون في الأردن مقيدين بمكانتهم كمواطنين أردنيين(17).

ثانياً: الهوية الفلسطينية بعد أوسلو 1993 وقيام السلطة الفلسطينية 1994:

تتمثل الوطنية الفلسطينية في الانتماء للشعب الفلسطيني كله وليس إلى أجزاء منه، ويجمع الشعب الفلسطيني كله على رواية وذاكرة تشكلت بسبب الانتماء للشعب الفلسطيني وإلى فلسطين، وتتضمن فصول الرواية الفلسطينية بدءًا بما جرى قبل النكبة، ومروراً ببدء النكبة وبتجارب اللجوء والمقاومة والاحتلال والانتفاضات لتشكل تجربة إنسانية عميقة تحتل مكانة مركزية في تشكل الهوية الوطنية. وقد نجحت هذه الهوية، على مستوى الوعي الجماعي الفلسطيني وعلى المستوى المعنوي، في التغلب على أوضاع الانقسام الجغرافي والعزل بين أجزاء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه(18).

ولكن تبني قيادة المنظمة للبرنامج المرحلي عام 1974 مثل تراجعاً عن الأفكار المؤسسة للهوية الفلسطينية، ونكوصاً عن مشروعها الوطني، خاصة فيما يتعلق بوحدة الأرض والشعب. وتمكنت قيادة المنظمة من تغطية هذا التحول بحكم مكانتها النضالية والرمزية، وادعاء مواصلة المشروع الوطني والمقاومة، ولكن هذا لم يمنع سيرورة التحولات السياسية والبنيوية في الحركة الوطنية الفلسطينية، التي باتت تغذى مشروعاً سياسياً آخر يختلف عن المشروع الوطني الأصلي الذي انبنى على وحدة الشعب والأرض.

واتضح ذلك في التحولات اللاحقة التي أفضت إلى التسوية السياسية بمرجعية "اتفاق أوسلو" 1993، إذ راهنت قيادة المنظمة على أن إقامة سلطة الحكم الإداري الذاتي على جزء من الإقليم الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة يمكن أن يحقق لأول مرة في التاريخ وجوداً قومياً لهذا الشعب فوق أرض وطنه، وظنت بأن عوامل السيادة يمكن أن تتجمع بصورة تدريجية، وأن الحكم الذاتي يمكن أن يتطور بعد انتهاء المرحلة الانتقالية إلى "دولة فلسطين المستقلة"(19).

وذهب رشيد الخالدي إلى القول بأن هناك "عملية إعادة تمركز للمجتمع الفلسطيني"، تجري بالتزامن مع "إعادة تعريف الهوية"، وأن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة أصبحوا في صلب عملية منح الهوية، التي أصبحت راسخة برأيه، مضمونها(20).

إلا أن المضمون الذي تحدث عنه الخالدي لم يتضح حتى الآن، لأن السلطة الفلسطينية لم تتطور إلى دولة فلسطينية مستقلة، تكون "عماد عملية إعادة تبلور الهوية الفلسطينية" بما يتجاوز الحالة الاستثنائية لنشأتها بغياب الجغرافيا والدولة، بل على العكس من ذلك كان لهذا التحول تداعيات خطيرة على المشروع الوطني وعلى الهوية الوطنية الفلسطينية:

