على مدار الساعة
أخبار » في الهدف

من ينتظر ير

07 تشرين أول / فبراير 2017

من غير الممكن وربما ليس ضرورياً الاستعجال في التوصل إلى استنتاجات راسخة يمكن البناء عليها بثقة إزاء السياسات الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب وإزاء مختلف القضايا والملفات. من موقعها فإن الولايات المتحدة تجد نفسها دائماً منخرطة في كل الملفات والقضايا الساخنة والباردة التي تشهدها الكرة الأرضية، فهي تتصرف وكأنها حكومة العالم، وأن مصالحها تغطي أربع أنحاء العالم.
غير أن البدايات وطريقة التعامل مع بعض الملفات، وحتى اللغة التي يستخدمها الرئيس ترامب، تشير إلى قدر من العنجهية والتسرع وقلة الاحترام. في أنحاء العالم ينظر الكثيرون للقرار الذي وقعه ترامب بشأن الهجرة على أنه ينطوي على عنصرية واضحة تخالف ليس فقط طبيعة النظام الديمقراطي وإنما تضرب أسس بناء وتكوين الولايات المتحدة.
تاريخ تشكل المجتمع الأميركي بعد الحرب الأهلية، واستئثار المهاجرين على حساب السكان الأصليين من الهنود الحمر، ثم هجرة الكثير من الأعراق والجنسيات من مختلف أنحاء العالم، إلى بلد الفرص، جعل الولايات المتحدة مجتمعاً شديد التنوع والثقافات والحضارات، والأديان والأصول العرقية.
هذا التنوع ساهم إلى حد كبير في تطور المجتمع الأميركي، خصوصاً وأن النظام الديمقراطي نجح في استيعاب هذا الموزاييك، وحوله إلى طاقة هائلة تدفع نحو المزيد من التطور إلى الحد الذي جعل الولايات المتحدة دولة عظمى.
من لا يفهم هذه الحقيقة، ويسعى وراء سياسات وإجراءات وتشريعات، من النوع الذي قرره ترامب، من شأنه أن يضرب في الصميم هذه الخاصية الحيوية، وأن يغذي كل أسباب الصراع والخلاف العنصري داخل المجتمع الأميركي.
يسير التشريع الرئاسي الأميركي في اتجاه مخالف لسيرورة التاريخ الأميركي، ويشكل مساساً خطيراً بعوامل وديناميات تطور المجتمع الأميركي. وفي الجوهر أيضاً فإن استهداف الإسلام والمسلمين والدول الإسلامية، ينطوي على قدر عالٍ من الحماقة، لكونه يؤسس لصراعات وحروب في غير الوجهة الحقيقة التي تتصل بالأزمات والملفات التي تشكل خطراً حقيقياً على الولايات المتحدة وعلى شعوب الأرض.
مباشرةً كان لقرار ترامب تأثير على شركات الطيران، حيث إنه أثر على حوالى مئة ألف مسافر، وكان في حال استمرار تنفيذه أن يؤثر على المزيد من المسافرين. لا يليق برئيس دولة عظمى أو حتى دولة متواضعة أن يصف قرار قاض فدرالي بأنه سخيف، وأن يطلق تهديداً بأنه سيطيح به.
السلوك ليس معزولاً، ذلك أن ترامب يتابع أسلوبه الشعبوي الغبي، فقد سبق ذلك وبجرة قلم أن أقال وزيرة العدل بالوكالة لأنها لم تدافع عن قراره، وهذا يعني أن الرجل المغرور يتمتع بعقلية إقصائية شاملة.
حين يقصي كل السفراء والقناصل الأميركيين في عهد أوباما، ويقصي كل من عمل في إدارة الرئيس السابق، ويقصي شعوباً ودولاً، وديانات، ويقصي أيضاً مسؤولاً أو قاضياً يخالفه الرأي، فإن ذلك مؤشر عملي ملموس على أن الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة من الارتباك والجنون.
لا تترك إدارة ترامب فرصة للتفكير قبل التنفيذ، فهو بدأ بعملية إلغاء مرسوم "أوباما كير"، وركب أعلى الأمواج في التعبير عن رفضه للتجربة الإيرانية الصاروخية. لكأنه كان ينتظر فرصة أو ذريعة لكي يمزق الاتفاق بين إيران والستة الكبار، وينقل العلاقات الدولية بين إيران والآخرين إلى مربع الصراع الساخن، دون حوار مع الشركاء.
تصريحات نارية متلاحقة مشفوعة بتهديدات وإجراءات عقابية، صدرت عن أكثر من مسؤول في إدارة ترامب، كلها تشير إلى أن ملف العلاقات الأميركية الإيرانية يذهب نحو التوتر وربما تفجير الصراع على نحو واسع في منطقة الشرق الأوسط.
من الواضح أنه، أي الرئيس ترامب، الذي اختار طاقمه من نفس فئة الجينات الشعبوية المتطرفة، لا ينتظر تحريضاً من إسرائيل، وبعض الدول التي عبّرت عن رفضها للاتفاق بين إيران والستة الكبار، ولكن ليس صدفةً أن تتواصل الاحتجاجات الشعبية في العديد من دول العالم وفي الولايات المتحدة ذاتها، رغم مرور ثلاثة أسابيع فقط على تنصيب الرئيس ترامب.
لعل أهم هذه الاحتجاجات وأكبرها بعد الولايات المتحدة، ما تشهده العاصمة البريطانية، في الدولة الأكثر قرباً وأصدق تحالف مع أميركا.
شبكة "سي أن أن" الأميركية أجرت استطلاعاً للرأي، أظهر تراجع شعبية ترامب إلى 44% في أميركا، هذا قبل أن يقلع الرجل في تنفيذ رؤاه وسياساته، أما لو بادرت أي مؤسسة لإجراء استفتاء دولي فإن النتيجة ستكون أكثر سلبية بالتأكيد.
لا بد وأن نتنياهو وأركان حكومته من المتطرفين يرقصون طرباً لما يصدر عن البيت الأبيض، فثمة تماثل واسع بين الإدارتين. هذه الإشارات الأولية التي تصدر عن إدارة حكومة العالم، تشي بأن المجتمع الدولي مقبل على الكثير من الانفجارات والصراعات، التي سيكون لها تأثيرات واسعة وعميقة على طبيعة النظام الدولي الذي يتشكل، والذي سيطيح بالهيمنة الأميركية على هذا النظام، ويدفع الولايات المتحدة إلى الخلف.
أين كان لترامب تصريحات أو مواقف إيجابية، أدخلت الطمأنينة إلى نفس هذه الدولة أو تلك؟ تهديدات لإيران، وأخرى للصين، وثالثة للمكسيك ودول أميركا اللاتينية، ورابعة لدول الخليج، وخامسة للحلفاء الأوروبيين، الذين بدؤوا يناقشون بقلق وبعمق كيفية التعامل مع السياسة الأميركية الجديدة.
هذه السياسة لا تبقي للولايات المتحدة حلفاء سوى إسرائيل، الأمر الذي يجرهما سويةً نحو المزيد من العزلة والمزيد من المغامرات المكلفة ومن ينتظر ير. ليس على الفلسطينيين أن يحزنوا على تجاهل إدارة ترامب الاتصال والتواصل معهم، أو أن تصدر عن هذه الإدارة مواقف تصب كلياً في صالح إسرائيل، فهم ليسوا الوحيدين المتضررين من سياسة هذه الإدارة، لكن عليهم ألا يضيعوا المزيد من الوقت حتى يرتبوا أنفسهم ويستعيدوا وحدتهم، ويسترجعوا قوتهم. 

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

طلال عوكل

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر