Menu
حضارة

الحكيم والاختلاف

بوابة الهدف

1

في الكتابة عن الحكيم الشهيد جورج حبش ، وفي ظلال هذه الشخصية المذهلة، نجد أنفسنا مضطرين لاستقصاء إرثه بحثا عما يرشد خطانا المتعثرة وطنيا، بل وحتى ما قد يشكل مخرج لنا لفهم ذواتنا الفردية وهويتنا الوطنية الجمعية، لكننا نتباطئ عن محادثة جورج حبش، او المضي أبعد من ذلك، أي أن نريد منه، ونطلب منه، والحقيقة العلمية تقول هنا أن تقديم مطالبات ممن غادروا الحياة يعتبر أمر صعب نسبيا.

لعل مقاربة منتوج الحكيم، وفقا للمنهج الجدلي التاريخي يمنحنا فرصة حقيقية للحوار معه، باعتبار هذا المنتوج هو بناء فكري معنوي، قام على بناء تحتي من ظروف تاريخية واجتماعية ووقائع صراعية، هذا المنطق ذاته يستدعي التفاتنا لجدلية اخرى هي صراع المتناقضات أي صراع تناقضاتنا نحن في التعامل مع ارث الحكيم.
وفي هذه التناقضات نجد أنه من جهة يمكننا الحديث مطولا عن ذلك الاحترام الكبير الذي يكنه الجمهور العربي ولما تركه فينا من بصمة مميزة، وفي المقابل هناك تغييب واضح لارث الحكيم، وتقاعس كبير عن مهمة حفظ هذا الارث، وهنا المقصود المعنى التقني البحت للكلمة، فما نقوم به تجاه إرث الحكيم فعليا هو استخدامه لتلبية احتياجنا العاجل للمشورة، أو التعبئة، أو الجدل السياسي، ورغم المحاولات التي يقوم بها رفاق الحكيم وحزبه لحفظ هذا الإرث، إلاّ أن هناك تقصير وطني ملموس في هذا الجانب، وهو ما يستدعي السؤال عن دور عشرات المؤسسات الوطنية الفلسطينية التي لا تلقي بالا لهذا الإرث.

وفي جدلية أخرى لعلها تشكل محور تفاعلنا مع ذكرى الحكيم في هذا العام، وهي دوره الوحدوي الوطني، في ظل الانقسام الفلسطيني والتمزق والتشرذم العربي، في تفاعلنا هذا نستدعي كل تلك المحطات التي اصر فيها الحكيم على تغليب الصراع التناقض الأساسي مع المحتل والمستعمر، على التناقضات الثانوية، ونتجاوز قدرة الحكيم على الاختلاف، وإرثه في هذا الجانب، تحركنا لذلك الكثير من النوايا الطيبة باستذكار كل ما هو وحدوي في تاريخنا، ولكن بنظرة أخرى نحن  أحوج ما نكون لاستدعاء قدرة الحكيم على الاختلاف، فربما كان ذلك خير ما نطلبه من الحكيم نحن المنقسمين المتشرذمين، الممزقين، المتقاتلين في كل شبر من وطننا العربي.

فنحن نجيد الهتاف لاتفاقنا، والحديث عن وحدتنا اذا ما تحققت، كفكرة طوباوية تقوم على التطابق، نقدس فيها من يماثلنا، ونعادي من يختلف معنا، إننا لا نبحث عن الوحدة ولكن عن التطابق، ونندفع في سعار مجنون لذبح من يخالفنا، أو يعارضنا، كما لو كان الكون يدور حول ذواتنا.

اجاد حكيم الثورة وصمام أمانها الاختلاف، وقاد نضالا لا يعرف التهاون ضد كل الممارسات التي رفضها، داخل صفوف الثورة الفلسطينية وفي بنيتها القيادية، وهيئاتها المختلفة، وكذلك في المشهد العربي، ولم يتراجع عن ممارسة هذا الحق، وكان واضحا كل الوضوح في ايمانه بضرورة هذه المعارضة، وابصاره لحتمية الاختلاف، واستحالة التماثل والتطابق، ووقف في مختلف المحطات كمحور ارتكاز وطني ناظم لعملية الاختلاف هذه، يقودها بما يحفظ الوحدة في مواجهة العدو، دون التراجع عن الدفاع عن الموقف السياسي، وفق فهم علمي لجذور هذا الاختلاف الاجتماعية والمادية وأبعاده الصراعية ونقاط الإلتقاء في ظلال هذه العوامل كلها.

أحد معيقات وحدتنا اليوم، واطلاق طاقات شعبنا في مواجهة العدو هو ذلك التمترس الذي يبحث عن التطابق بدلا عن البحث عن نقاط الاتفاق الوطني، والاستثمار فيها، والصراع والاختلاف فيما دونها، بحثا عن تصويب مسار الحركة الوطنية، وتثمير جهود شعبنا ونضاله لأجل التحرر الوطني، لا في اشتباك عبثي وصراع على سلطة لا تملك من أمرها شيئا تحت الاحتلال، أو اصطفافات طائفية لقتل كل من يختلف مع الطائفة الناجية المقدسة المنزهة عن الأخطاء.

تسيل دمائنا، وتستنزف مواردنا، ونفقد الأمل في كل ساعة وفي كل شبر من هذا الوطن العربي، لأننا لا نجيد الاختلاف، ولا نجيد الوحدة في ظل الاختلاف، هذا ما نستدعيه من ارث الحكيم اليوم في هذه السطور، ونسعى لاستلهامه، وما يذكرنا بأمانة ضرورة حفظ إرث الشهيد العظيم، كبنية حية نتفاعل معها ومكتسب وطني لا يمكن التسامح مع إهداره أو التفريط فيه.