على مدار الساعة
أخبار » آراء

معاول الهدم والمعركة على البيت والوطن

28 آيار / يناير 2017

من كان ينتظر إثباتًا، شاهد في الأيام الأخيرة بأم عينيه مفاعيل معادلات القوة وكيف تعدل موازين العدالة واتجاهات الإعلام وتقارير الطب الشرعي ومسار أقلام النخبة وأنظار الشارع، وكيف تقلب رواية الشرطة والمؤسسة رأسًا على عقب، وتحشر قائدها ووزيرها ورئيس حكومتها في خانة الكذب.

أيام بعد الإضراب "المحبط" والمظاهرة الروتينية التي أعقبت هدم بيوت قلنسوة، جاء التصدي البطولي لأهالي أم الحيران لمحاولة اقتلاعهم، ليقلب المزاج العام ويضخ الدماء في الجسد الجماهيري الراكد ويبعث الحياة في أساليب النضال التقليدية كالإضراب والمظاهرة، التي كان البعض، قبل أيام فقط، يطالب بشطبها من قاموس نضالنا باعتبارها من مخلفات الماضي.

أم الحيران سارت على هدي المثل الشعبي "ما بحك جلدك غير ظفرك" بتصديها لقوات الهدم ومقاومتها للترحيل، ودفعت الثمن بدم ابنها الشهيد يعقوب أبو القيعان وغيره من الجرحى، فتمكنت من تحريك الشارع كله تضامنا معها، وظلت تسير في المقدمة مرفوعة الرأس، لم تقايض بدم ابنها ولم تساوم على مراسم الشرف الذي يستحقه، بل أصرت أن تزف شهيدها، كما يليق بالحدث وبأمثاله من شهداء شعبنا، في جنازة مهيبة ضمت عشرات الآلاف من أبناء شعبنا في مختلف مواقعه.

كان عضو الكنيست السابق عبد المالك دهامشة، إن لم تخنني الذاكرة، من قال "يجب تكسير أيدي وأرجل الشرطي الذي يأتي لهدم بيوتنا"، وكانت مذيعة إسرائيلية تعمل في إذاعة الجيش الإسرائيلي من قالت بعد أحداث أم الحيران إنه "لو جاء شرطي ليهدم بيتي لدهسته أيضًا" جريًا على مقولة إيهود براك "لو كنت فلسطينيًا لصرت فدائيًا"، وكلها أمثلة تشير إلى الحق في التصدي للظلم وواجب مقاومته، ولعل قمة هذا الظلم هو هدم البيت بما يعنيه من سقف وستر ودفء ووطن. ومن غير الطبيعي وغير المفهوم أن تتم عملية هدم بيت أو مجموعة بيوت دون مقاومة حتى لو كانت العملية مدججة بأعتى الآليات والأسلحة.

قبل أيام استذكر أحد زملاء الدراسة "فزعة" طلاب جامعة بئر السبع لأهالي اللقية عندما حاولوا اقتلاعها مطلع الثمانينيات، وتصدي أهلها البطولي للجرافات المعززة بقوات القمع، وها هي اللقية اليوم راسخة في مكانها، قرية معترف بها، وفيها عضو كنيست سابق وعشرات المناضلين، مثلها كمثل منطقة المل التي ألغت مصادرتها مقاومة يوم الأرض في العام 1976، وأراضي الروحة التي منعت مصادرتها المقاومة التي عرفت بـ"أحداث الروحة" وغيرها من الأراضي والمواقع التي نجت بفضل مقاومة وصمود أهلها.

أحداث أم الحيران أعادت إلى الواجهة، هذا النمط من النضال الذي يعتمد المقاومة والصمود والانتصار، وأسقطت أساليب التجمل والمحاباة والتكيف مع الواقع. هي بضع رصاصات أو ربما رصاصة مطاطية واحدة تكون كافية أحيانًا لـ"تطيير رأس"، وأحيانًا أخرى لـ"تطيير" أو الإطاحة بالكثير من الأوهام ليس فقط من الرأس الذي تصيبه فقط، بل من رؤوس الكثيرين بعد أن تصدمهم بواقعهم.

حري بنا أن ندرك أن جميع الرؤوس سواسية أمام سلطة القمع الصهيونية، رأس عضو الكنيست ورأس البدوي وبيته وبيت الدرزي ورأسه، والمسلم والمسيحي والفلاح وابن المدينة وغيرها من تقسيمات قاعدة "فرق تسد"، فالهدم يضرب قلنسوة في المثلث وأم الحيران في النقب وهو في طريقه لضرب المغار في الجليل، ليصل ما انقطع أو ما حاولوا قطعه من الجسد الفلسطيني الواحد. والرصاص يطلق بسلاح الشرطة التي يريدون لنا الاندماج في صفوفها وفتح مراكز لها في قرانا ومدننا، شرطة القتل وهدم البيوت، شرطة إردان وألشيخ ونتنياهو غلاة المحرضين على العرب.

من هنا، فإن درس أم الحيران يجب أن يسقط، أيضًا، مخطط تجنيد العرب لصفوف الشرطة بذريعة مكافحة الجريمة، بعد أن أميط اللثام مرة أخرى عن وجهها العنصري المعادي للعرب، وهو المخطط الذي بوشر بتنفيذه جنبا إلى جنب مع مخطط هدم البيوت، في إعقاب إعلان نتنياهو عن ذلك عقب عملية ديزنغوف في تل أبيب، وربما من المفيد أن يرصد رؤساء المجالس والبلديات الميزانيات التي سيخصصونها لافتتاح مراكز شرطة للتخطيط وتوسيع مسطحات البناء.

وفي حمأة "الانتصارات"، علينا أن لا ننسى أن أم الحيران هي معركة في حربنا ضد هدم البيوت وإضفاء الشرعية القانونية على ما يقارب 50 ألف بيت مهددًا بالهدم، في الجليل والمثلث والقرى غير المعترف بها في النقب، وأن نتائج هذه المعركة تقاس بما يترجم من إنجازات عملية على الأرض في هذا المجال، ولذلك يجب أن يترافق العمل النضالي مع العمل التخطيطي والإداري والتفاوضي، الذي يكفل وقف مخطط الهدم وإيجاد حلول عملية لما يسمى بالبيوت غير المرخصة.

 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

سليمان أبو إرشيد

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر