على مدار الساعة
أخبار » منشورات

عن الأقنعة المتبدلة للفاشية: العرق والقوة

19 آذار / فبراير 2017
ؤ
ؤ

نقلا عن موقع “باب الواد”

“إن الفاشية الأبدية لا تزال بيننا، وأحيانا تظهر في زيّ غير زيّها، ولا شك أنه سيكون من الأسهل لنا لو أن أحدهم ظهر على الساحة وقال: “أريد إعادة فتح معسكر أوشفيتز، أريد أن ينظم ذوو القمصان السوداء مسيرات في ساحات ايطاليا من جديد”، لكن الأمر ليس بهذه البساطة فقد تعود الفاشية الأبدية متسترة بأكثر أشكال التنكر براءة، وواجبنا أن نفضحها وأن نشير بالإصبع إلى أي من أشكالها الجديدة كل يوم وفي كل مكان في العالم”. أمبريتو إيكو.

مقدمة

ما الذي يقوله لنا صعود اليمين الوطني المتطرف في الولايات المتحدة وفي أوروبا؟ أكاد أجزم أن مراجعة صحف الثلاثينيات ستساعدنا على تحليل ما يحدث هذه الأيام، ولعل من المناسب التذكير أن تطورات اليوم كما بالأمس التاريخي بالضبط ليست طلقة طائشة.

بالرجوع إلى التاريخ قليلاً، نجد أن الحزب النازي نال في انتخابات عام 1933 – 17,277,180 صوتاً من أصل 39,343,000 صوتاً، وبالتالي حاز على 288 مقعداً من أصل 647 مقعداً. وعندما قرر هتلر بعد عدة شهور إقامة نظام الحزب الواحد، هبّ الشعب الألماني لتأييده فنالت النازية 39,655,224 صوتاً، وعارضها أقل من عُشر الناخبين، أي 3,398,249 صوتاً.

وقبل ذلك، عندما رأى موسوليني أن تفييش الدولة هو سبيل إنقاذ إيطاليا وإعادة مجد روما تحت شعار (كل السلطة للفاشية) نال برنامجه السياسي في استفتاء 1929 على 98.3% من أصوات المقترعين وهم 88.3% من الناخبين المسجلين[1] .

الفاشية يمكن انتخابها إذا، ويمكنها أن تقارعنا بالديمقراطية ذاتها التي نطالب بها ليل نهار، وترامب ونتنياهو حاضران للتأكيد وربما تنضم إليهما ماري لوبان في القريب العاجل.

هل يعيد الزمن نفسه؟ وهل تصل العدمية بالمجتمع البشري إلى إعادة نسخ يومياته التاريخية؟ وإلى إعادة إنتاج الحلول الفاشلة ذاتها لأزمات يصرون على اعتبارها مجرد كبوة في سباق الخيل الذي يفرضونه بين الأيدلوجيات، لإنقاذ نفسه من التلف والانحدار؟ ألم تكن الفاشية حلا شعبيا مؤيدا من الجماهير في تلك الأزمنة لمواجهة الكساد وضعف الاقتصاد وهجمة العروق الأجنبية وهشاشة القيم الأخلاقية والبحث عن حيوزات جديدة من أسواق وثروات؟

ولكن ما شأن ترامب بهذا؟ ببساطة لا تنشأ الفاشية من العدم، وهي ليست نوعا من موضة سياسية، أو وليدة لحظة راهنة، انقلابية، إنما هي ظاهرة اجتماعية – سياسية، نامية وتاريخية، لها تمظهراتها في المجتمع والسياسة والاقتصاد والفكر، تنبع وتتشكل من مصادر متعددة تجتمع معا لتتبلور في لحظة حاسمة وعند عتبة فارقة معينة ما يمكن أن نسميه بالفاشية. في هذا السياق، يجب أن لا ننسى أن الناخبين الأمريكيين لم يصوتوا فقط لترامب بل انتخبوا مجلساً للنواب مدججاً باليمينيين والعنصريين من المحافظين المركزيين.

وبالرجوع إلى التاريخ أكثر، ألم تصدر الولايات المتحدة منذ عام 1882 حظراً على دخول الصينيين إلى أراضيها؟ ثم توّسع ليشمل كلّ من هو من أصل صيني، وصولاً إلى منع الآسيويين جميعاً، والسبب مماثل تماما لتبريرات منع المكسيكيين اليوم، بالأساس منافسة اليد العاملة، وكان القرار الأمريكي آنذاك ناتجا عن ضغط العمال[2]، ومن حسن حظّ الصينيين أنهم لم يلاقوا مصير جيرانهم اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، في معسكرات الاعتقال.

لماذا إذا نستغرب دعوات كارل هنلي أحد أبرز داعمي ترامب لوضع المسلمين في مراكز الاحتجاز وإخضاعهم لتسجيل دقيق، كما اليابانيين حسب قوله، وهل يجب أن نتجاهل صعود الفكر الفاشي المعادي لكل ما هو أجنبي وخصوصا ذوي البشرة المختلفة منذ أحداث سبتمبر؟

في الحقيقة، فإن السّجل الأمريكي لا يدع مجالا للتجاهل، نذكر كيف اعتقل المئات من الشرق أوسطيين بلا مبرر وفي ظروف مهينة استناداً إلى الأصل العرقي، ومازال قانون مكافحة الإرهاب المكارثي* معمولا به، والذي شكًل إطاراً لتعميق السيطرة الأمنية وسطوة الدولة  البوليسية. كيف نفسر العدوانية الأمريكية المتصاعدة وهوس التسلح والانتعاش الكبير لشركات تصنيع السلاح الفتاك؟

من الطبيعي أن يكون ترامب مخلصاً لهذا الاتجاه، فاليمين الأمريكي القومي المتعصب والمتطرف هو سليل المدرسة الجاكسونية في السياسة الأمريكية، ثقافة نبعت من الجنوب موطن الاستعباد والتمييز العنصري والاضطهاد العرقي، ثقافة شعارها ليس فقط أمريكا أولاً، بل العرق الأنجلو ساكسوني أولاً. هي ثقافةٌ مبنية على الخوف من التعدد وصعود جماعات عرقية جديدة، ومصابةٌ بلوثةِ قلق الهوية والخوف على الأصالة العرقية.

نلاحظ أن اليمين الأمريكي المتطرف قطع طريقا طويلا للوصول إلى السلطة، وأقرب ما وصل إليه كان ترشيح جورج والاس للانتخابات عام 1968، وهو ديمقراطي منشقٌ وعنصريّ صريح. وأتباع هذا التيار – الذي ينتمي له والاس- كانوا اعتبروا ايزنهاور دميةً في يد الشيوعية، ونددوا بالسياسات الاقتصادية التدخلية التي انتهجها نيكسون، وصولاً إلى تصعيد اليميني المتطرف رونالد ريغان إلى السلطة، والذي اعتبروه فارس الإنقاذ قبل أن يتهموه بالخيانة والتراجع عن التزاماته كمنع الإجهاض وغيرها رغم السياسات العدوانية الخارجية.

فيما بعد برزت اليمينية ممثلةً بحملة نيوت غينغريتش بعنوان (عقد مع أميركا) عام 1994، وكذلك حملتي بات بوكانون للفوز بترشيح الحزب الجمهوري عامي 1992 و1996، وعاد ليترشح باسم حزب الإصلاح عام 2000 متبنيا الأجندة اليمينية التقليدية في مناهضة الإجهاض وصولا للدعوة لأداء الصلوات في المدارس واستنكار الحركات النسائية، والمثليين، وعداء الملونين والأجانب، وهاجم العولمة واتفاقية  التجارة الحرة وحصل على 21% من الأصوات في الانتخابات التمهيدية عام 1996.

هل تبدو هذه الأجندة مألوفة؟ إذا فكر القارئ الكريم بأجندة ترامب وتصريحات وأوامره التنفيذية لن يكون مجانباً للصواب، فهو أيضا أهان النساء، والأجانب، وقاد حملة تخويف اجتماعية وسياسية واقتصادية وقيمية، وهاجم الشركات الأمريكية التي تقيم مصانعها في الخارج، ويسعى لوضع السلطة في يد نخبة جديدة على رأس حزب جماهيري كتجسيد للشعب ومصدر للهوية الوطنية.

ما هي الفاشية إذا؟

تفترض المناهج البحثيّة دائما –على الأغلب- ضرورة استهلال أي بحث بتعريف المصطلحات التي نعمل عليها. عليّ إذا أن أحسم ومن الآن اتفاقي مع جون كوتنغهام[3] بأن هذا التوجه لا يملك إلا القليل جدا من المبررات التي تزكيه.

ربما تكون المقولة السابقة مفيدة وناجعة في العلوم التجريبية، ولكنها تبدو غير منتجة وغير ذات قيمة في العلوم الاجتماعية، تلك العلوم التي تسعى إلى دراسة تحليلية ومعمقة وبأوسع مجال ممكن في ذات الوقت أفقيا وعموديا لظاهرة من الظواهر.

وفي الحديث عن الفاشية، أود أولا التذكير بتحذير “تولياتي” الشهير[4] من اعتبار الأيدلوجية الفاشية شيئاً منتهياً، متجانساً ومكوّناً بصلابة،  “فلا شيء يشبه الحرباء كالأيدلوجية الفاشية”، كما يقول. فتحديد الظاهرة بتعريف معين ومحدد يبدو بشكل واضح قاتلاً لأي بحث عميق وبعيداً عن الشكلية المدرسية، حيث الظاهرة الاجتماعية ليست حدثاً فيزيائياً ثابتاً في الزمان والمكان، وإنما هي متحركة في الزمان والمكان والظرف الموضوعي الشامل في مكوناته البشرية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية.

وبالتالي فان الإحاطة بهذه الظاهرة في محاولة التعرّف عليها –وليس وضع تعريف لها- يقتضي النظر مفصلاً إلى الأساليب والوسائل والنظريات والممارسات. إذاً ليس هدف البحث أن يصف الأشياء كما هي، وإنما الذهاب إلى وراء الصور المعلنة لفهم البنية الأساسية التي تؤدي إلى إصدار هذه الصورة، ليس فقط الكلام عن كيف يسلك الناس، وإنما فهم كيف يفكرون ويفسرون ويحكمون على العالم.

مع ذلك، فإن هذا لا يمنع الإشارة إلى أن هناك نظريتين أساسيتين تتصارعان في تفسير الفاشية. بالنسبة للشيوعيين كانت النازية نظاماً رأسمالياً يمثل أكثر أشكال نظام الاحتكارات عدوانية، أما بالنسبة للتيار الليبرالي الغربي، فقد كانت النازية جمعاً بين القومية المتطرفة والاشتراكية، وبهذا المعنى كان من السهل لمنظري الليبرالية الانتقال بسهولة لإدانة النظام الشيوعي الذي أقام، خاصة في المرحلة الستالينية، نظاماً بطبيعة النظام الفاشي (الشمول من أجل أهداف سامية)، مع وجود فرق كبير طبعا لم يرغبوا بلحظه في الأهداف المعلنة وليس في بنية النظام وممارساته ونتائجه[5].

لا نجد تحليلاً شافياً للفاشية من وجهة نظر الليبرالية، التي تركز على الشكل الخارجي والسياق الوقائعي رغم ضرورتهما وارتباطهما الوثيق بالفاشية، دون الذهاب عميقاً في تحليل ونقد البنية الفكرية، ومصادرها الفلسفية الأيدلوجية والدينية.

ويتهرب منظرو الليبرالية من الاعتراف أن النازية نشأت في جوهر نظامهم الليبرالي بالذات، وفي الإطار الحضاريّ لـ “المعرفة هي القوة” و “أداتية العقل*“، وعبر تطبيق نظرية بيولوجية على فهم التاريخ والمجتمع البشري، وتطور الدولة البيروقراطية المطلقة، دولة الشرطة، وشعبوية الأحزاب التي استدعاها تطور النظام البرلماني مع مجتمع الجماهير، ورفع قيمة الدولة لتصبح ذات رسالة، وتحديث العالم، أو تحضير المتخلفين أو إنقاذ شعب الله المختار وتحقيق نبوءات الأنبياء!! وحتمية مفهوم الأمة المترافق مع تذرير الأفراد وتحطيم بنى المجتمع التقليدية، وإمكانية التفكير بصناعة الموت وتنظيمها ببيروقراطية وإبادة شعوب بأكملها[6].

تعريفات

يعرف “تولياتي”[7] الفاشية بأنها “أيدلوجية انتقائية تجريبية تتمحور حول عنصر التعصب القومي أو الديني أو الطائفي، هذه الأيدلوجية  ذات العناصر غير المنسجمة المتغيرة من بلد لآخر هي الأداة الضرورية لجمع تيارات مختلفة في الصراع من أجل فرض الديكتاتورية والإرهاب على الجماهير الكادحة بالاستناد إلى حركة جماهيرية واسعة”.

يحدد تولياتي التعصب كمكون جوهري للفاشية، وهو ما يذهب إليه أيضاً مفكر غربي معاصر، حيث يرى “كيفن باسمور” أن الفاشية شكلٌ من أشكال التعصب القوميّ فكراً وممارسة، وهذا يرتبط أساساً بما يقوله الفاشيون عن أنفسهم بأنهم قوميون قبل كل شيء آخر[8].  ويرى “روجر غريفين” أن الفاشية أيدلوجية تسعى لإصلاح الدولة، بعد فترة من التدهور المزعوم، ومن الممكن أن يعرف الفاشي الدولة بيولوجياً أو ثقافياً أو تاريخياً.

ولكن الجميع يعلنون على غرار اليمين الأمريكي أن السياسة الداخلية ينبغي أن تحددها المبادئ الوطنية، والفاشي يهاجم رأس المال، ليس كمبدأ اقتصادي بل يهاجم سلوك الشركات العابرة للحدود باعتبارها غير وطنية، وأن سياساتها (الشركات الأمريكية في المكسيك كمثال) تدفع العمال العاطلين للارتماء في أحضان الاشتراكية، وهذا ما يفعله ترامب تماما، لذلك لا نجانب الحقيقة باعتبار اليمين القومي نتاج جهد واع لتحديث الفاشية وجعلها قابلة للبقاء، في ظروف متغيرة.

أما القومية الرجعية المتعصبة، فإنها لا تمثل عنصراً عارضاً في الفاشية، بل العنصر الثابت الذي لا يمكن أن يتحوّل في برامجها. تأسيسا على أساسية العنصر العرقي في تكوين الفاشية، فإن القسم التالي من النص سيعالج تاريخ الفكرة العرقية وجذورها الفلسفية، انطلاقا من أن فهمها يشكل برأي الكاتب خطوة ضرورية لفهم الفاشية وشكلها الجديد اليميني القومي، وبالتالي الصهيوني أيضاً.

في العرق والعنصرية

اعتاد أفلاطون القول “الشكر لله الذي خلقني يونانياً لا بربرياً، حراً لا عبداً، رجلاً لا امرأة”[9]، أما نيتشه فيعلن “حقاً إنني أسخر كثيراً من الضعفاء الذين يظنون أنفسهم صالحين لأنهم ليس لديهم مخالب لينشبوها”[10].

تستند الفاشية إلى جملة من العناصر المختلفة، ولكن الأساس هو نظام أفكار ينشأ عنه تقسيم العالم والإنسانية إلى مراتب متفاوتة عبر سلسلة لا منتهية من الفوارق التي يجري البحث عنها وتصنيفها وتحويلها إلى قانون للاختلاف ومقياس للأفضلية. الجرثومة الأصلية هنا هي فكرة التفوق، الأنا المتميز في مواجهة العالم الأقل قيمة.

وبالتالي سنجد أن الاقتصاد وحده والتحليل الاقتصادي وحده لا يكفي أن يكون تفسيراً أساسياً لهذه الظاهرة، فالرأسمالية لا تكفي وحدها لإنتاج الفاشية والعرقية. وهي بكلمات تشومسكي[11] مرتبطة بالاضطهاد، “ذلك هو فسادهم، يجب أن يكون هناك شيء ما متعلق بهم، من شأنه أن  يجعلهم مختلفين عني.. عند ذلك يصبح الأمر عرقياً…باستطاعتك دائما أن تجد شيئا ما، اختلاف في لون العينين أو أنهم بدناء.. مستهترون..إلخ”.

تلك هي المعادلة نفسها التي استخدمها هتلر في وضعه الآرية في مواجهة العالم، والتي استخدمها بوش والنظام الأمريكي في تقسيم العالم بين معسكر الشر ومعسكر الخير، ودولة الاحتلال ومقولاتها عن اليهود مقابل الغوييم*، والإسرائيلي المتحضر مقابل العربي القذر، وللمفارقة أنها نفسها كلمات بن لادن عن فسطاط الإيمان وفسطاط الكفر*. وهي ذاتها الترسانة التي يتحصن وراءها دونالد ترامب وفريقه.

العنصرية

ثمة جدلٌ كبيرٌ يدور حول مصطلح العنصرية، حيث تشير الكلمة إلى مدلولات متعددة ومفاهيم غاية في الاختلاف تتشعب أيضاً إلى فروقات جديدة مرتبطة أو غير مرتبطة متواجدة معاً أو بشكل مستقل.

وفي المفهوم الدارج عموماً فإن الكلمة تشير إلى ميدانين للواقع مختلفين[12]، يتعلق الأمر من جهة بسلوك يتكون على الأغلب من حقد واحتقار تجاه أشخاص من ذوي خاصيات جسدية محددة جداً أو مختلفة عن خاصياتنا. ومن جهةٍ أخرى يتعلق الأمر بأيدلوجية، بمذهب متعلق بالعروق البشرية. ولا يتواجد الاثنان معاً بالضرورة في الوقت نفسه، فمن الممكن أن ينحو الاتجاه الثاني منحىً علمياً صرفاً، كما أنه من الممكن أن يكون الاتجاه الأول محمولاً من الأبيض أو الأصفر أو الأسود على حدٍ سواء.

وهنا نميز بين العنصري الماديّ والأيدلوجي، فالعنصري الماديّ ليس مُنظِّراً، إنه غير قادرٍ على تبرير سلوكه من خلال حُججٍ علمية، فالأبيض العادي من مواطني جنوب الولايات المتحدة لم يكن قادراً في الأغلب على التفسير لماذا هو أفضل من الأسود، ولماذا الأخير هو العبد وليس العكس. وبالمثل فان الأيدلوجي العرقي ليس عنصرياً بالضرورة، فقد تبقى أراؤه النظرية دون أدنى تأثير في أفعاله، وقد لا تشتمل نظريته على مقياس الأفضلية، وفكرة وجود أعراق عليا وأخرى دنيا*.

وإن كنا نتفق مع تودوروف أن العنصرية سلوكٌ قديمٌ وذو امتداد شمولي، إلا أن آراءه حول حداثة العنصراوية باعتبارها حركة فكرية ولدت في أوروبا الغربية منتصف القرن الثامن عشر، تحتاج إلى مراجعة عميقة في تاريخ الأفكار منذ أفلاطون. ونعتقد أن المذهب العنصراوي مرتبط بمعناه الحديث بمجيء العلوم أو بدقة أكبر بمجيء المذهب العلموي*، واستخدام العلم لتأسيس أيدلوجية[13].

وإذا كان العصر العلموي أو زمن نشوء المذهب العلموي مرتبطاً بعصر التنوير، فإن معظم المؤلفات التاريخية الغربية والأوربية تربط أيضاً العنصرية بالتنوير. وحسب باتريك وولف[14]، فإن مسألة السلالة ارتبطت بجانبين في خطاب التنوير:

الأول: معرفي حيث كانت السمة الرئيسية للتنوير بالطبع هي “القاعدة التصنيفية التي عززت الأنظمة التصنيفية العظيمة لكارل لينايوس Linnaeus وجورج لويس  بوفون Buffon وجوهان بلومنباخ Blumenbaach وجورج كيفييه Cuvier، حيث أنه رغم أن البناء الهرمي لهذه الأنظمة، قد منحها فائدة أيدلوجية في مجالات الهيمنة الاجتماعية، إلا أنه لم تكن هنالك صلة ضرورية بين التصنيفات الهرمية والمساواة الشكلية التي ميّزت المواطنة بالنسبة للنظرية الديمقراطية الليبرالية، ولكن بسبب جودة التصنيف فإن العنصرية وفرت الحدود الفئوية التي ضمنت استثناء حائزي حقوق الإنسان الجدد. وقد منح ذلك التكتلُ السياسي الجفرسوني ذو الأيدلوجية السياسية البرجوازية والعلم الطبيعي التصنيفي ذو السلطة والمعرفة، منح العنصريةَ أداتَها المعرفية الفريدة في فكر التنوير وما بعد التنوير.
أما الجانب الثاني، فيتحدد باستناد الفاشية على فكرة التفوق معتمدة أيدلوجيا العرقية التي تعتمد بدورها على وجود (الأنا) المتفوق والآخر (الخاضع).

مرتكزات العنصرية

ويرتكز المذهب التمييزي العنصري[15] على أربع محددات أو عناصر: أولها وجود العروق، وأصحاب هذا المذهب يعتبرونه أمراً واقعاً، وهم ضد الاختلاط بين الأعراق وينزعون للمحافظة عليها نقية غير مختلطة، يتجسد ذلك بالممارسة العملية في رفض دائم ومنتظم للزواج المختلط (التهاجن حسب جوبينو)[16] في نزعة تشاؤمية تهدد بفناء العرق ومحوه، ورغم أن هتلر لم يكن تشاؤمياً، إلا أنه استخدم هذه  المقولة في التعبئة النازية في ألمانيا.

وهكذا يرى بوفون[17]  “في القمة توجد أمم أوروبا الشمالية، وتحتها مباشرة الأوربيون الآخرون، ومن ثم تأتي شعوب أفريقيا، وتماماً في أسفل السلم يظهر المتوحشون الأمريكيون”. ويتخذ بوفون من الأوربيين نقطة ثابتة للمقارنة تسمح بتحديد المسافة التي تفصل الشعوب الأخرى عن الكمال. أرنست رينان بدوره يثبت الفكرة[18] “تثبت التجربة أن كل شعب موجود في مواجهة شعب أعلى محكوم عليه لا محالة بالزوال القريب”، لم يعتبر جوبينو[19] أن العروق مختلفة فحسب بل إنها أيضا تتراتب تبعا لسلم وحيد “عدم تساوي العروق كاف  لشرح كل تتابع مصائر الشعوب”.

المرتكز الثاني للعنصرية، هو الاستمرار الجسدي والأخلاقي، فالعالم يقسم إلى عروق ارتباطا بتقسيمه إلى ثقافات، واختلاف الثقافات دليل على تمايز الشعوب ودرجاتها ضمن معايير يضعها المصنف طبعا. وثالث المرتكزات أن الجماعة مقدمة على الفرد ومؤثرة عليه، فالعنصرية  معادية للأيدلوجية الفردية، والفرد مكرس للجماعة ولا يحصل على قيمة إلا من خلال انتمائه إليها. وكان بوفون قد أكد وكرس هذه القاعدة في كتابه (التاريخ الطبيعي)[20] حيث رغم تأكيده على وحدة الجنس البشري يؤكد على التراتب الداخلي لهذا الجنس، وبكلماته: “بما أن  البشر ينتمون إلى نوع واحد، سنتمكن من الحكم عليهم كلهم استناداً إلى المعايير نفسها وهكذا سيكون في مقدورنا أن نجدهم مختلفين، وأن نجد بعضهم يتفوق على البعض الآخر، كل أمة ليس فيها قاعدة ولا قانون ولا سيد ولا مجتمع اعتيادي ليست أمة بقدر ما هي تجمع صاخب لبشر برابرة ومستقلين لا يخضعون إلا لأهوائهم الخاصة”، وعند بوفون فإن البربري يعادل المستقل ويعادل اللااجتماعي.

أما رابع مرتكزات النظام الفكري العنصري، فهو أن ثمة تراتب وحيد للقيم، فالعروق عليها أن تكون دنيا وعليا والعلاقات هي علاقات الأفضلية وليس التوازن والمساواة.

وبالنسبة لمصطلح (عرق) فقد كان فرانسوا بيرنيه أول من استخدمه بالمعنى الحديث* عام 1664 [21]، ويعيد أديب ديمتري[22] بدايات  نشوء مفاهيم العرقية إلى نشوء طبيعي في خضم الصراع الذي شنته الرجعية الأوربية الإقطاعية ضد الثورة الفرنسية، في ذلك الوقت أصبحت البيولوجيا بوجه خاصّ نقطة انطلاق للأيدولوجيا الرجعية المستندة على الداروينية الاجتماعية التي اعتبرت المجتمع كائنا عضويا ينمو طبيعيا ومؤلفا من عناصر متجانسة، ومتوافقة.

ويمكن أيضاً إعادة الأمر تحديداً إلى بداية القرن الثامن عشر، عندما كتب كونت بولينفليه Boulainvilliers عام 1727 كتاباً يردد فيه مزاعم النبالة الفرنسية بأنها وريث عنصر الفرانك السائد بينما بقية السكان ينحدرون من الغاليين المخضعين، فثمة عرقان مختلفان كيفاً[23]. وهذه المزاعم سابقة على مزاعم جوبينو الذي كتب مقالته في عدم المساواة بين الأجناس في ظلّ رجعية نابليون الثالث بعد هزيمة 18488. وقد وصف توكفيل (صديقه الحميم) الكتاب بأنه يخدم مصالح ملاك العبيد في جنوب أمريكا، وهذا ليس بعيدا عن الحقيقة، بل لعل ذلك إحدى غايات صاحب الكتاب غير المباشرة.

وللمفارقة فإن ادعاءات بولينفليه جاءت متوأمة مع عصر التنوير والفتوحات، حيث ومنذ القرن السادس عشر اعتبرت العبودية ظاهرة طبيعية، يتضمنها قانون الغزو والفتح، وكانت التوراة للمفارقة هي الحجة أمام الغزاة والفاتحين لتبرير مقولاتهم. وكذلك أيضاً ما أكده أرسطو في كتابه “السياسة” حول (شرعية الرق)، وما دعا إليه توما الإكويني من استعباد اليهود والهراطقة، ولم يكن غريباً في ذات السياق أن يصدر البابا نيقولا الخامس عام 1510 قراراً بابوياً يصرح فيه للبرتغاليين بمهاجمة العرب والمغاربة وإخضاعهم واستعبادهم[24] .

جاءت العرقية إذاً في شكلها الحديث كإحدى تجليات التيار اللاعقلاني المتصاعد بعد هزيمة ثورات 1848 الشعبية حيث بدأت تتلاشى انتصارات الثورة الفرنسية المحققة مطلع القرن التاسع عشر، مع زحف جيوشها عبر القارة، وانهيار النظم الإقطاعية فقد عادت الرجعية لتطل برأسها من جديد وعاد النظام العرقي القديم للبروز عبر أفضل ممثليه الدبلوماسي الفرنسي جوبينو Gobineau (1816-1882).

وإذا كان كونت وماركس وسبنسر قد أخذوا على عاتقهم شرح معنى التقدم وتفسيره فإن آرثر دي جوبينو كان على النقيض من ذلك حيث فجع لما اعتبره نكوصاً واضحاً لفرنسا في عصره، وتطلع إلى كشف أسباب هذا النكوص والتقهقر، وقدم رؤيته في أربعة مجلدات بعنوان: “مقال في عدم تكافؤ الأجناس البشرية” نشرت بين 1853-1855 وهو ما اعتبر باعث النظرية العنصرية في علم الاجتماع، وكان جوبينو منسجما مع نفسه فخورا بأنه سليل الفاتحين النيوتونيين لبلاد الغال، وأكد أن العامل العنصري في التطور الاجتماعي هو الأساس، مستبعدا تعسفيا كل العوامل الأخرى[25]، وقد كتب هذا الكتاب كما ذكرنا في ظل حكم نابليون الثالث الرجعي وسيادة الرجعية عموما في أوروبا، والتي استخلصت دروس ثورات 1848 وتبينت مخاطر الديمقراطية البرجوازية، فكانت نقطة الانطلاق عند جوبينو أن المساواة بين البشر مفهوم “غير علمي” و”مناهض للطبيعة”[26] .

وقد ناهض جوبينو فكرة الديمقراطية ومساواة البشر معتبرا أن (التهاجن) الزواج من عروق دنيا وخيم لكل حضارة لأنه يولد رؤيا انحطاط[27]. ووفقا لجوبينو[28] فان العرق الذي ينتمي إليه الناس يحدد سلوكهم تماما، وينتقل العرق عبر الدم ولا يمكن لإرادة الفرد  التأثير فيه نهائيا.

وهو يؤكد[29] أن “ما من إنسان أمثل، ولا وجود للإنسان.. على أرض الواقع، أعرف صاحب اللغة الفنلندية، والآري والتركيبات السامية،  أما الإنسان بالمطلق فلا أعرفه”، وهذا سيقوده إلى الاستخلاص المتعلق بالتفاوت “هل يتمتع كل الناس بالدرجة نفسها، قدرة لا محدودة على التقدم في تطورهم الفكري؟ أجيب بلا”.

ويؤمن جوبينو أن ثمة مقياس وحيد لقياس مزية العرق ومكانته وهو القوة التي يسميها أحيانا (طاقة ) أو (حيوية)، ويرى أن الآري متفوق على البشر الآخرين من حيث ذكائه وطاقته، فـ”الأبيض يسود الأجناس الأخرى، لا بحكم السيطرة بل بحكم استعداده الحضاري المتفوق على غيره”[30].

ولا شك أن المذهب العرقي يحتل أهمية قصوى في تطور الفكر الفاشي الرجعي الحديث كونه يرتكز في نفيه للتاريخ على عوامل الهجوم على العقل[31] وإهمال الجوهرية، فهو بنفيه وحدة تاريخ البشر ينفي في الوقت نفسه تساوي البشر والتقدم والعقل، حيث بالنسبة لجوبينو لا  يوجد سوى تاريخ للعرق الأبيض الذي جاء معطى قبليا، وهكذا بصدد العرق الأبيض”الفحص الأول يبرز واقعة هامة: العرق الأبيض لا يظهر لنا قط في الحالة البدائية التي نرى فيها العروق الأخرى، منذ اللحظة الأولى يبدو مثقفا نسبيا، مالكا العناصر الرئيسية لحالة عليا، ستنمو فيما بعد بأغصانها المتعددة لتفضي إلى أشكال متنوعة من الحضارات”[32].

بعد رسالة جوبينو الشهيرة، نشأ جدل علمي كبير صدر عنه ما بات يعرف باسم (علم الجماجم: craniometry) وقد استحوذ العلم الناشئ على اهتمام علماء الاجتماع والساسة فيما بعد ومن ألمع نجومه بلومنباخ الذي قسم المجتمع البشري إلى خمسة أقسام رئيسية حسب الهيئة الفيزيولوجية وقد أجمع جميع رواد هذا العلم على انحطاط الأعراق السوداء.

وقد حصل هذا التيار على دفعة كبيرة بعد نشر كتاب (أصل الأنواع) لتشارلز داروين، وربما يكون مثيرا معرفة أن العنوان البديل للكتاب كان (بقاء الأعراق الأحسن في النزاع من أجل الحياة) وقد نشر الكتاب عام 1887 ونشأ عنه الانحراف التطبيقي في علم الاجتماع المعروف باسم الداروينية الاجتماعية[33].

يعتبر هوستن ستيوارت تشمبرلين chamberlain (1855-1927)[34] الألماني من أصل إنكليزي ثاني أهم منظري العرقية الحديثة بعد جوبينو، واستفاد بشكل جلي من تراث الداروينية الاجتماعية social Darwinismm التي تعتبر أن أهم عوامل التقدم الاجتماعي تكمن في الصراع من أجل البقاء والانتخاب الطبيعي، وكما ذكرنا هي تحريف تطبيقي لنظرية داروين البيولوجية وإسقاطها على علم الاجتماع تم على يد فريدريش لانغ وأرتو آمون وبنجامين كيد. وعبر تشامبرلين عن هذا التأثر عبر كتابه “أسس القرن العشرين” عام 1899، والذي ستتبناه الفاشية بنموذجها الألماني والإيطالي.

وقد جاء تشامبرلين على العكس من تشاؤمية جوبينو متفائلا بالاستناد إلى بوادر نهوض الإمبريالية، وتقدم العالم الصناعي وخاصة علوم البيولوجيا بعد داروين، والاقتصاد والاجتماع بعد ماركس وانجلز، وهذا التقدم جعل الإمبريالية تحتاج أداة جديدة في الأيدولوجيا قدمها تشامبرلين عن طيب خاطر.

وهكذا أصبح تشامبرلين الممثل العرقي الحقيقي لهذه المرحلة، وترجع أهميته من كونه يوحد العرقية القديمة، المجددة في اتجاه إمبريالي مع الميول الرجعية النموذجية للطور الإمبريالي[35]. بنيت فكرة تشامبرلين المناقضة لتشاؤمية جوبينو على الأمل والثقة بالمستقبل وتمحورت أفكاره على ضرورة المحافظة على نقاوة الدم الجرماني بالتصدي والصراع ضد العناصر الأجنبية الغريبة على هذا الجنس[36]. وتميز تشامبرلين في نظريته العرقية الجديدة باستبعاد السمات الظاهرة، كما رفض أيضا القياسات الأنتروبولوجية واعتبر معيار العرق الحاسم هو في طبيعته السيكولوجية الخالصة[37].

وهو بعكس جوبينو يرى أن بالإمكان إعادة نقاء الجنس وبعثه في مجموعة من مجموعات البشر بشرط وجود شروط خاصة وهو لذلك يضع قانون ضبط العرق “الذي يقوم على خمسة قوانين طبيعية” هي شروط إعادة الأعراق النبيلة[38]:

مادة أولية من نوعية ممتازة، تزاوج داخلي من داخل العرق طويل وممتد وممتاز، عملية اختيار من داخل هذا النظام لإعادة إنتاج بعض العناصر واستبعاد البعض الآخر،ضرورة الخليط بين الأنواع الممتازة، أن يكون الخليط تحت الضبط المحدد، ضمن زمن محدد ومحدود.

سنجد في تحليل بنى الفاشية أن العرقية هي الجرثومة الأولى لفكرة العنصرية التي قامت عليها الفاشية الهتلرية والإيطالية، وهي ذاتها التي تقوم عليها الفاشية الإسرائيلية الآن واليمينية الأمريكية والفرنسية والأوربية عموما.

وعام 1883 صاغ فرنسيس غالتون[39] مصطلح اليوجينيا، حيث رأى أن التطور الصحيح للجنس البشري قد انحرف، فقد قادت نزعة  الخير لدى الأثرياء وإنسانيتهم حسب رأيه إلى تشجيع غير المالكين على الإنجاب الأمر الذي أفسد آلية الانتخاب الطبيعي ما جعل البشرية في حاجة إلى نوع من الانتخاب الاصطناعي أطلق عليه اسم (اليوجينيا*).

طبعا كان الظرف الموضوعي متوافرا لذيوع اليوجينيا أوائل القرن العشرين وتعاطى معها كبار المفكرين والعلماء والساسة في أوربا وأمريكا مثل جوليان هكسلي، ورونالد فيشر و وه.ج ويلز وروزفلت وتشرشل و جون روكفيلر.

ومن هذه المجموعة أيضا يبرز القس الإنكليزي توماس مالتوس عبر كتابه (مقالة عن السكان) ودعا فيها إلى الحد من نسل الشعوب الدنيا، وكان سيريل بيرت السيكولوجي النصاب  يوجينياً منذ   1910عندما لفق دراسته عن توريث الذكاء في فضيحة علمية كبرى.

تجليات النزعة العرقية

لم تمت العرقية مع نهاية الرايخ الثالث وفاشية موسوليني أو محاكمات نورنبرغ، لأن المحكمة الدولية حاكمت سلوك الأفراد وجرائمهم الخاصة ولم تحاكم الفكر الذي أدى إلى هذه السلوكيات، ربما أن القضاة كانوا سيضطرون لمحاكمة المنتصرين أيضاً لو وضعوا الفكر على منصة الاتهام.

لم تأت فاشية ما بين الحربين من العدم وإنما اشتقت مقولاتها الأساسية من الاستعمار، الفتح بلغة أخرى ومن فلسفات الأزمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

كل استعمار هو بشكل من الأشكال عملية تمييز عرقي، عرق مسيطر يجتاح ويبيد ويستغل عرقا آخر تحت شعار الدين أو التمدين أو إبادة المتوحشين وغيرها.

وهكذا فكل غزو هو نفي، نفي للأخر واضطهاده وصولا إلى إلغائه، هذا ما فعله المستوطنون الأوربيون ضد الهنود الحمر، والبرتغاليون والأسبان ضد الآزتيك والمايا، هذا ما سعى إليه الفرنسيون عبر الفرنسة، والإيطاليون في مسعاهم الروماني، والإنكليز في منفى مجرميهم في أستراليا. وهذا ما تفعله إسرائيل ضد الفلسطينيين عبر عرقية تحمل شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.

يربط ألبير ميمي في تحليل فذ مباشرة بين الاستعمارية والفاشية، فيقول: “تحمل كل أمة استعمارية بذور الإغراء الفاشي في أحشائها”[40] معتبرا أن العنصرية تلخص العلاقة الأساسية التي تربط ما بين المستًعمِر والمستَعمَر وترمز إليها، وهو يبرهن على ذلك من خلال سؤاله عن ماهية الفاشية بالقول: “ما هي الفاشية.. غير نظام الاضطهاد القائم لصالح بعض الأفراد”، والأفراد هنا هم المستعمرون الذين يصوغون علاقات اضطهاد واستغلال لمصلحة بلد المستعمر الأم، “إن كل الجهاز الإداري والسياسي في المستعمرة لا يمكن أن يصب في قنوات أخرى فالعلاقات الإنسانية تنبثق فيها من أقصى حدود الاستغلال الممكنة التي تقوم على عدم المساواة والازدراء التي تضمنها السلطة البوليسية”، ليختتم مرافعته بتحديد دقيق فيقول: “مما لا شك فيه أن من عايش الاستعمار يعلم أنه ليس سوى تنويع على الفاشية”.

كان الاستعمار منذ البداية مبررا بأفضلية القوة، بتعبير آدم سميث، والتي “حازها الأوربيون، وسمحت لهم بأن ير تكبوا كل أنواع المظالم في تلك البلاد النائية (الهند) دونما خوف من عقاب”[41]. ويلاحظ تشومسكي[42] أن هيغل نفسه وبنبرة سلطوية حاضر في نفس الموضوع  ضمن محاضراته عن فلسفة التاريخ حيث “تقارب آخر مراحل تاريخ العالم، عندما تصل الروح كامل نضجها وقوتها في العالم الجرماني”، واعتبر مستنتجاً أن الأمريكيين الأصليين كانوا “معدومي القوة جسديا ونفسياً”، وهكذا “تلاشى السكان الأصليون تدريجيا أمام أنفاس النشاط الأوروبي”، وكأنهم لم يتلاشوا أمام قوة الإبادة بالنيران والجدري والاجتياح القاتل للمستوطنين البيض، وفي عرقية واضحة تذكر بمقولات جوبينو يتابع هيغل: “إن المزاج الضعيف الخالي من العاطفة والفقر الروحي والخضوع الذليل هي المميزات الرئيسية لشخصية الأمريكيين الأصليين الكسالى لدرجة وجوب تذكيرهم بالقيام بواجباتهم الزوجية لقد كانوا أدنى من الزنوج.. إنهم كائنات بمستوى مجرد أشياء، موضوعات لا قيمة لها”.

نجد نفس الروح العرقية عند ناحوم سوكولو رئيس المنظمة الصهيونية العالمية أوائل القرن العشرين[43]، “إن شعوب القسم العربي من الإمبراطورية العثمانية عبارة عن شلة من الأعراق والمعتقدات والطوائف والأنظمة الاجتماعية المختلفة بدون أي رابطة مشتركة غير اللغة، إن الصفات الطبيعية لأرضهم تجعل ثلثهم برابرة مفترسين رحلاً، يخافهم الثلثان الباقيان”. ويكتب الصهيوني و. ب. زف[44]: “ليس هناك عرب في أي مكان كان، بل لا يوجد حتى عرق مختلط اختلاطا منسجما إلى حد ما، لقد اختفى العرق العربي من الوجود كلياً في جميع أنحاء شبه الجزيرة، ومن حلَّ محلهم هم خليط نُقش من الأجناس على درجة واطئة من التطور البشري ويتكلمون بلسان عربي”.

أما الموقف الأمريكي تجاه هاييتي مثلا فكان لا يقل عرقية في عهد ويلسون الذي وصف وزير خارجيته وليام فيليبس شعبها بأنه ذو منزلة متدنية، وذلك في معرض مذكرة لتشجيع على الغزو العسكري للبلد، وقد تبنى ويلسون هذه السياسة كما هو معروف[45] .

إن الصراع من أجل البقاء حاضر دائما في مقولات المستعمرين حيث يكتب كالب كار  carr[46] كتابا عن انتفاضة الهنود السيوكس Sioux في مينسوتا عام 18622 مؤكدا أن المواجهة في مينسوتا كانت حربا شاملة بين أمتين متنازعتين على السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدة للموت في سبيلها. “بالنسبة لإحداهما كان الاستيطان أملا أخيراً، فقد كانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب بل بأرواحهم ذاتها، من أجل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، أما بالنسبة للسكان الأصلين، ففي البداية على الأقل كانت شروط الصراع أقل مصيرية، بوسعهم – بعد كل حساب – أن يرحلوا إلى الغرب قليلاً!!”.

إن استعداد المستوطنين للموت في سبيل الأراضي المنتزعة هو جوهر الإلغاء، هنا يتقمص الغازي عقيدة فاسدة تتحدث عن “أرض بكر” جوهرها (إما نحن أو هم) وطبعا سيزيد احتدام هذه المعادلة أن السكان الأصليين لن يتخلوا عن حقهم الشرعي في أرضهم بسهولة الحل إذن في أبادتهم. يذكرنا هذا بمقولة الإحلال الصهيونية بوجهها القبيح فالحرب حرب وجود، على أرض يتنازعها (اليهود) مع (العرب) وهي (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وإمكانية الرحيل إلى الغرب قليلاً بمقال المستوطنين الأوربيين تعادل تماما مقالة الصهاينة أن العرب يملكون الكثير من الأرض، ليستوعبوا الفلسطينيين عندهم إذن، ولكن كما أن الغرب لا نهائي وسيتمدد باستمرار ويدفع الضحايا إلى البحر والموت كذلك سيكون دائما لدى العرب المزيد من الأرض ليحصل اليهود على بعضها.

يقول نعوم تشومسكي[47] مستندا إلى كلمات كار، “يمكن أن نتصور لو أن النازيين انتصروا في الحرب الأوربية إذن لربما كان مؤرخ  ألماني متأخر ليكتب أن المواجهة بين الألمان والسلاف على الجبهة الشرقية لم تكن مرتبطة بأفكار ذات شأن، مع انه من أجل الظهور بمظهر متوازن يمكن أن يتذكر أنها كانت حربا شاملة بين أمتين تتنازعان السيطرة على منطقة كانت كلتاهما مستعدتين للموت في سبيلهن أما السلاف فكانت شروط الصراع أقل مصيرية بالنسبة لهم مقارنة مع الألمان الذين كانوا بأمس الحاجة لمجال حيوي، وكانوا لا يخاطرون بأموالهم فحسب بل بأرواحهم ذاتها بأمل إقامة حياة جديدة في بلد بكر، فقد كان بوسع السلاف بعد كل حساب أن يرحلوا إلى سيبيريا”.

ولنتأمل ما يمكن أن يكتبه مؤرخ صهيوني عن أن بوسع الفلسطينيين والعرب أن يرحلوا إلى صحرائهم!

كلمات كار لم تكن مجرد تهاويل مؤرخ بل أن جورج واشنطن قائد أمريكا المستقلة كان قد سبقه منذ عام 1783 [48]، “إن التوسع التدريجي لمستوطناتنا سيجعل المتوحشين يتراجعون تدريجيا، كذلك الذئاب فكلاهما طرائد للصيد مع أنهم مختلفين شكلاً”، وها هو صدى الكلمات يتردد على لسان داني روبنشتاين[49] “على الفلسطينيين أن يقبلوا حكما ذاتيا على غرار معسكرات أسرى الحرب، يستطيعون في  ظله أن يجمعوا الزبالة في المناطق المخصصة لهم”.

ثمة الكثير من الأدلة على ارتباط الاستعمار بالعرقية، والرق القائم عليها، فأيدلوجيا الاستعمار لم تكن سوى نفسها أيدلوجيا الرق ولكن بقناع آخر بشع، وتوكفيل نفسه الذي عارض مؤسسة الرق باعتبارها مؤسسة بغيضة[50] واعتبرها مناقضة لكل الحقوق الطبيعية في (تقرير عن  الجزائر) لم يجد مانعا أنه لتلافي إن يكون لإلغاء الرق في المستعمرات الفرنسية القديمة نتائج هدامة (إفلاس المالكين، انخفاض مستوى الصناعة) يجب أن يترافق تحرير الأفراد مع الحفاظ على الأراضي التي يقيمون عليها في حالة خضوع، وبتعبير آخر يجب إن يحل الاستعمار محل الرق، إذ، “فرنسا تعمل لإقامة مجتمعات متحضرة، لا حشود فوضوية من المتوحشين”. هذا التقرير حول توكفيل المعارض لعرقية جوبينو إلى واحد من أيدلوجيي الاستعمار الفرنسي، عرقي من طراز جديد، ومع رفضه لحجة التمدين، بقي نصيرا راسخا للاستعمار في الجزائر باسم مصلحة بلده “الاحتفاظ بالمستعمرات ضروري لقوة وعظمة فرنسا” كما يقول في مؤلفه (اعتاق العبيد).

تبرير الاستعمار على أساس المصلحة الوطنية مرتبط أساسا بالتمييز، والعرقية وهي منطق مغرق في القدم حيث[51] يؤكد روسو” “يجعل  الاسبرطي المساواة تسود في وطنه ولكنه يصبح ظالما ما إن يتخطى حدود وطنه وبالمثل لم تكن إنسانية الرومان تمتد إلى أبعد من حدود مدينتهم، ولم يكن العنف محرماً إذا مورس على الأجانب”، ويلاحظ روسو في (اميل) إن “سيادة المساواة في بلد إنسان ما لا تمنعه من أن يكون استعباديا أو استعماريا في الخارج، وذلك هو منطق الوطنية”.

وهذا يقوم على جوهر التمييز فما يصلح لوطن المستعمِر لا يصلح لأولئك الأقل قيمة، ومن هنا يبرر استغلال هؤلاء واستعبادهم، وبنفس الألفاظ العرقية والعنصرية، المستخدمة في كل مكان وزمان. وان اختلفت المفردات والتعابير واللغات، ولنتفحص عبارات أحد المستعمرين، ففي مقالة طويلة له (نشرت في ك2 1908 في أدنبرة ريفيو)[52] كتب اللورد كرومر المندوب السامي على مصر حينها، “أما عقل  الشرقي فهو على النقيض (من الأوربي)، مثل شوارع مدنه الجميلة صوريا، يفتقر بشكل بارز إلى التناظر ومحاكمته العقلية من طبيعة مهارته إلى أقصى درجة”، وقبل كرومر بمائة عام وتحديدا عام 1810 كتب فرانسوا رينيه دي شاتوبريان (رحلة من باريس إلى القدس ومن القدس إلى باريس)[53] عن المسلمين: “عن الحرية لا يعرفون شيئاً، من الاحتشام ليس لديهم شيء: القوة هي ربهم، وحين تمر بهم فترات  طويلة لا يرون بها فاتحين يطبقون عدالة السماء فإنهم يبدون مثل جنود دون قائد، مثل مواطنين دون مشرعين، مثل عائلة دون أب”.

إن ما يبرر الاستعمار هو انحطاط الشعوب المقصودة بأن تستعمر، وهذا الانحطاط مقاس طبعا بمقاييس العرقية والتميز لشعب على آخر أو لعرق على آخر، وهكذا بما أن الشرقيين[54] يوضعون مع الشعوب الأخرى التي وصفت بأنها متخلفة، منحطة وغير متحضرة، وقاصرة  أخلاقيا ضمن حتمية بيولوجية، فهم مهيؤون سلفا للاستعمار«مادام الشرق ينتمي إلى عرق محكوم، فقد كان لابد له أن يحكم: لقد كان الأمر بهذه البساطة”[55].

كاتب فلسطيني لاجئ في مصر
– باحث في علم النفس الاجتماعي- السياسي. كاتب مقالات في الشؤون الإسرائيلية والفلسطينية، وقضايا الصراع.
– مؤلفات:1- اليهود الشرقيون في إسرائيل ـ جدل الضحية والجلاد.
صدر عن مركز الامارات للدراسات الاستراتيجية _2002)
2- ضد العنف والتمييز : بيان من أجل المرأة ـ دار كنعان للدراسات والنشر ومؤسسة عيبال. دمشق. 20053- اللاجئون الفلسطينيون الشباب (الحاجات-الهوية-المشاركة) ـ دار كنعان للدراسات والنشر. دمشق 2006
4- اليهود العرب والصهيونية قبل النكبة: من اللامبالاة إلى الاستحواذ. مدى الكرمل. أيلول 2014.

الهوامش:

=================================

* المكارثية: نسبة إلى جوزيف مكارثي عضو مجلس الشيوخ الأمريكي، إن رئيسا لإحدى اللجان الفرعية بالمجلس واتهم عددا من موظفي  الحكومة وبخاصة وزارة الخارجية, وقاد إلى حبس بعضهم بتهمة أنهم شيوعيون  وقد تبين فيما بعد أن معظم اتهاماته كانت على غير أساس. وأصدر المجلس في عام 1954 قرارا بتوجيه اللوم عليه. ويستخدم هذا المصطلح للتعبير عن الإرهاب الثقافي الموجة ضد المثقفين. فيما بعد قدم إلى محكمة بتهمة الفساد والتزوير، وأدانه الكونغرس، وأدمن المخدرات ومات بسبب ذلك. ولكن منهجه التشكيكي الترويعي بقي معمولا به في مناسبات عديدة.

* في الفلسفة الإجتماعية يقصد به ذلك النمط من التفكير الذي يعرف مشكلة ما و يسعى لحلها مباشرة دون تساؤل عن مضمون هذه الحلول و  الغايات وما إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان. انتقدها هوركهايمر و أدورنو في كتاب جدل التنوير في محاولة تفسير هيمنة العقل الأداتي على المجتمعات الغربية الحديثة.

* غوييم: جمع. مفردها غوي، وهي كلمة عبرية دلت قديماً على الحشرات والهوام التي تزحف بجموع كبيرة، وتستخدم مكررة مرتين من  باب التأكيد، فيقال “غوي غوي” ومنه اللغة العربية لفظ “غوغاء” ومعناه جموع الجراد ونحوها، وانتقلت دلالة اللفظ لتشير إلى العدد الكثير من الناس المختلطين، ثم دلت على السوقة والأشرار، وفي العبرية سلكت اللفظة ذات الطريق، وخصصت للإشارة إلى الناس جميعاً من غير اليهود. وتوسع أحبار اليهود فأضافوا معنى القذارة المادية والروحية والكفر. وفي ملاحظة مهمة، يشير نبيه بشير (عودة إلى التاريخ المقدس-الحريدية والصهيونية: دمشق دار قدمس-2005) أن صيغة الجمع غوييم لم يعن بها في التوراة فقط الشعوب غير اليهود أو الأغيار كما تستخدم اليوم، وإنما كانت مرادفة لكلمة (عميم) أي شعوب ومفردها (عام) وقد وصف بها بني إسرائيل في سفر الخروج، والاختلاف بين (غوي) و(عام) بالإشارة إلى اليهود يشير إلى أن جوهر الاختلاف نابع من استعمال كلمة (غوي) للإشارة إلى التعبير القومي للمجموعة والانتماء البيولوجي، أما كلمة (عام) فقد جاءت للإشارة إلى العلاقة الروحانية التاريخية، فقبل نزول التوراة سمي اليهود(غوي كدوش) وبعد التوراة (عام كدوش) أي شعب مقدس عبر ربطهم بالعلاقة الروحية الدينية.

* يرتبط هذا التقسيم بصورة العدو، التي يمكن تعريفها بأنها صورة مشتركة بين أعضاء جماعة معينة تتسم بنزع الطابع الإنساني عن هذا  الآخر، ونوع من التنميط القائم على الاختزال والتضخيم والتحيز والتعميم، وعادة ما تشتق من مزيج من أفعال وتصريحات هذا العدو وادراكات المتلقي، وهو ما يعني خليطا من الثقة في بعض الجوانب والتحيز في جوانب أخرى. وشيطنة الآخر ونزع إنسانيته هي إحدى الأنماط الرئيسية لصناعة صورة العدو.

* في هذا السياق وللتمييز بين الاتجاهين يقترح تودوروف تمييزا بين “عنصرية” كاصطلاح يشير إلى السلوك و “عنصراوية” كاصطلاح  مخصص للمذاهب، طبعا عندما تستند العنصرية إلى عنصراوية، ستكون لها نتائج كارثية، كما هو حال ألمانيا النازية والكيان الصهيوني والفاشية العسكرية اليابانية والقومية الاجتماعية السورية وغيرها.

* المذهب العلموي: مصطلح يستخدم، عادة بشكل ازدرائي، لوصف التأييد الدوجماتي للمنهج العلمي واقتصار جميع المعارف على تلك التي  يمكن قي

أحمد مصطفى جابر

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر