على مدار الساعة
أخبار » ثقافة وفن

مرحبًا يا أنسي الحاج.. مرحبًا أيها الشاعر

18 تشرين ثاني / فبراير 2017
fa216b21-1ccb-4b58-a88f-3129fe40ef4b_16x9_600x338
fa216b21-1ccb-4b58-a88f-3129fe40ef4b_16x9_600x338

عقل العويط*

اليوم 18 شباط 2017 يكون قد مضى على غيابكَ ثلاثة أعوام. ذهبتُ إلى بيتكَ في الأشرفية، فلم أعثر عليكَ، ولا على البيت. ثمّ عرّجتُ على "النهار"، وعلى غيرها من الجرائد بالطبع، لعلّ أحداً يدلّني على موضع إقامتكَ الجديد، فلم أُوفَّق في مسعايَ. قلتُ في ذاتي ربّما آثر الشاعر فجأةً أن يسافر في الكلمات، وقلتُ أيضاً لعلّه عاد بالشوق إلى الرحم الأولى. هذا حصل كلّه بالافتراض وبوهم الخيال، ذلك أنّه لم يخطر في ذهني خلال الأعوام الثلاثة الاخيرة أن أحفظ لكَ عنواناً، أو مكاناً للفرار، سوى الكتب وجروح الذكريات.

أنتَ النازل على الدوام في غرفةٍ آمنةٍ من غرف رأسي، لن يهدّدكَ نسيانٌ ولا خرابٌ ولا امتهان. فأنتَ جميلٌ ومتأهّبٌ وغامضٌ كأنّكَ ذاهبٌ ليلاً إلى حفلتكَ السرّية، مع جمهور السحرة الذين يخربطون رتابة هذا العالم، ويخلقونه من جديد.

الأليفُ أنتَ الغريبُ. يدهشكَ أنَكَ تتأمّل الوجود بعينَي طفلٍ مولودٍ للتوّ، ويرعبكَ أنَكَ ترى ما تراه كأنّكَ لم ترَ من قبل. كلّ هذه البشاعات، كلّ هذه المآسي، والأمراض، والحروب، والقتلى، كأنّكَ لم تعبرْ يوماً من هنا، ولم تصرخْ يوماً. وكأنّك لا، ولم تكتب. فمَن الذي كان هنا، يا ترى، ومَن هو الذي لم يعد هنا؟! لستُ أدري. غير أنّي أتدارك بحدس الأمل المكسور وقمر الفجيعة، ليظهر لي بالبرهان الموجع أنّ ذلك لا ينطلي عليَّ، ولا عليكَ، ولا يكفيني، ولا يكفيكَ.

ها أنتَ حيث أنتَ. أتذكّر بالاستدلال القلبيّ أنَك غادرتَ قسراً، وبطريقةٍ همجية. وهو الأسلوب الذي لن أغفره للموت، ولا لسيّد الموت. وها أنا أعترف بأنّي لن أستطيع أن أظلّ أتغافل عن مسألة اللجوء لارتباطها بمعناكَ مطلقاً، وبمعناكَ في وجودي على وجه التحديد.

لذا أراني أنتقم من هذا الموت ومن سيّده بأنّي أشعر حقاً ودائماً بإقامتكَ المطلقة معي، في الهواء مثلاً، على غصنٍ وارفٍ من فؤادي، وبأنّي أراكَ وأخاطبكَ، وأزداد بكَ حدّ الامتلاء الغفير. وأنا لستُ بممتلئ على رغم الامتلاء. ولن.

ألهذا السبب، يا ترى، لا يقنعني أنّكَ غادرتَ إلى غير رجوع، وخصوصاً عندما أكتشف بالحدس الصارخ أنّك تتردّد عليَّ في الوعي وفي الغفلة، مثلما يتردّد عليَ بانتظامٍ ضوءُ الفجر من نافذة الغياب. وأنتَ الملمُّ بأحوالٍ كهذه الأحوال، لطالما كنتَ تسند غياب الأشياء والكائنات وتسعفها بحضوركَ الدفين. فمَن يا ترى يهبّ للتوّ ليسعف كينونتكَ التائهة في محنة الابتعاد؟!

ليس الحسّ ما أرمي إليه بل ابتهاج الوجود حين تستحضركَ اللغة من تلقائها، فأصير وأنا أكتب كأنّي أسيل في الحبر معكَ، كما يسيل الغيم في المطر، والنهر في البحر، والبحر في اختبار العذاب. ولا لزوم للشرح لأن المعنى في القلب، في قلبكَ أيّها الشاعر.

يستلزم ذلك منّي أن أقول للجماعة الشعرية إنّ الابتعاد شجاعةٌ نادرة، لا تسلس قيادها إلاّ للشجعان الشعراء النادرين، ومَن يوازيهم في الجموح ونبل الغياب. لا أمدحكَ بل أُلاطِف كياني وأُليِّن أتعابه بسبب وجع الابتعاد. وبقدر ما يعزّيني هذا الشعور، يغمرني باللامحسوس من الأوجاع. علماً أنّي أتقبّل الانسحاب إلى غفلة التراب بنوعٍ من التفلسف البوذيّ، باحثاً عنكَ، وواجداً إيّاك في العلامات والإشارات والأسرار والدلالات، أكثر بكثير من بحثي عنكَ في المحسوسات، ورغبتي في العثور عليكَ. من زمانٍ بعيد، وقبل أن تنتقل إلى حيث أنتَ، ما عادت تهمّني طقوس الاحتفالات والمجاملات والمناسبات. لقد أتحتُ للجام العقل أن يفلت، مفسحاً لحصان الوجدان أن يجمح إلى مطرحٍ غير متداوَلٍ بين المطارح. لقد أعلنتُ أن المسألة الوجوديّة لم تعد محض مصافحة أو محاورة أو جلوس. وهي باتت تتخطّى الفداحة التي يُحدِثها الشغور، لتكتوي باللوعة الممتازة الطيّبة، لوعة الجمر غير القادر على الخمود، وغير القابل به في كلّ حال. وكم رأيتُني أستجمع شتات الشرود البارق لأحقن الليل بالضوع الذي يشيع في كينونتي ويغمرها، فيرتّب لها الكثيف من المعنى، ويترتّب من جرّائه الجمّ الوفير من فيض اللغة. هذا كلّه من أجل أن أبقى على مقربةٍ منكَ، بالافتراض الذي يلي كلَّ مكانٍ، ويحرّر كلّ مقبرةٍ من ربقة التراب، تراب الموت واللاعودة.

هذه ليست حاجةً عابرةً أيّها الشاعر. إنّها حنكة الاتصال باللاوجود. وأنا، يا لحظّي، ممعنٌ في الحنكة التي تجعلني موصولاً بهذا اللاوجود. حيث أنتَ بالذات. وهو الوجود مطلقاً.

ثمّ أقول مخاطباً لا أحد، ولا حتى نفسي، يا للزجاج الذي يقيم فاصلاً افتراضيّاً بين تعابير الوقت، علماً أن ليس في أحوال الأزمنة أيّ فاصلٍ. علماً أنّي أجتاز المسافة يوميّاً إليكَ، من دون أن أحتاج إلى مناداة أحد، ليعبر بي الحدود والفواصل. ما أشهى أنّي أفعل ذلك، وما أعظم أنّي موصولٌ بكَ، وبتردادٍ صوفيٍّ أين منه الدوران الذي يحتفل به الراقصون المبتهجون العلماء المتبحّرون في شجون الانخطاف والانتشاء والذوبان.

مرحبا يا أنسي الحاج. مرحبا أيّها الشاعر.

كنتَ تعرف أنّه يمكنكَ أن تترك الأشياء على حالها. لأنّكَ تدرك بالديمومة الغامضة أنّ الأشياء تحيا بذاتها. وكذا هي حال الأمكنة وساكنيها. أما الكلمات، وهي جوهرة الأشياء ودرّتها الفريدة، فأنتَ أدرى بحياة الكلمات. وعلى غرار كونفوشيوس وبوذا وأفلاطون وسقراط وسائر أصحابنا الشعراء المشتركين، لا يضيركَ في شيء أن تظلّ ترعى الأشياء من هناك، وأن تمعن، وأن تتخذ لكيونتكَ محراباً يؤويكَ ويستقبل المدعوّين إلى المحاورات التي ليست بالكلام.

وعندما تشتدّ العواصف المريبة، وهي دائماً مريعةٌ ومريبة، لا أشعر بوجل الخوف، ولا بالوحشة. بل أزداد، وأتراكم، مثلما تفعل الجبال الحكيمة الرعناء بنفسها. واعلمْ جيّداً أيّها الشاعر أن العواصف تهوى الجبال مثلما تهوى الأشجار التي فوق الجبال، وعلى السفوح، وفي المنحدرات. وكم هي تهوى الأعشاب والنباتات الليّنة التي لا تأبه ولا تتراجع إلى الوراء، بل تنزل إلى الحلبة، كأنها ذاهبةٌ إلى الربيع وشمس العطلة الفسيحة.

ولأن الاحتفال ينطوي على مغامرة، يجدر بكَ أن تظلّ شريك الاحتفال وشريك المغامرة، لأنّ الأجل لم يحن أوانه، وقد لا يحين البتّة، ولأنّكَ في الفتوّة الأنيقة التي تحفّزكَ على الشغف المشاغب، وهذا من شأنه أن يعزّز أحوال الوليمة ودواعيها.

أقول مرحبا يا أنسي الحاج. مرحبا أيّها الشاعر.

ليس أمامكَ سوى الكلمات. ليس وراءكَ سوى الكلمات. ليس فيكَ سوى الكلمات. وهي الذكريات الماضية التي يسحرها قمرٌ غارقٌ في الماء. وهي خصوصاً تلك الذكريات التي لم يتسنَّ لها أن تولد بعد. قد يغمركَ وجع النسيان من جرّاء الماضي. لكنْ، أيُّ وجعٍ يستطيع أن ينال ممّا لم تشرق شمس ولادته بعد؟! ذلك هو سرّكَ، وتلك هي كنوزكَ أيّها الشاعر. سرّكَ سيزداد شأن الأسرار. أما كنوزكَ فستنزف شأن الينابيع التي ستظلّ تنزف بسبب شغف البديهة، ولئلاّ يسرقها هاجس النسيان.

تستولي عليكَ بين حينٍ وآخر رغبة النزهات في الأمكنة المحظورة. هذا أنتَ، فإيّاكَ أن تكفّ، أو أن تضجر، أو أن تخاف. ذلك ليس هو الموت. فأنتَ كما تعلم لن تموت. ولا الشعراء. الأمكنة المحظورة هي لزوم هذا الشعر وهؤلاء الشعراء. وهناك تسكن الكلمات. نظرتكَ ثاقبة، وخطواتكَ إلى الأمام. الكلمات تنتظر، ولا بدّ لكَ من أن تستكمل النزهات، وتُضاعفها، لئلاّ يتضاعف القحط في العالم. وهو يتضاعف حقّاً.

الشعر ليس في خطر. إنّه العالم، أيّها الشاعر، ممعناً في ركوب الخطر الهمجيّ. وهو يهرول بخطاه الرعناء صوب النهايات. جنونه يتقدّمه كأقداره. ولا مفرّ. ماذا ينبغي لكَ أن تفعل أيّها الشاعر؟! ليس أمامكَ يا أنسي الحاج سوى أن تواصل الاحتقار والتمرد. وأن تسخر من هذا العالم، وأن تبصق عليه، وأن تتأمّل النهايات هذه، وأن تتحدّاها، كما هي العادة، وأن تقارعها بجسد الشعر. الشعر وحده ينتصر. لأنّه ليس ينتصر بحربٍ ولا بقتالٍ، بل بدم الكلمات.

صدِّقني، يا أنسي الحاج، لستُ أنا القائل بل أنتَ: لا ينقذ العالم إلاّ الشعر، نازفاً من دم الكلمات. ماضياً، والآن، وفي المستقبل. أمّا الشاعر، كلّ شاعر، فَقَدَرُهُ أن يكون شاعراً، وأن يجترح بالشعر وهم إنقاذ العالم، ووهم الخلاص، أكان مقيماً هنا أم مقيماً حيث أنتَ هناك.

هل ينبغي لي أن أسألكَ: أين أنتَ؟! حاشا. فأنا لن أطالبكَ بعودةٍ، ولا بزيارةٍ، وإنْ عابرة. أقول فقط إنّ الامر لا يُطاق في هذا العالم. لكنْ، أينبغي لي أن أناديكَ كلّما انهمر ثلجٌ على حبر، أو تهدّجتْ شمسٌ على وجه قمر، وتلطّختْ مرآةٌ بهواجس الغرابة والوحشة؟! لا أعرف أن أجيب بـ"نعم" أو بعكسها. لكنّي أصرخ: لا، لن أفعل شيئاً من هذا القبيل، لأنّي أفضّل أن ألوذ بالغبار على أن أجرح صفحةَ مرآةٍ بآهةٍ أو بحشرجة. وإذا كنتُ أحنّ إلى أن أشهد، فإنّي لن أشهد إلاّ معكَ في كلّ حال. وأيضاً سأشهد مع الكلمات وجروح الذكريات.

حصلتْ أشياء كثيرة في هذا العالم الأرعن. لقد تراجع الحبّ بالطبع. وأحرز الموت تقدّماً مفجعاً. تحت وطأة هذين التراجع والتقدّم، لستُ أدري ماذا سيحلّ بالشعر. البرد عميقٌ هذه السنة، والأشجار ترتعب من فرط الوحشة. قد أقول إنّي وحيدٌ جداً. لكنّي لستُ بوحيد. ولن أكون.

في الحقيقة، لم يتغيّر شيءٌ كثيرٌ هنا يا أنسي الحاج. فأنا لا أزال أستيقظ في الليل لأستقبل الزوّار، وأباشر الحفلة. أنتظركَ كلّ ليل، لتمارس حضوركَ الرهيب. مكانكَ اللائق الكريم محفوظٌ حيث يجب أن يُحفَظ. وهو محفوظٌ ليس على طريقة الودائع بل على طريقة القلب الذي ينظّم خفقانه على إيقاع الموسيقى الكونية. إنّه مكانكَ. وهو دم الشعر نازفاً في العالم، أيّها الشاعر.

* عن جريدة النهار.

متعلقات
انشر عبر