على مدار الساعة
أخبار » آراء

الحركةُ المجتمعيَّة الجامعة مطلبٌ فلسطينيٌّ ضروريٌّ

15 حزيران / فبراير 2017

نقلا عن إتجاه

يَغُصُّ الشارع الفلسطينيّ بالفصائليَّة السياسيَّة، وتستوطن الأفكار والأيديولوجيات كل خلجات ومكوِّنات الشارع الفلسطينيّ وتنتشر الحركات الاجتماعيَّة القطاعيَّة والمهنيَّة والتخصصيَّة في كل مكان.

ورغم طغيان البيئة التقليديَّة اقتصاداً، واجتماعاً وثقافة، ورغم ما تعرَّضت لَهُ فلسطين من كولونياليَّة اقتلاعيَّة، فذلك لم يمنع نشوء مبادرات متنوعة الاهتمامات، والفاعليَّات والمستويات التنظيميَّة التي تجاوزت بقدر أو بآخر "التقليديَّة" واقتربت بهذه الدرجة أو تلك من الحداثة.

والحركات الاجتماعيَّة تزامنت تاريخيَّاً مع التحولات الناتجة عن الثورة الصناعيَّة منذ قرنين ونيِّف وما توالَد عنها من مدن عصريَّة، ومكونات طبقيَّة جديدة، وعلوم جديدة وثقافة جديدة. ولأنَّ العرب يشهدون تحولات على تخوم الثورة الصناعيَّة، وهذا حال فلسطين رغم تاريخها المفوَّت ذلك أنَّها لم تستقل بعد، فثمة إسقاطات لهذه التحولات تتسع أو تضيق اتصالاً بغناها وعمقها ومدى انفكاكها عن المركز والهيمنة.

ولئن كان هناك تعريفات عديدة ومتباينة للحركات الاجتماعيَّة، غير أنَّها في مجملها تتقاطع حول "نشاط شعبيّ منظَّم" وبالتالي فهي ليست حركات سياسيَّة حزبيَّة كما جاء في كتاب تشارلز تيل "الحركات الاجتماعيَّة" وفي أوراق ومقالات "الحركات الاجتماعية في الوطن العربي"، تنطلق من أسفل، أي أنَّها ليست رسميَّة وغير تابعة للسلطات وتضم أنشطة نقابيَّة وشبابيَّة، ونسويَّة، وثقافيَّة، وجمعيات، وتعاونيات شتى ولجان محليَّة متنوعة. ويمكن القول أنَّها شبكة تقع بين السلطة والعائلة.

عرف المجتمع الفلسطينيّ مئات ومئات المحاولات التي نشأت وخبت دون قدرة على الاستمرار والتأثير المتواصل، سواء لإخفاقها في بناء قاعدة مؤطَّرة لحمل هموم النشاط المحدَّد، أو لانعزاليَّة المبادرين، ونخبويَّتهم وافتقارهم للتجانس، أو لتجاذبات وتنافرات الفاعلين دون القدرة على الإمساك بالقواسم المشتركة، ولذلك فإنَّ من أهداف هذه المقالة السعي لاجتناب هذه المحذورات وسواها، وبالتالي اشتقاق التعريف الملائم المتواشج مع الملموس الفلسطينيّ وكذا تأمين الشروط الموجبة لنجاح التوجه.

لن يضيف شيئاً تأسيس فصيلة سياسيَّة جديدة، فالفصائليَّة في كل بيت، وكانت نحو 72 فصيلاً عام 1970 تقلَّصت إلى 14 اليوم، ولن يضيف شيئاً الاشتباك مع الكلِّ الفلسطينيّ، فالاشتباك في كلِّ مكان يضاف إليه ما وفَّرته وسائل التواصل الاجتماعيّ من فسحة أتاحت لكلِّ شخص قول ما يشاء أو الاشتباك مع كل ِّمن يشاء، ولا يشكِّل إضافة نوعيَّة تأسيس منظَّمة غير حكوميَّة، ففي الضفة وغزة (فقط) 2800 منظمة، الفاعل منها 1600.

وكلُّ هذه اللوحة المتشعبة لم تمنع أن ينخر الشعب الفلسطينيّ في الداخل والخارج ديناميَّة تفكيكيَّة انتقلت إلى ديناميَّة تفتيتيَّة. وليس النخر سياسيَّاً وجغرافيَّاً فقط بل وفي الفصيل الواحد، والمخيم الواحد والمدينة الواحدة... وصولاً إلى تغذية مرَّكبات تقليديَّة ومنظورات فكريَّة منغلقة تعود للقرون الوسطى ومنفصلة عن القفزات العلميَّة التي اجتاحت العالم علاوةً على ما تنطوي عليه من نزعات تكفيريَّة.

وعلى التعريف المطلوب للحركة الاجتماعيَّة أن يؤسِّس لتجاوز الحالة القائمة وأن يحثَّ الخطى للسير للأمام. فهو عنوان تجميعيّ للقوى والاستعدادات والإرادات، ونقديّ لعناصر السلب، والتخلف، وعدم الكفاءة، والفشل، وينطلق من تعزيز مقوِّمات الصمود والهدف التحرريّ الجامع والمنحاز لمقولة الإنتاج على كلِّ الأصعدة الاقتصاديَّة وغيرها.

أمَّا أحوال تجمعات شعبنا الأخرى فهي بين دفاع عن وجود وبين تشريد وتشظي لا يخلو من مآسي متلاحقة وتباين في الأولويات. طبعاً، لدى شعبنا قوَّة الحياة، فرغم الاستلابات التي تنهشه في كل مكان، فهو يتمتع بعبقرية تاريخيَّة طالما يحافظ على وجوده ويتشبث بحقوقه. ولأنَّه جدير بالحرية والكرامة فمن الواجب التغلب على إخلالاته وأخطائه تقصيراً لزمن معاناته وقساوة ظروفه. ومن هنا، تأتي الدعوة لإطلاق حركة اجتماعيَّة عامة، كآليَّة من بين آليات عديدة يحتاجها شعبنا للمِّ شتات صفوفه وتحسين ما أمكن من أوضاعه.

فإلى أين يتجه المجتمع الفلسطينيّ في الأراضي المحتلَّة عام 67 إذا كانت نسبة الزيادة الطبيعيَّة 6% بينما وتائر النمو لا تصل إلى 2% وأحيانا ترتدُّ، ويدمِّر الاجتياحُ أو العدوان ما راكمته السنون، وحجم خسائره تفوق حجم المساعدات الدوليَّة منذ أوسلو (نحو 30 مليار دولار)، ناهيكم عن مصادرة أرضه وثروته المائيَّة وأملاح البحر الميت... الخ. وفيما يتخرَّج سنوياً 45 ألف طالبٍ وطالبةٍ من الجامعات لا تتوافر فرصُ عمل لأكثر من 15 ألف، بعد أن باتت "السلطتين" في الضفة وغزة والمنظَّمات غير الحكوميَّة في حالة إشباع، بالإضافة لعقليَّة سائدة لدى السلطتين والقطاع الخاص منحازة لليبراليَّة الجديدة بعيداً عن الاستثمار في قطاع الإنتاج من جهة، وتفشي ثقافة "أريد فرصة عمل وليس أخلق فرصة عمل" لدى قطاعات شعبيَّة واسعة من جهة أخرى!

وما يقال عن أصحاب الملايين في الضفة وغزة لم تظهر نتائجه في تأسيس مصانع ومزارع إلا في أضيق الحدود، أي في الاقتصاد الإنتاجيّ -منصة التنمية الحقيقية- سواء كان الاقتصاد رأسماليَّاً أو مُشرَّباً بتوجهات اشتراكيَّة. أما حجم الاقتصاد الاجتماعيّ فهو محدود ونسبته في الاقتصاد الفلسطينيّ ضئيلة.

ولهذه الأسباب وسِواها ثمَّة حاجة ماسة لمبادرات من كل طرز، تعضد بعضها بعضاً، وبكلمات ماوتسي تونغ "دع مئة وردة تتفتح" وتتكامل مع كل العوامل الإيجابية القائمة بعيداً عن تراشق الاتهامات وتشويه روايات النجاح. فالكلُّ الفلسطينيّ مأزوم سياسيَّاً، واقتصاديَّاً، وثقافيَّاً، واجتماعيَّاً وسيكلوجيَّاً. وبداية الخروج هو تعضيد كلّ مبادرة بناءة، وكلّ فكرة إبداعية، وكلّ إرادة صادقة، والهتاف من أجل النجاح لتعزيزه، ونقد الفشل للتخلص من عوامل فشله، ومعارضة الخطأ لتصويبه.

من هذه القاعدة يمكن النظر لأيَّة محاولة لتأسيس حركة اجتماعيَّة، فهي ضرورة موضوعيَّة ويمكن الاستجابة لها بإبداعيَّة لا تكبحها نمطيَّة، أو عقل أحاديّ وتطلعات زعاماتيَّة. وهي على قدرٍ من الغنى، فلا نموذج واحد لها. وطالما هي متحرِّرة من البقرطة المتخشبة ويقرِّر بشأنها مجالس واسعة، تضم فاعليَّات وازنة وقطاعات تتصدى لأوجاعها، يسند بعضها بعضاً في إرادة جمعيَّة، وتضم تنوع لا حدود له "افتحوا النوافذ"- تينغ هيساو بنغ، على قاعدة أوسع مشاركة ديموقراطيَّة أفقيَّة "الاجتماع الواسع صاحب القرار"-مكارنكو، وتواصل حيويّ مع منابع الفعل بمنأى عن بيروقراطيَّة التقارير، فهي تسير في الاتجاه الصحيح.

وعليه، من ناحية النوايا، فالحركة الاجتماعيَّة المتخيَّلة، هي مبادرة شعبيَّة من أسفل، وهي متنوِّعة، لا حركة سياسيَّة ولا أيديولوجيَّة، تعمل للخدمة العامة وتتوافق على حدٍّ أدنى من القواسم المشتركة، تسند مبادرات قطاعيَّة ومحليَّة، وتتسع لها جميعاً وتفسح مجالاً واسعاً للثقافة التنويريَّة، والحواريَّة، والنظرات العلميَّة ويجمعها مع مكونات الشعب التطلع التحرريّ من الكولونياليَّة، وجامع آخر هو توحيد جهدها لإسناد أيّ تحرك اجتماعيّ، قطاعيّ، أو محليّ والانحياز للمطالب العادلة. وهي لئن كانت حركة مجتمعيَّة غير أنَّها تتبنى ما يلزم من مواقف سياسيَّة دون أن تتحول لحركة سياسيَّة أو تُجيَّر من قبل حركة سياسيَّة أو أن تتجاذبها مواقف سياسيَّة متنازعة تهدد وجودها ودورها المجتمعيّ.

إنَّ توجهها الأساس هو بلورة قاعدة جماهيريَّة من فاعليَّات وتحرُّكات قائمة وما يضاف إليها من تأطير، فهي ليست ممثلاً بيروقراطيَّاً، بل عنواناً تجميعيَّاً وإسناديّاً، يعتمد التأثير من مقترحات، وكتابات، وتعبئة والاحتجاج بما يتطلَّبه من تحشدَّات تعزِّز التضامن المجتمعيّ والتكامل مع مركباته، وتعتمد الوسائل النظريَّة والديموقراطيَّة المتعارف عليها للإصلاح والتحسين.

والحركة المنشودة المتخيَّلة إنما تتكئ على العمل الطوعيّ والاختياريّ القائم على المواطنة المتساويَّة لأفراد وهيئات ومناشطات تشارك فعلياً فيها وليست مجرَّد ديكور وفقاعات هوائيَّة.

ما أكثر هموم الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها قضايا الشباب، والمرأة، والبطالة، وقطاع التعليم، والصحة، والقضاء، والأسرى، والسلطات المحليَّة، وإرباكات النظام السياسيّ وغيرها. ولكن لا مهرب من استخراج الأولويات وتكريس الجهد الأساسيّ فيها، وفي نفس الوقت إسناد ما يمكن من مبادرات، وتفادي إثارة أسئلة من شأنها تفتيت القوى وغير متصلة بالأولويات. وربما مفيد شعار "نغوص ثم نرى" فهو المحرِّك لإطلاق شرارات البدايات في بيئة حاضنة على طريق تأسيس فاعل اجتماعيّ قادر على الاضطلاع بدوره.

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

أحمد قطامش

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر