على مدار الساعة
أخبار » آراء

قرارات ترامب.. وأبعادها الخطيرة!

16 آب / فبراير 2017
قلم
قلم

محمد السطوحى

بداية لا يوجد ما يمنع أي دولة من اتخاذ ما تراه من قرارات تحافظ على أمنها القومي وسلامة شعبها من الهجمات الإرهابية، ويجب عدم التقليل من وجود ذلك الخطر في أمريكا مثلما هو موجود في أوروبا ودول عديدة.

فأمريكا شهدت هجمات سبتمبر التي قتل فيها ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص، ومن بعدها وقعت عمليات إرهابية متفرقة ما بين تفجير في ماراثون مدينة بوسطن إلى إطلاق النار في سان يبرناردينو وأورلاندو وغيرهما، هناك إذن تهديد حقيقي لا يمكن التقليل منه، ويتعين على الحكومة الأمريكية مواجهته، لماذا إذن أثار قرار الرئيس الجديد دونالد ترامب بمنع أبناء سبع دول ذات أغلبية مسلمة من دخول أمريكا كل هذه الضجة؟ ولماذا أقول إنها قرارات خطيرة؟

أولا: لا يمكن أن نفصل هذه القرارات عن السياق الذى حدثت فيه، فترامب سبق أن طالب في أثناء حملته الانتخابية بمنع دخول كل المسلمين في العالم دون استثناء من دخول أمريكا، وعندما ثارت احتجاجات قوية فإنه طلب من عمدة مدينة نيويورك الأسبق رودى جوليانى تشكيل لجنة لجعل هذه الخطوة قانونية، فالمسألة إذن مرتبطة بتوجهات عامة بصرف النظر عن البعد القانوني لها، كما أن المحيطين به نقل عنهم الكثير من العبارات العنيفة التي تعدت الإرهابيين لتسيء إلى الإسلام والمسلمين عامة، ومنهم مستشار الأمن القومي الأسبق مايكل فلين الذى قال إن الخوف من المسلمين أمر منطقي، وكذلك كبير مستشاريه ستيف بانون الذى قال إن الإسلام ليس دين سلام، بل أضاف أننا في بداية حرب عالمية ضد الفاشية الإسلامية، كما أن إصرار الرئيس الجديد على استخدام تعبير «الإرهاب الإسلامي الراديكالي» بما فيه من ربط للدين بظاهرة الإرهاب يضيف المزيد من الهواجس بشأن ما إذا كان الهدف من هذه القرارات هو فقط منع وقوع أي هجمات إرهابية.

ثانيا: الطبيعة التمييزية لهذه القرارات التي تجعل فرز الناس على أساس الدين سياسة رسمية لدولة تحرص على إصدار تقارير عن حقوق الإنسان في أنحاء العالم، وتسمح لنفسها بانتقاد أي ممارسات مناهضة للحريات، لكنها الآن تقوم بإصدار الفيزا للأقليات من أبناء هذه الدول دون المسلمين بصرف النظر عن طبيعة الطلب أو شخصية مقدمه.

ثالثا: صحيح أن القرارات مقصورة على سبع دول فقط إلا إنها، كما ذكر رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض رينس بريبس يمكن أن تمتد مستقبلا لتشمل دولا أخري، وهو لم يحدد هذه الدول، لكنه قال ذلك ردا على أسئلة تتعلق بمصر والسعودية وباكستان وغيرها، وربما كانت المظاهرات والاحتجاجات الكبيرة على القرارات الأخيرة دافعا للتريث في إصدار قرارات جديدة قريبا أو الحرص على وضع تفسيرات أوضح لها، لكن ذلك لا يمنع من إمكانية صدورها وإضرارها بدول أخرى ترى نفسها حليفة لواشنطن وإدارتها الجديدة.

رابعا: مع رجل ألف كتابا عن فن عقد الصفقات، فإن التهديد بفرض مثل هذا الحظر سيمثل سيفا مسلطا على رءوس تلك الدول وقياداتها يمكن لإدارة ترامب أن تستخدمه للابتزاز والحصول على أي تنازلات ممكنة في قضايا أخري.

لكن يبقى الخطر الأكبر لهذه القرارات من وجهة نظري أنها قد تؤدى إلى نتائج معاكسة لما تم إعلانه، وهو الحفاظ على أمن الولايات المتحدة، فالدول السبع التي تمت تسميتها في القرارات الأخيرة لم يعرف أنها صدرت لواشنطن أي إرهابيين في الفترة الماضية، صحيح أنها في أغلبها دول فاشلة سقطت فيها أنظمة الحكم أو انحسرت سلطتها في جزء من أراضيها بما سمح بانتشار الجماعات المتطرفة مثل داعش أو القاعدة، لكن كان يمكن تشديد إجراءات دخول رعاياها لأمريكا، كما فعلت إدارة أوباما دون فرض حظر تمييزي ضد المسلمين فيها، فالقرار الأخير هو في ذاته أكبر دعاية لتلك التنظيمات المتطرفة التي كثيرا ما صورت صراعها في أمريكا والغرب عموما في إطار حرب دينية، وهى الآن تجد في شخصيات الإدارة الجديدة، وسياستهم المعلنة ما يمكن أن تستخدمه لتأكيد مزاعمها، من المهم أيضا توضيح أن أمريكا لم تتعرض لتهديد إرهابي كبير من اللاجئين أو المهاجرين أخيرا، حيث يتم فحص كبير لملفاتهم، لكن أغلب ما وقع من هجمات فى السنوات الأخيرة كان لمسلمين يعيشون في أمريكا منذ سنوات طويلة ويحملون الجنسية الأمريكية، فخطر داعش والتنظيمات الإرهابية لا يحتاج لفيزا للوصول إلى شاب قلق وغاضب أو مستعد لتبنى أفكار متطرفة على الانترنت، وعندما يسود شعور بالاضطهاد والترصد لدى أي جماعة، فإن هذا يزيد بالتأكيد من استعداد بعض أبنائها لقبول تلك الدعايات التي تخاطب مشاعرهم الدينية أو نقاط الضعف لديهم، هذا هو الخطر الحقيقي الذى يمكن أن يترجم في المزيد من عمليات (الذئب المنفرد) التي يصعب على أي أجهزة استخبارات منعها بشكل كامل، ولنا أن نتصور ما سيقوله ترامب ومساعدوه في حالة حدوث ذلك لمعارضيهم: ألم نقل لكم؟ هؤلاء هم الذين تدافعون عنهم؟ يجب أن تطلقوا أيدينا في محاربة هؤلاء الإرهابيين وداعميهم في أمريكا، ومع تراجع الأصوات الاحتجاجية التي لن تعلو على صوت المعركة ضد «الإرهاب الإسلامي» يمكن أن نرى خطوات تصعيدية ضد المسلمين في أمريكا والقادمين من الخارج بما يزيد من حالة الضغط والشعور بالاضطهاد الذى يمكن أن يؤدى بدوره للمزيد من العمليات الإرهابية، بما يدخلنا في دائرة جهنمية مغلقة للتصعيد المتبادل، بل وقد تمتد لحملات انتقامية من مواطنين عاديين ضد الجالية المسلمة.

لقد نجحت إدارة بوش في منع مثل هذا السيناريو المخيف بعد هجمات سبتمبر لكننا الآن أمام إدارة يمينية قد تتجه للتصعيد، وربما ترى في تلك الحرب تأييدا لتوجهات أيديولوجية أو أفكار دينية، فهل في تلك الإدارة من رجل رشيد؟

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

متعلقات
انشر عبر