على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

عائلة الطفلة نداء أبو عبيد: ابنتنا دفعت حياتها ثمناً للإهمال الطبي.. و"الصحة" ترد

15 أيلول / فبراير 2017
الطفلة نداء ابو عبيد
الطفلة نداء ابو عبيد

غزة_ بوابة الهدف_ رغدة البحيصي

مازالت مشكلة الأخطاء الطبية في مستشفيات قطاع غزة تحصد أرواح المزيد من الضحايا وسط غياب الرادع القانوني للمسؤولين عن هذه الأخطاء والذين يُتّهمون غالباً بأنهم مهملون ومستهترون بأرواح المرضى في ظل غياب رقيب حقيقي على هذه الأخطاء نتيجة سهوة طبية أو جهل "حسب قول الأهالي".

جهل أم إهمال

الطفلة نداء أبو عبيد (6 سنوات) كانت آخر ضحية لمشكلة الأخطاء الطبية حسب ما افاد شقيقها والتي فارقت الحياة نتيجة لسوء التشخيص والأخطاء التراكمية في علاجها، حيث قال شقيق الطفلة علاء هاني أبو عبيد من سكان مدينة دير البلح أنه تم نقلها إلى مستشفى شهداء الأقصى بنفس المدينة بعد تناولها للـ (شيبس) بشكل مفرط وشعورها بآلام في بطنها، وبعد فحصها وعمل بعض التحاليل أخبروهم أن وظائف الكلى لديها مرتفعة جداً، وقاموا بتحويلها إلى مستشفى الرنتيسي التخصصي للأطفال والذين بدورهم طمأنوا العائلة أنّ حالتها بسيطة.

يقول شقيق الطفلة " أنهم قاموا بتركيب كسترة (بول) للطفلة عدة مرات على مدى خمسة أيام وفي آخر مرة ارتفعت درجة حرارة نداء بشكل ملحوظ، تبع ذلك تكسر في الدم مما دفعهم لوضع عدة وحدات دم دون جدوى، حيث وصلت نسبة الدم لديها 2.3"، مضيفاً "أنه بعد تدهور حالتها الصحية طلبوا عمل تحويلة طبية عاجلة لها إلى مستشفيات الداخل الفلسطيني، وبعد عدة محاولات نجح الأهل في الحصول على تحويلة علاجية إلى مستشفى النجاح في نابلس بتاريخ 8 فبراير الماضي".

نزيف حاد

وأشار أبو عبيد أنه وقبل موعد نقلها بيومين فقط طلبوا من الأهل إجراء غسيل كلى للطفلة قبل مغادرتها وتم نقلها على قسم غسيل الكلى، لتبدأ مأساة من نوع آخر، حيث أخطأ الأطباء في تركيب (اللاين) المستخدم في عملية الغسيل في وريد الساق اليسرى للطفلة، وقاموا بتركيب (لاين) أكبر حجم (10) والمستخدم للكبار، ولم يعمل (اللاين) مما دفعهم إلى محاولة تسليكه بسلك ذو رأس مدببة يستخدم لهذا الغرض، موضحاً أن شقيقته أصيبت مباشرة بنزيف في مكان الجرح، ناتج عن إعطائها جرعة (هيبرين) مسبقاً.

ووصف شقيق الطفلة ما حدث بالكارثة حيث حاول الأطباء بالضغط بكل قوتهم لوقف النزيف دون جدوى، لدرجة أن أحدهم طلب منه بعد ساعات من الضغط المتكرر بإراحته والضغط بدلا منه على النزيف، وقد تفاجأ علاء بعمق الجرح وقوة تدفق الدم، حتى وصل دم الطفلة الضحية إلى 2.3، ليقوم الأطباء بتحويلها إلى مستشفى الشفاء بمدينة غزة، لتبدأ رحلة معاناة ثالثة، في ظل جهل الأطباء وعدم إحساسهم بالمسئولية حسب قوله.

تدهور ملحوظ

ويواصل الشاب أبو عبيد أن الأطباء هناك زادوا الطين بلة حسب وصفه، وقاموا بإخاطة الجرح رغم استمرار النزيف، وقد طلب التمريض منهم نقل المريضة إلى قسم العناية الفائقة بعد ارتفاع حرارتها وتدهور حالتها الصحية، ودخولها في شبه غيبوبة، فرفض الأطباء ذلك معللين بأن حالتها لا تستدعي وأن كل شيء على ما يرام، مشيراً إلى أنه بعد تصوير الطفلة أبلغوهم أن هناك كتلة دموية بحجم 5سم يستطيع الجسم امتصاصها.

يقول شقيق الطفلة " لاحظت تدهور حالة نداء بشكل كبير فطلبت من الطبيب المعالج ملفها للاطلاع عليه فرفض ودخل معي في مشادة كلامية انتهت بعراك، بعدها قام برمي الملف لي بطريقة (همجية) بعد أن سحب منه بعض الأوراق وأخفاها، فسارعت بتقديم شكوى للإدارة ولكنهم لم يتعاطوا معنا وحاولوا تصوير الأمور لنا بأنها طبيعية وان حالة نداء بسيطة ولا تستدعي القلق"وأنها لا تحتاج للنقل إلى قسم العناية المركزة.

نابلس المحطة الأخيرة

وبعد معاناة تم نقل الطفلة إلى مستشفى النجاح في نابلس بالضفة المحتلة وهناك حسب رواية والدة الطفلة كان استقبال الطبيب المرسلة له الحالة غريب لدرجة أنها شعرت أنها أخطأت في عنوان المستشفى، وأشارت الأم إلى أن الطبيب قام بالاتصال بالطبيب المعالج في قطاع غزة في محاولة لعلاج تداعيات الخطأ الطبي الحاصل قبل البدء في علاج مشكلة الكلى لدى نداء.

وهنا يؤكد علاء أبو عبيد أن الطبيب في مستشفى النجاح أكد لهم أن الكتلة الدموية داخل بطن الطفلة كانت بحجم الرغيف وليس كما صوروها لهم أطباء غزة بأنها صغيرة وسوف يتداركها الجسم، وأن هذه الكتلة نتجت عن الجسم المدبب الذي حاول الأطباء إدخاله في وريدها في قسم غسيل الكلى، حيث مكثت الطفلة في مستشفى النجاح يومين لتوافيها المنية صباح يوم السبت 11 فبراير الجاري، لتنتهي بذلك رحلة معاناتها، وطفولتها البريئة.

الطفلة نداء حصلت على شهادة تقدير لتفوقها الدراسي من مدرسة (ردولف فلتر) في مدينة دير البلح فهي طفلة مميزة تحفظ أجزاء من القرءان تتسم بالذكاء والفطنة، أحبها كل من عرفها، وقد طلب الطبيب منها أن تسامحه قبل نقلها إلى نابلس فرفضت وحملته مسئولية ما سيحدث لها، وقد توجه الطبيب لطلب السماح من والدها محاولا إقناعه بأن الخطأ وارد في أي عمل فرفض أيضا الصفح عنه ومسامحته، وقد حزن عليها والديها حيث تعاني والدتها من حالة يرثى لها.

ملاحقة قضائية

نداء حلقة في سلسلة طويلة من قصص الأخطاء الطبية في حق المواطن الذي أنهكته هموم الحياة برمتها، حيث تؤكد أسرتها أنها لن تتهاون في حق طفلتهم فهي تتهم وزارة الصحة بشكل مباشر ومستشفى الرنتيسي والشفاء بشكل خاص بالاشتراك في جريمة قتل طفولة نداء، مما دفعهم لتعيين محامي لرفع قضية ضد الأطباء المتهمين بإهدار حياتها، حيث يؤكد محامي العائلة أن هناك مخالفة صريحة للقوانين واللوائح الطبية في علاج الطفلة نداء من خلال تركيب أنبوب غير مناسب في الحجم في وريد الطفلة مما تسبب في تكون كتلة دموية أدت إلى نزيف حاد بعد حقنها بالهيبرين أودى بحياتها.

ودعا المحامي النائب العام بالتعاطي مع القضية وتحريكها من تلقاء نفسه، وملاحقة المتورطين في قضايا الإهمال الطبي.

وزارة الصحة

بدورها نفت وزارة الصحة أي علم لها بقضية الطفلة نداء، وأكد الناطق باسم الوزارة أشرف القدرة عدم وجود أي شكوى لديهم بهذا الخصوص مشدداً على أنه في حال تقدم أهل الطفلة بشكوى لدى الوزارة سيتم التعامل معها دون تهاون.

وقال د. القدرة في تصريح لبوابة الهدف " نحن لن نتعرى من مسئولياتنا الأخلاقية والمهنية أمام أي مواطن يلجأ لنا" داعيا ذوي الطفلة إلى التوجه إلى دائرة الشكاوى في وزارة الصحة وتقديم شكوى بهذا الشأن ومن ثم سيتم النظر في المسألة واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال كان هناك خطأ شأنه شأن جميع القضايا المشابهة التي يتم التعامل معها.

قصور القانون والرقابة

المحامي علاء اسكافي من مركز الميزان لحقوق الإنسان أكد عدم وجود عقوبات رادعة للأخطاء الطبية وعدم وجود قانون فلسطيني ينظم العلاقة بين المريض والطبيب المعالج، وعدم وجود رقابة طبية في المؤسسات الطبية الفلسطينية مشيراً إلى أنه عند حدوث الخطأ يتم تشكيل لجنة من وزارة الصحة والنيابة للتحقيق في الخطأ الحاصل وفي معظم الحالات لا يتم تحميل الطبيب المسئولية عن الخطأ الطبي وأنه لا يوجد سابقة قضائية بخصوص تلك الأخطاء المتكررة، مضيفاً أن حالة الانقسام وعدم التئام المجلس التشريعي بالشكل القانوني حال دون تقديم مشروع قانون ينظم تلك العلاقة ويضع الأطباء تحت طائلة القانون في حال وقوع مثل تلك الأخطاء.

وخاطب اسكافي الجهات المعنية بتقديم مشروع قانون وإقراره كما يتم إبرام بعض القوانين لتنظيم العلاقة ومعاقبة الأطباء على أخطائهم، وشدد على ضرورة أن يحمل القانون الفلسطيني وفقا للمسئولية الإنسانية أولا ثم الوطنية والأخلاقية المسئولية للمتسبب في الضرر، مؤكداً على أنه لا يمكن تقديم بينات قوية أمام المحاكم القضائية إلا في وجود لجنة فنية على مستوى أعلى من هؤلاء الأطباء يتم من خلالها تقديم الطبيب المخطئ للمحاكمة للمعاقبة في حال وجود تقصير أو إهمال وتعويض المتضرر من الأخطاء الطبية.

وأفاد المحامي علاء اسكافي أن مركز الميزان تلقى أكثر من 20 شكوى وادعاء بخطأ طبي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة وأن هناك حالات يكون فيها الخطأ واضح لا يحتاج إلى لجان ولكنهم يصطدموا في كل مرة  بقرار اللجان أن هناك خطأ عادي ومتوقع لا يستوجب معاقبة الطبيب موضحاً أنه وللأسف دائما تحال الملفات إلى وزارة الصحة من النيابة العامة لمتابعة القضية.

غياب القوانين

وبحسب قانون العقوبات المعمول به في الأراضي الفلسطينية يترتب على الطبيب الذي ثبت وقوع إهمال منه، ثلاثة أنواع من المسؤولية: مسؤولية تأديبية تفرضها الجهة التي يتبعها الطبيب مهنيا أو وظيفيا، كنقابة الأطباء أو وزارة الصحة، ومسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية تفرضهما المحكمة بناء على طلب النيابة العامة، أو مطالبة المتضرر أو ورثته.

ومع تعدد أشكال الأخطاء الطبية في المستشفيات الخاصة والحكومية نتيجة عدم الخبرة وجهل الأطباء، حيث تحدث معظمها بسبب التشخيص الطبي غير المناسب مما يتسبب في فقدان المريض لحياته أو في عاهة مستديمة وبما أن ضياع حقوق الضحايا لا يتوقف عند غياب قانون للأخطاء الطبية، حيث نظام التأمين والتعويض ضد هذه الأخطاء غير موجود، رغم أنه يكفل حق الضحية؛ وفق قانون الخدمة المدنية، يبقى شبح الأخطاء الطبية يلاحق المواطن الذي أمسى يذهب إلى المستشفى للعلاج وهوا لا يعلم إن كان سيعود إلى بيته على قدميه أم سينتهي به المطاف إلى ثلاجة الموتى. 

متعلقات
انشر عبر