  1.  وجد اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم فلسطينيين غير معترف بهم، نتيجة للاتفاقات التي تم توقيعها وحولت قضيتهم إلى مجرد عنوان يتم التفاوض حوله في مفاوضات المرحلة النهائية، دون أي ضمانات تكفل حقهم في العودة إلى ديارهم.
  2.  مثل الإقرار بإنهاء الصراع مع العدو قبل حل قضية عودة اللاجئين قبولاً ضمنياً بالإجحاف التاريخي الذي لحق بهم، وقبولاً نهائياً بالتخلي عن وحدة الشعب الفلسطيني في وطن واحد، وإلغاء للفكرة التأسيسية التي انبنى عليها الوعي والثقافة والهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة(21).
  3. مارست السلطة الفلسطينية هيمنة على الحقل السياسي الوطني ونمت مؤسساتها وبناها، مقابل أفول دور منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، فوجد اللاجئون أنفسهم بدون هيئة تمثلهم، لأن الحدود التمثيلية للسلطة تقتصر على الضفة الغربية وقطاع غزة، بينما تمتد المكانة التمثيلية للمنظمة لتشمل الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم كشعب(22).
  4. ما سبق طرح إشكالية "الداخل" و"الخارج" الفلسطيني، وارتبط السؤال بمعطيات واقعية جديدة كان لها أثر حاسم على مضمون الكيانية والهوية الفلسطينية. ذلك أن المنظمة نشأت وتطورت كتعبير عن مجتمع الشتات الفلسطيني، وبالتالي فإن صور التجزئة ونماذج المنفى هي التي كانت تسيطر على جدل الهوية، أما بعد أوسلو فإن المسائل المرتبطة بالإقامة والحصول على المواطنة، في ظل نظام مشروط السيادة، هي التي بدأت تسيطر على هذا الحوار(23).
  5. بتهميش م.ت.ف ككيان سياسي- معنوي وتمثيلي للفلسطينيين، واختزال مشروعهم الوطني بمشروع جغرافي على الضفة الغربية وقطاع غزة، أصبح لكل تجمع فلسطيني روايته وأجندته وأولوياته الخاصة: فلسطينيو الـ48 ذهبوا للكفاح ضد العنصرية والحق في المساواة والتعبير عن ذواتهم وهويتهم كأقلية قومية، والفلسطينيون في الضفة وغزة المحتلة للنضال من أجل دحر الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة، واللاجئون في الشتات، الذين تحملوا عبء النهوض الفلسطيني منذ عام  1965 خضعوا لسلطات متباينة ومتعددة، وباتوا يشعرون بالتهميش جراء تغييب م.ت.ف، وجراء تقدم هدف الدولة على حقهم في العودة، وباتوا يشعرون بأنهم على هامش المشروع الوطني، لا سيما وأنه لا صلة أو إطارات تربطهم بالسلطة الفلسطينية(24).

وبذلك غاب التطابق بين الحديث عن شعب فلسطيني، وبين حدود المشروع الوطني الذي يختزل الشعب في الممارسة السياسية بالضفة وغزة. وهنا بالضبط يكمن مصدر تأزم الهوية الجماعية للفلسطينيين، نتيجة لحالة التشتت المجتمعي، وأفول المؤسسات التمثيلية الجامعة المجسدة للهوية، وغياب المرجعية الواحدة، وغياب هدف وطني جامع، وإخفاق حركتهم السياسية في مهماتها، سواء بالتسوية والمفاوضات أو بالانتفاضة والمقاومة المسلحة.

وهذا يفسر، إلى جانب عوامل أخرى، أسباب تراجع شعبية المنظمة وفصائلها، مقابل الصعود المدوي لجماهيرية "حماس"، التي عبر صعودها عن بروز المكون الديني في الهوية الفلسطينية، على حساب المكون الوطني الذي مثلته م.ت.ف وفصائلها،  فالهوية لا توجد بمعزل عن إستراتيجيات التأكيد الهوياتي للممثلين الاجتماعيين لها، والذين هم نتاج الصراعات الاجتماعية والسياسية، وعمادها في نفس الوقت(25).

ثالثاً: أثر بروز "حماس" على الهوية الفلسطينية:

مثل بروز "حماس" تحدياً للهوية الوطنية ولتعبيراتها الاجتماعية والسياسية، لأنها تطرح الهوية الإسلامية بديلاً من الهوية الوطنية ذات المضمون العلماني كما صاغتها وأعادت روايتها المنظمة، وتسعى جاهدة إلى أسلمة المجتمع وإعادة صياغة الثقافة السياسية والهوية الوطنية بالاستناد إلى ثقافة ترتكز على تراث الإسلام السياسي، وتقوم على نبذ التراث السياسي الفلسطيني وما نتج عنه من هوية وطنية وكيانية سياسية معبرة عنها(26). وظهر ذلك في التحولات التي طرأت في تعريف الفلسطينيين لأنفسهم ( أي هويتهم).

