Menu
حضارة

هل من أفق لمستقبل سوريا في جينيف؟

أرشيفية

نتائج محادثات "آستانة 2" الخاصة بتثبيت الهدنة في سورية لا تعطي بوادر مشجعة بخصوص مؤتمر "جنيف 3" المنتظر عقده في 25 فبراير الجاري، فلقد اقتصرت هذه النتائج على الحفاظ على ما تم التوصل له سابقاً بخصوص الهدنة، دون حدوث تقدم كبير في ملفات هامة من بينها إيجاد آلية لمراقبة الالتزام بهذه الهدنة، ومنظومة لضمان تثبيتها ومعاقبة الأطراف التي تخترقها.

الهدنة ساهمت حتى الآن في انخفاض كبير في وتيرة الحرب في الأراضي السورية، بل ويمكن القول أنها سمحت لبعض الأوكسجين بالوصول لأدمغة المتشبثين بإدامة الحرب في سوريا، وقد تكون فتحت آفاق النظر في ظل هدوء أزيز الرصاص ونيران المعارك لواقع سوريا، وما آلت إليه من دمار كبير، ومآسي إنسانية مفزعة.

مع ذلك لا زالت هناك عقبات حقيقية تنذر بإعادة انغلاق الأفق، والعودة لحمام الدم والحرب المفتوحة الدامية، خصوصاً إذا لم تتوافر الإرادة السورية الوطنية الكافية لإنهاء هذه الحرب والبحث في تسوية سياسية لها.

أبرز هذه العقبات، تتمثل في وُجود رهانات على تدخل أمريكي مباشر في الأراضي السورية، أو ترجيح لكفة أصحاب هذه الرهانات الخاسرة وغير المنطقية، وبالطبع المفتقرة للحد الأدنى من الاحترام للذات والإنسان السوري، والعقبة الأخرى كانت ولا زالت تتمثل في وجود جهود من بعض الأطراف العربية والإقليمية لإدامة هذه الحرب بأي ثمن، أولاً وأخيراً لاستنزاف سوريا والقضاء على أي دور مستقبلي لها في المنطقة، خصوصاً في مواجهة الكيان الصهيوني، فمن الواضح أن آمآل هذه الأطراف بإسقاط النظام في سوريا عبر القوة المسلحة قد انتهت تقريباً، وقد انتقلت هذه الأطراف بشكل واضح لاعتماد استراتيجية لإعاقة الحلول، التي قد تسمح بإعادة بناء سوريا.

في المقابل، يبدو هناك أفق للأمل بإنهاء هذه الحرب، مرهونٌ بالإرادة الوطنية المستقلة للسوريين، على اختلافهم وافتراقهم السياسي واحترابهم الميداني، فواقع الحال في سوريا اليوم يقول بوضوح أن هذا البلد تعرض لدمار مهول، على مستوى بُناه المادية وموارده البشرية، وأن الحاجة الآن أولاً لوقف النزيف البشري، وإعادة النازحين واللاجئين لمناطقهم، وتقديم كل ما يلزم لتعزيز فرص عودة السوريين لبيوتهم ووقف مسلسل نزوحهم.

كذلك تعترف معظم الأطراف السورية الفاعلة، بأنه لا يوجد فرصة لإنهاء هذه الحرب بشكل نهائي دون تسوية سياسية، تشمل اتفاق من السوريين على مستقبل بلادهم، بكل ما يعنيه ذلك من اتفاق على الأطر المحددة للنظام السياسي، خصوصاً أن النظام المضاد الذي حاولت المعارضة وداعميها تأسيسه، يحمل عيوب كارثية لا يمكن معها اعتباره بديل لما هو قائم، وأن هذه المعارضة فشلت في رهاناتها العسكرية هي وداعميها، وبالمقابل، إن حاجة النظام السوري الحاكم للإصلاح وإعادة البناء، هي أمر يقر به الجميع في تركيبة الدولة السورية وحلفائها.

إن أي تخيل للمستقبل السوري، يجب أن يتضمن وجود نظام سياسي يعكس إرادة الشعب السوري بشكل ديموقراطي، ويُحافظ على ثوابت هذا الشعب، وعلى رأسها وطنيته وعروبته، وموقفه من قضايا المنطقة، وفي المقدمة منها الصراع مع العدو الصهيوني، ويحفظ لهذا الشعب حقه في تنمية موارده واستخدامها وتوزيعها بشكل عادل بين كافة مكوناته، مستقبل سوريا الذي نحلم به جميعاً هو سوريا القوية والحرة والمستقلة والعروبية والتي تسودها الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

هذا المستقبل يتطلب أولاً وجود ضغط جماهيري عربي على كافة الأطياف السورية وداعميها، للذهاب نحو تبنيه كخيار وثوابت لأي حل سياسي قادم في سوريا، واذا كان الرهان على "جنيف 3" محدود نسبياً، فإن الرهان على إرادة الجمهور العربي لا زال ممكن، وأن الشعوب العربية اليوم مدعوة لإنصاف الشعب السوري، بالوقوف معه ودعم فرصته في قطع ذراع الوصاية الخارجية، التي لم ولن تفضي إلا لاستمرار الاحتراب الأهلي، بما له من انعكاسات كارثية لا على سوريا فحسب، ولكن على كل شعوب المنطقة وقضاياها.