Menu
حضارة

كيف أصبحت فلسطين "ملفاً أمنياً"؟

التنسيق الامني بين السلطة والاحتلال

لا نعرف على وجه التحديد من الذي أقنع السياسي الفلسطيني، أن اقتصار مطالبته على ما يقره النظام العالمي، والدول الاستعمارية له، يعني مساندة هذه القوى له، أو تحسين فرصه في نيل هذه المطالبات المحدودة.

بناءً على تبريرات مفادها أن اقتصار مطالبات الفلسطيني على ما قررته المنظومة الدولية له، هو أمر ذو أفق معقول للتحقق، تم بناء أوهام حول إمكانية إقامة دولة فلسطينية على حدود العام 1967، في ظل استمرار وجود منظومة الإبادة والتطهير العرقي على ما تبقى من ارض فلسطين، هذا المسار دخلته معظم القوى السياسية الفلسطينية، على عكس رغبة معظم الجمهور الفلسطيني، فيما تمادت بعض القوى الفلسطينية، عبر توقيع اتفاقية أوسلو في هذا الوهم لتطوره لإمكانية إقامة دولة فلسطينية عبر التفاهم مع الاحتلال، وإدارة نظام حكم تحت السلطة الفعلية لهذا الاحتلال، لاحقاً استمر هذا المسار ليصبح مآله الطبيعي ما شهدناه هذا الأسبوع.

الإدارة الأمريكية، الراعي الرسمي لعملية السلام، تعلن بتعبيرات متعددة تنصلها من فكرة إقامة الدولة الفلسطينية، فيما تمضي المنظومة الصهيونية في الاستيلاء على ما تبقى من الأراضي المُحتملة لهذه الدولة في الضفة الغربية عبر هجمة استيطانية وحشية، تستكمل التطهير العرقي لمناطق واسعة من الضفة الغربية، وتزيد من تضييق المعازل و"الكانتونات" التي تم حشر الفلسطينيين فيها هناك، وفي المقابل تتبنى دول عربية وازنة مشاريع للتفاوض حول إدارة هذا الوضع المميت، أي إدارة المراحل المتبقية من عملية التطهير العرقي، واستكمال جريمة نكبة وتهجير الشعب الفلسطيني، فيما يتضح الدور الوحيد المتاح أمام السلطة الفلسطينية، وأمام ما تبقى من أوهام فريق التسوية الفلسطيني.

الإدارة الامريكية في مقابل كل العدوان الذي تشنه على أي آمال للفلسطينيين، تركت عنوان واحد للتعامل معهم، هو العنوان الأمني.

اللقاءات التي سمحت بها الإدارة الأمريكية للسلطة الفلسطينية، كانت اجتماع مسؤول الاستخبارات المركزية الأمريكية مع الرئيس الفلسطيني، وزيارة قائد جهاز المخابرات الفلسطينية التابع للسلطة للولايات المتحدة الأمريكية، أي أن القضية الفلسطينية برمتها، وبعد جبل التضحيات الذي راكمه أبناء الشعب الفلسطيني، في نظر الإدارة الامريكية ليست إلا ملف أمني يستحق المُعالجة الأمنية فحسب، وحين يجري الحديث هنا عن المعالجة الأمنية، فهي ليست معالجة تستهدف خطر محتمل من السلطة الفلسطينية على العدو الصهيوني، ولكنها تستهدف التهديد الذي تشكله مقاومة الجمهور الفلسطيني للاحتلال بالمعنى اليومي والميداني، عبر مواجهته لمشروع التطهير العرقي والإبادة الصهيونية لشعب فلسطين.

الإشكال الأساسي الذي أوصل الساسة الفلسطينيين لهذا الموقع، ليس مناقشتهم لإمكانية قبولهم بحل وسط لا يعطيهم كامل حقوقهم التاريخية، ولكن بالأساس تخيلهم أن هناك حياة ممكنة في ظل استمرار وجود مشروع عدائي استعماري، لا يؤمن إلا بإفناء من حوله، والقضاء على أي فرصة لوجود فلسطيني واحد على امتداد أرض فلسطين التاريخية.

الشق الذي عجز السياسي الفلسطيني الرسمي عن فهمه في المعادلة، هو أن خلاف المعظم الفلسطيني معه لا يتعلق برفعه لشعار دولة على حدود 1967، أو تسبيق فكرة الدولة على فكرة التحرير، رغم تأثيرات كلا الفكرتين في مفاعيلها على مسار المشروع الوطني الفلسطيني، ولكن بالأساس كان ولا زال جوهر هذا الإشكال، في تخيل القيادة الفلسطينية وجزء من النخبة السياسية، إمكانية تحقيق أي شيء دون إلحاق هزيمة واضحة بالقوة العسكرية الصهيونية الغاشمة للمشروع الاستعماري المعتدي، ودون قتال جدي يراهن على الذات وقدراتها، وليس بالاعتماد على قراءة الطالع والنجوم، لاستنتاج موقف الإدارات الامريكية المتعاقبة، الواضح، من الشعب الفلسطيني وحقوقه وقضيته.