فقد أظهرت دراسة ميعاري 1994 بان الهوية الفلسطينية هي الأقوى، تليها الهوية المحلية، ثم العربية، والدينية، والحمائلية(27). بينما أظهرت دراسته التي أجراها عام2008 تراجع سيطرة الهوية الوطنية مقابل تعزيز الهوية الدينية والهويات التقليدية الأخرى، حيث زادت نسبة من يرون في الهوية الدينية هويتهم الرئيسية من17% و22% عام 1994، إلى34% عام 1997، و38% عام2001، و43% عام 2006.

وفي مقابل ذلك تراجعت نسبة من يعتبرون الهوية الفلسطينية كهوية رئيسية من 66.9% و70.1% عام 1997 إلى 57.4% عام2001، إلى 50.5% عام 2006. وبلغت نسبة من يعرفون أنفسهم كمسلمين ومسيحيين 55.8% عام 1994، وارتفعت إلى 88.1% عام 2006، بينما بلغت نسبة من يشعرون بالانتماء لعشيرتهم حوالي47.1% عام 1994، وارتفعت النسبة إلى78.4% عام 2006 (28). وهذه النسب تعكس، إلى حد كبير، تبدل تناسب القوى بين الاتجاهين من حيث التأييد الجماهيري، كما عبرت عنه  استطلاعات الرأي.

كما بنيت نتائج دراسة أبو رحمة2011 التفوق النسبي الضئيل للهوية الوطنية، إذ حصلت  على متوسط 32.68 بنسبة بلغت81.7%، بينما حصلت الهوية الإسلامية على متوسط 36.11 ونسبة 77.8%. ورأى الباحث بأن هذا يطرح احتمال تبدل حالة البروز النسبي لصالح المكون الإسلامي في الهوية الفلسطينية، ارتباطاً بحركة الواقع وتطوراته السياسية والاجتماعية، وأشار إلى أن اندلاع الصراع على السلطة هو في مضمونه تعبير عن أزمة حادة تشمل كافة أبعاد ومكونات الهوية الفلسطينية وتعبيراتها السياسية والاجتماعية، نتيجة لبروز الهويات الفرعية إلى السطح، واختزالها لـ"الآخر" (الفلسطيني) إلى بعد واحد، بصورة تحجب كل الانتماءات الأخرى(29).

الخاتمة:

إن استمرار حالة الانقسام، في إطار تشارك الكل في المسئولية عن أزمة النظام السياسي، يطرح تحديات كبيرة أمام الهوية والكيانية الفلسطينية، بتعرضهما للمزيد من التآكل والضمور والتشظي، وذلك نتيجة لغياب هدف وطني جامع يوحد الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، وغياب المؤسسات التمثيلية الموحدة لهم والمعبرة عن هويتهم الوطنية في تطابقها مع مشروعها السياسي، وغياب المرجعيات الوطنية المتفق عليها كمرجع لحل الخلافات وتحديد إستراتيجيات العمل الوطني الموحد.

وهذا يطرح على كافة مكونات الحركة الوطنية مسئولية استنهاض الوطنية الفلسطينية بمعناها الهوياتي (الثقافي والرمزي) والكياني (السياسي)، من خلال تجديد بنى المشروع الوطني الفلسطيني، وتوليد رؤية وطنية جديدة تطابق بين شعب فلسطين وأرض فلسطين ومشروع حركتها الوطنية، وهذا يتطلب إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني الذي يطابق بين الشعب والأرض والمشروع السياسي.

المراجع:

  1. جابرييل أ. ألموند وج بيغهام باول الابن: السياسة المقارنة، ترجمة أحمد العناني، مكتبة الوعي العربي، سلسلة الفكر السائد – نسخة معدلة، 1980، ص98-99.
  2. نفس المرجع ص 35 .
  3. أرنست غلنر: الأمم والقومية، ترجمة مجيد الراضي، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، ط1، 1999، ص15.
  4. نفس المرجع، ص90.
  5. نفس المرجع، ص22.
  6. Stanford encyclopedia of philosophy, "Nationalism", available online at

http://plato.stanford.edu/entries/nationalism/

  1. سلافه حجاوي: مقدمات الهوية الوطنية وأشكالها 1871- 1914، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد العاشر، تموز 2000، ص57.
  2. ماجد كيالي: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 90، ربيع 2012، ص7.
  3. فيصل حوراني: جذور الرفض الفلسطيني 1918-1948، مواطن – المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، 2003، ص224.
  4. يزيد صايغ: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949– 1993: الكفاح المسلح والبحث عن الدولة، ترجمة باسم سرحان، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، 2003 ، ص47-48.
  5. ماجد الكيالي: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين، مرجع سابق، ص8.
  6. عيسى الشعيبي: الكيانية الفلسطينية: الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي 1947- 1977، مركز الأبحاث- م.ت.ف، بيروت، ط1، 1979، ص19.
  7. يزيد صايغ: الحركة الوطنية الفلسطينية 1949-1993، مرجع سابق، ص952.
  8. جميل هلال: النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو: دراسة تحليلية نقدية، مواطن- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، ط 2 ، 2006، ص54.
  9. للمزيد حول مكانة م.ت.ف في الأمم المتحدة أنظر: سعدات حسن: فلسطين في الأمم المتحدة: قرارات تاريخية وخلفيات، شئون فلسطينية، العدد 53-54، كانون الثاني – شباط 1967، ص16-20.
  10. عزيز حيدر: أثر التفاعل الثقافي على الهوية الوطنية والقومية في إسرائيل، الرباط، 1995، ص19.
  11. ماجد كيالي: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين، مرجع سابق، ص9- 10.
  12. نديم روحانا: الهوية الوطنية الفلسطينية والحلول المطروحة: كيف نتعامل مع التباين؟، في: جميل هلال (محرراً): فلسطين: دروس الماضي وتحديات الحاضر واستراتيجيات المستقبل، فلسطين والفلسطينيون (1)، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت، ط1، شباط 2012 ، ص 41- 42.
  13. ماهر الشريف: إشكالات ما بعد فشل مسار أوسلو: وقفة عند بعض السجالات الفكرية، أجراس العودة، 20/2/2008. على الرابط : www.ajras.org
  14. Rashid Khaldi, "Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness", New York. Columbia University Press, 1997. P132.
  15. يرى جقمان بان إنهاء الصراع يعني بداية جديدة لهوية جديدة غير تلك التي تشكلت بفعل النكبة وما تبعها.

    انظر: جورج جقمان: عبر من الانتفاضة الثانية، في: جورج جقمان: قبل وبعد عرفات: التحول السياسي خلال الانتفاضة الثانية، مواطن- المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله، 2011، ص16- 17.  .

  1. قيس عبد الكريم وآخرون: في النظام السياسي الفلسطيني، شركة دار التقدم العربي، بيروت، سلسلة الطريق الى الاستقلال- 12، 2004، ص193.
  2. سليم تماري: الهوية وبناء الدولة في الكيان الفلسطيني، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد32 ، خريف 1997، ص3-4.
  3. ماجد كيالي: صعود وأفول الهوية الوطنية والكيانية السياسية للفلسطينيين، مرجع سابق، ص12-13.
  4. دوني كوش: مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة قاسم المقداد، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص2002، ص62.
  5. ماجد كيالي: عن صعود الوطنية الفلسطينية وأفولها ، شبكة أمين الالكترونية ، 10/11/2008.

       على الرابط:  www.amin.org                                               

  1. محمود ميعاري: أثر الانتفاضة في الهوية الجماعية في الضفة الغربية وقطاع غزة، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 58، ربيع 2004، ص63.
  2. محمود ميعاري: تطور هوية الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، مجلة الدراسات الفلسطينية، بيروت، العدد 74-75، ربيع/ صيف 2008، ص49.
  3. عماد الدين أبو رحمة: أثر عملية التسوية على الهوية الفلسطينية، دراسة لاتجاهات طلبة الجامعات الفلسطينية بقطاع غزة، رسالة ماجستير (غير منشورة) في دراسات الشرق الأوسط، جامعة الأزهر، غزة، 2011، ص159-160.

[1] - هذه الورقة مستلة من بحث محكم منشور للباحث في مجلة كلية التجارة بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية اواخر 2015.