Menu
حضارة

التفاصيل الخفيّة لـ"فاجعة رفح"

صورة لمنزل عائلة أبو ضباع

غزة _ بوابة الهدف_ بيسان الشرافي

في مساءٍ هادئ، لم يكُنْ يشُبْهُ سوى برودة الطقس، فُجعت محافظة رفح بخبر وفاة 3 أطفال في حريقٍ شبّ بمنزلهم في حي "يِبنا"، وسط المدينة. قبل أن يسري الخبر بين الناس، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، كالنّار في الهشيم، وتتّضح التفاصيل، المُفجعة أكثر.

طلال أبو ضباع، أربعينيّ، طعن ثلاثة من أبنائه حتى الموت، ثمّ أشعل أنبوبة غاز الطهي، التي انفجرت فيه، قبل أن يهرع الجيران لإنقاذ من يُمكن إنقاذه.

الأبناء: صباح "19 عاماً"، وشيرين "12 عاماً"، ومحمد "9 سنوات"، وصلوا للمشفى جثثاً ساكنة، لكنّ الأب أصيب بحروقٍ، بلغت نسبتها في جسده 99%، ما تطلّب تحويله إلى قسم العناية المكثّفة بمجمّع الشفاء الطبّي غرب مدينة غزة.

لم تهدأ التساؤلات: ما الذي حصل؟! وكيف، ولماذا؟. اتّصل ليلُ رفح بنهارها، وتجاوزت أنباء الحادثة حدود القطاع، لتُوردُها وكالات عربية وعالميّة.

ظُهر السبت 18 فبراير، شيّع المئات من المواطنين الأطفال الثلاثة في جنازةٍ صامتة، إلّا من مئات التساؤلات التي كانت تنهش العقول، وذهولٍ مُفجعٍ لا ينفكّ يُحطّم قلوب من تبقّى من العائلة: الأم، واثنين من الأبناء.

الأب، مريضٌ بـ"الفصام" منذ عدّة سنوات، ويتلقّى علاجه في مركز الصحة النفسية "الحكوميّ" بالمحافظة، كما أوضحت عدّة مصادر طبيّة وحقوقية لـ"بوابة الهدف"، وهو ما أكّدته وزارة الداخلية بالقطاع، في بيان صحفي نشرته مساء الجمعة، لتوضيح تفاصيل ما جرى.

"بوابة الهدف" توجّهت إلى الأخصّائية النفسية زهيّة خليل، التي قالت "أكاد أجزم بأن هذا الاعتداء من الأب على أفراد أسرته، ليس الأول؛ إنْ كان مريضاً بـ(الذهان) منذ سنوات، فإنّه يُصاب بنوبات غضب وعنف، كثيرة".

و"الذهان"، حسبما أوضحت خليل، هو مرضٌ نفسيّ عقليّ، يُفقد الشخص إحدى مكوّنات عملية التفكير المنطقي والإدراك الحسي. ما يُعرّضه لنوبات هلوسة، ومُعتقدات وهمية ثابتة، وتفكير مفكك. ولهذا المرض درجات، وأنواعٌ، منها "الفصام".

ولفتت إلى أنّها "لم تطّلع على حالة المواطن أبو ضباع بشكل تفصيلي، لكنّ مثل هذه الحالات، معروفة في الطب النفسي والعقلي، وهي بحاجة لعلاج فوري، وبرنامج استشفاء مُتخصص ومُتكامل".

خليل فضّلت الحديث عمّا اعتبرته "أساس المشكلة"، وهو الظروف الاجتماعية والاقتصادية، التي غيّرت –سلبياً- وبشكلٍ مَهُول الأدوار النمطية لأفراد الأسرة، من أبٍ وأمٍّ وأبناء". إضافة إلى "ما أوجدته أزمتيّ البطالة والفقر من مشكلات اجتماعية ونفسيّة معقّدة، أحد نتائجها بالضرورة هو العنف الأسرى".

وأشارت إلى أنّ "المرض النفسي درجات؛ وليس شرطاً أن يكون العنف أحد أعراضه"، مُستدركةً بأنّ "مرضى الفصام الشديد، وإنْ كانوا يخضعون للعلاج، بالفحص الدوري وتناول الأدوية الخاصة، إلّا أن بقاءهم في منازلهم ووسط العائلة يُشكل خطراً أكيداً على أفرادها، فقد يُصاب المريض بحالة تُعرف بالاضطّراب العصبي الانفجاري، وهو التعريف العلمي لنوبات العنف الشديد التي قد تُصيب المريض في لحظة ما".

الأزمة الحقيقية، كما رأت خليل، تكمن في أن يُعطى للمريض دوره الاجتماعي، كاملاً –خاصةً إن كان أباً أو أماً- فيُمارس جُلّ صلاحياته على أفراد أسرته، رغم ما يُعانيه من خللٍ عقليٍّ جليّ.

ووفق رؤية الأخصائية النفسية، فهذا ما حصل بالفعل في حالة الأب أبو ضباع، الذي كان يُمارس دوره كأي أب آخر، يبقى وحده مع أطفاله في المنزل، وقد يُعنّفهم أيضاً، "فهو أب"، "في حين يجب على العائلة الأكبر إدراك مخاطر هذا الأمر، وتقديم الدعم الاجتماعي والإسناد للمريض، كما ذكرت خليل.

ودعت إلى ضرورة أن تُنظَّم ورشات العمل، والمؤتمرات والندوات للتعريف بالمرض النفسي، والعنف الأسرى ومُسبباته، والإدمان ومخاطره، وعشرات الموضوعات ذات الصلة، التي تحتاج لاتّحاد لجهود المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني المختلفة لتنفيذها.

"بوابة الهدف" تواصلت مع مؤسسات حقوقية، من المُعتاد أنّ تنشط في مثل هذه الحوادث. إلّا أنّ أكثر من جهة أوضحت أنّ حادثة رفح "لا تتعلّق بانتهاكٍ حقوقيّ"، بعد أنّ تأكدت معاناة الأب من مرضٍ نفسيّ عقليّ، ما يجعله غير مُدرك أو واعٍ لتصرّفاته. "ولا مجال في هذه الحالة للتدخل القانوني الحقوقي"، حسبما أفادت، دون أنّ تنفي التأثير السلبي للظروف الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، على المواطنين، والتي تدفعهم بالنهاية للانفجار بطرق وأشكال مختلفة.

الاستشاري في مُستشفى الطبّ النفسي الحكومي، في قطاع غزّة، د.عبد الله الجمل، أكّد أن "قطاع الصحة النفسية بغزّة يُعاني من ضعف حاد على مستوى الكوادر المُتخصصّة، إضافة لوجود نقص مُرعب في بعض أنواع الأدوية، وانعدام أصناف أخرى حديثة".

ويُوجد في القطاع 6 مراكز للصحة النفسية، مُوزّعة على المحافظات الخمس، ومُستشفى واحد فقط، هو "مُستشفى الطب النفسي"، شمال غرب مدينة غزة. يعمل في هذه المراكز طواقم بعدد قليل من الأخصائيين، مقارنةً بعدد السكان في كل محافظة؛ وهذا يتّضح من من المعلومات المُدرجة في الصفحة الالكترونية لـ"الإدارة العامة للصحة النفسية"، في موقع "وزارة الصحة الفلسطينية" بقطاع غزة، التي اطّلعت عليها "بوابة الهدف". ويُشار إلى أنّ د.الجمل هو الطبيب الوحيد في وزارة الصحة، الحاصل على شهادة البورد الفلسطيني في مجاله.

الاستشاري النفسي د.الجمل لفت خلال حديثه لـ"بوابة الهدف"، إلى أنّ "العديد من أنواع الأدوية الحديثة، لا تُوفّرها وزارة الصحّة في مراكزها المُختصّة بالصحة النفسية، وإن تواجدت في القطاع الخاص، تكون أسعارها مرتفعة جداً". واصفاً الأمر بـ"الكارثة".

والمقصود بالأدوية الحديثة، هي أصناف يتم تداولها في مختلف دول العالم منذ 30 عاماً وأكثر!، لكنّها لا تتوافر حتى اليوم في قطاع غزة. حسبما أشار د.الجمل، الذي قال إن "الأدوية التي تُصرف للمواطنين في المراكز الحكومية المُتخصصة بغزة، هي من أنواع الأدوية القديمة جداً، وتُسبب للمريض أعراض جانبية، تفوق في أحيان كثيرة فوائدها العلاجية".

وأضاف أن "المرض النفسي في غالبيّة الحالات، يهوي بصاحبه إلى الفقر، لأنه يحد من قدرته على العمل، إضافة لأسعار الأدوية المرتفعة، وبالتالي يبدأ المريض رحلة المعاناة في البحث عن العلاج الحكومي. وفوق هذا، قد تتخلّى عنه العائلة؛ ما يُفاقم المُشكلة".

وعن أسباب عدم توفير وزارة الصحة الأدوية "النفسية"، رغم أهميّتها العلاجية الكبيرة التي بيّنها د.الجمل، قال: قدّمنا عدّة طلبات لتوفير بعض أنواع الأدوية الحديثة، إلّا أن الرد -في كلّ مرّة- يكون بأنّ الوزارة تُعاني من نقص حاد في الأدوية بشكل عام، وبالكاد تتمكّن من توفير "العادية" منها، فكيف لها أن تُوفر النفسية"، دون استجابة للمطالب.
وشدّد على أنّ قطاع الصحة النفسية عانى من تهميش كبير، على مدار السنوات الماضية، مُشيراً إلى محاولات محدودة من الوزارة، مؤخراً للنهوض بهذا القطاع.

وبدوره، دعا مؤسسات المجتمع المدني لأن تُنفّذ مشاريع توعية وتثقيف بالأمراض النفسية وأعراضها، وضرورة علاجها، وتصحيح الثقافة والمفاهيم المغلوطة السائدة في المجتمع عن المرض النفسي.

يُشار إلى أنّ "الثقافة والمفاهيم المغلوطة" السائدة عن المرض النفسي، تمنع الأهالي من التوجّه للمراكز المتخصصة للعلاج أو حتى للاستشارة، خاصةً إن تعلّق الأمر بالفتيات والنساء. حسبما بيّن الأخصائيّان خليل والجمل، لـ"بوابة الهدف".

وعليه، لا يُمكن الحديث عن إحصائيات دقيقة للنسب الحقيقية لحالات الاضطّراب النفسي والعقلي الموجودة في قطاع غزة؛ فنجد الأمر يقتصر على "مُؤشّرات ونِسب تقريبيّة" فقط. ويُمكن مُلاحظة هذا الأمر في كلّ التصريحات والتقارير التي تتطرّق لهذا الجانب.