على مدار الساعة
أخبار » منشورات

مستقبل الدين في المجتمع المعاصر

26 تموز / فبراير 2017
443
443

د. محمود عبد الله

يثير النقاش بشأن الدين ومستقبله العديد من الإشكاليات المهمة التي ينبغي النظر فيها، وفحصها ودراستها. ولعل أول هذه الإشكاليات وأهمها علاقة الدين بالتنمية. حيث يوجد جدل نظري بشأن دور التدين في رفاهية المجتمعات وتقدمها، ودوره في تخلفها وتأخرها. فهناك فريق من الباحثين يرون تراجع الدين من ساحـة الحياة الاجتماعية في المجتمعات التي شهـدت نقلـة كبيرة في مجال الصناعة. ورجح البعض ذلك وفسره في ضوء هزيمة الكنيسة الغربيـة أمـام عقلانيـة عصر التنوير، وهيمنة المعرفة العلمية على ظواهر عالم الطبيعة، والاعتمـاد على الشاهد والدليل الإمبيريقي، وغير ذلك من العوامل التي ساهمت في تغير نمط حياة الفرد والمجتمـع من نمط حياة يكـرس نفسـه للدين ويعتمد عليه بالكلية، إلى آخر تضيق فيه مساحة حضور الدين في الحيـاة العامـة والشخصيـة. كذلك عاشت المجتمعات التقليدية زمنا طويلا تعتمد فيه على الأعمال والخدمات التي تقدمها المؤسسات الدينية وما يقوم به رجال الدين من أدوار تتجاوز دورهم الديني. واستطاعت المؤسسات الحديثة أن تنتزع وظائـف كانت تؤديها هذه المـؤسسات الدينية، مثل التعليـم والصحة. فلم يعد ممكنا بحال الذهاب لرجال الديـن للتعلم أو للتطبيب من مرض أصاب الجسد أو الروح. وبمقتضى ذلك تراجع دور المؤسسـات الدينية وذوى تأثيرها. 

ويعتمد هؤلاء الباحثون في هذا النوع من الدراسات على عدد من المؤشرات لتقييم درجة التدين من قبيل درجة المشاركة في الأنشطة والممارسات والفاعليات الدينية، كالذهاب لدور العبادة، ودرجة التشبع بالقيم الدينية، وتبني الدين مرجعية في اتخاذ القرارات الحياتية الهامة. علاوة على قياس مدى إيمان الناس ببعض المعتقدات الدينية، مثل الإيمان بالجنة والنار، الحياة الآخرة، والملائكة والشياطين، وغيرها من المعتقدات الدينية.

ومن بين هذه الأعمال التي اهتمت بدراسة كيف أن التدين غير ذا صلة بالرفاهية والرخاء، الدراسة التي قدمها فيل زوكرمان، تحت عنوان "مجتمع بلا دين"، وقام فيها المؤلف بتفكيك التصورات القبلية التي يحملها المتدينون عن وظائف الدين. فإذا كان الدين يحمل السعادة للمؤمنين به، ويعيش من لا يدركونه الشقاء، فإن أهل البلدان الإسكندنافية يحيون في سعادة وهناءة عيش، ولا يهتمون بفكرة الحياة الآخرة أو المصير، ولا تنتشر في مجتمعاتهم الجريمة، بل هو مجتمع آمن وهادئ.

وفي المقابل يرى فريق آخر أنه على الرغم من دقة فرضية تراجع التدين في البلاد الأوروبية، وبالذات البلاد الإسكندنافية، إلا أننا ما نعيشه اليوم هو صعود وعودة للدين في بلاد شهدت هي الأخرى تقدما وتطورا اقتصاديا، كالولايات المتحدة الأمريكية. حيث ينزع علماء اجتماع الدين الأمريكيون إلى حصر مصطلح العلمنة في معناه الضيق، وقصره على انحدار المعتقدات والممارسات الدينية بين الأفراد، فلا يتصورون أن المجتمع الأمريكي يعيش علمنة. فالولايات المتحدة كما يرون لا تتوفر بها المؤشرات المعتادة للعلمنة. كذلك فإن الصراع بين الكنيسة والعلم لم يكن قائما.

ولقد أفاد باحثون من هذا الاتجاه الجديد في تصور هذه العلاقة بين التدين والتنمية والتأكيد على أهمية الدين، وتخفيف حدة العلمنة، ومن هؤلاء عالم الاجتماع الألماني يورجن هابرماس. لقد استفاد الرجل تحديداً من جون رولز، ومن مفهومه عن العقل العام، وأكد على أن المراهنة على اختفاء الدين تدريجيا أو أن الدين سينقرض في كل أنحاء العالم في خضم التحديث المتسارع، كل ذلك قد بدأ يتآكل. ويرى أن "ثلاثة ظواهر متطابقة تجتمع لخلق الانطباع عن (ظهور عالمي جديد للدين) وهي الامتداد التبشيري، والراديكالية الأصولية، والتوظيف السياسي للعنف المتأصل في الكثير من ديانات العالم. وهو يرى أن علينا نعمل في مقابل ذلك على استنطاق الأبعاد العقلانية في الدين ومضامينه الإنسانية التي يمكن أن تحد من الظواهر العنيفة والامتداد الأصولي. وفي مقابل ذلك تقع على الدين مهمة كبيرة، فعليه أن يكون صنوا للحداثة لا عدوا لها."

والواقع أننا أمام تضارب حقيقي بين هذين الاتجاهين. وإزاء هذا التضارب المشهود في تصور طبيعة التدين ودوره في الرخاء والرفاهية، يمكن القول بأن القضية الأساسية لأي مشروع تنموي حقيقي تكمن في مجموعة القيم التي يدعو لها الدين. فلو كان الخطاب الديني ملبياً لمنظومة القيم التي ساهمت في تقدم الشعوب ورفاهيتها، سواء اتصل ذلك بالعلاقة بين الرجل والمرأة، وترسيخ قيمة العمل، وما يتصل بها بالثقة والمصداقية والأمانة، والاحتكام للعقل والعلم، ولو كان هذا الخطاب الديني على اتصال رشيد بالعلم الحديث، ومقيما أواصره بالعلوم الاجتماعية والإنسانية وما تفرزه من تطورات، لاستطاع أن ينقل المجتمع نقلة نوعية. لكنه إن أصر على البقاء جامداً دون تغيير، غير عاكف على بث الأمن والطمأنينة، وغير قادر على مراجعة ذاته بالدرس والتعديل، فليس ثمة أمل ممكن.

إن ما قام به المصلحون من غير العرب بوجه خاص هو ما يدعو للنظر. ولأضرب لحضراتكم مثلا قديما، أبرزته التجربة الأمريكية بوجه خاص، بحسب ما يبين الباحث الألماني الكلاسيكي ماكس فيبر. إذ أوضح فيبر أن القيم التي بثها المذهب البروتستانتي في أصحابه قد أسست لقيام النظام الرأسمالي، حيث شجعت على قيم الزهد والتقشف، والعمل المتواصل، والنجاح في الحياة الدنيا. كذلك الحال ساهم باحثون آخرون في إثبات قوة تأثير الكونفوشيوسية والطاوية في المجتمع الصيني الحديث. فالنقلة النوعية التي شهدتها الصين المعاصرة هي نتاج حقيقي لاستلهام قيم الكونفوشيوسية والطاوية.

على أنه في ضوء ما سبق، يمكن الحديث عن ثلاث مقاربات للتعاطي مع الخطاب الديني. أول المقاربات هي الدمج بين الدين والدولة. هذا المسار مسار احتكاري، حيث يتضمن على احتكار هيئة أو جماعة أو فئة من العلماء، تدعي حق امتلاك المعرفة الدينية، ولها وظائف تتجاوز حدود الحقل الديني. إذ لها الحق في الرأي في كافة شئون المجتمع. هنا يصبح الشأن الديني موضوع عقل عام لكنه عقل منشأ سلفا، مقيد بشروط السلطة ومصالحها.

والمقاربة الثانية هي الفصل المطلق دون تقييد بين الدين والسياسة، فصلا يقيد رجال الدين عن المجال العام، ويستبعد اعتبارهم فاعلين لهم حق المشاركة. وفي هذا النحو يتحول رجال الدين إلى وعاظ أخلاق، يكتفون بالحديث في شئون العيش، دون العمل في السياسة.

أما المقاربة الثالثة فهي الفصل النسبي الذي يعطي للمتدنيين حق المشاركة في المجال العام مقيدين بشرط الاعتراف بالفصل بين الدين والدولة، بين الدين والسياسة. إنها نوع من المشاركة الخلاقة بين المتدينين وغير المتدينين في بناء المجتمع والحفاظ على استقراره.

والواقع إن بناء خطاب ديني في المستقبل يتطلب العمل المتدرج من الفصل المطلق إلى الفصل النسبي. الفصل المطلق هو ضرورة منطقية يفرضها الواقع الحالي الذي يعيشه العالم العربي. فهذا القتل الحاصل على الهوية والمذهب، ربما ينتهي مستقبلا إلى ضرورة الفصل. وهو وضع مؤقت يؤسس لإنضاج العلاقة بين الديني والدنيوي، ويخلق شروط إصلاح ديني معقلن.

كذلك يمكن القول بأن تبني القيم الحديثة لا يأتي بإرادة ذاتية، برغبة زعيم إنما هي بالأصل رغبة عامة في التغيير. هذه الرغبة تتأصل عبر تضافر بنيوي لعدد من الشروط الموضوعية. أولها حرية المناخ الثقافي. فالمجال العام المنفتح قادر على بناء خطاب ديني أقوى، بينما يضعف هذا الخطاب ويصبح هشا في المناخ الثقافي المتحفظ والمتكتم. ربما لو نظرنا ملياً لحالة الشيخ الإمام محمد عبده، ولغيره من المصلحين، لتبين لنا قوة هذه الفرضية. فالإصلاح الذي سار فيه الشيخ ليس نابعاً فقط من رغبة ذاتية طالت شغف فؤاده، ولا هي بالنتاج الطبيعي لعبقرية خصته وحده، لكن الإصلاح استجابة لضغوط المجال العام المنفتح، المجال الذي يدفعه لمناظرة فرح أنطون المدافع عن التسامح. فإجادة المصلح للغة أجنبية أو أكثر، واطلاعه على التراث الوافد والمحلي، وكثرة المنافسين في الحقل الثقافي، يدفع حتماً إلى الإنجاز والتجويد والبناء، دون ذلك تذهب جهود الإصلاح المزعومة سدى.

وثاني الشروط الموضوعية هو ضرورة تحرير المؤسسات الدينية العربية من ارتباطها بالنظام السياسي الحاكم، تحريراً مشروطاً بقيود المواطنة وحقوقها. وفي الواقع أن هناك معوقات وعقبات تحول دون القيام بهذه المهمة الشاقة. أولها شيوع تصور رديء عن فصل الدين عن الدولة، يلبي تصورات ذهنية غير دقيقة قارة لدى المتدينين. وثانيها أن النظم السياسية العربية تتخذ من الدين وسيلة لفرض الشرعية، وتؤسس لوجودها أمام المنافسين السياسيين، أو بالأدق تؤبد لوجودها. إن ذلك يترجم عجز هذه النظم عن اكتساب الشرعية بقوة الإقناع والمحاججة.

 وفي الظن أنه لا نظام سلطوي دون سلطة دينية تدعمه وتقويه. وثالث هذه العقبات أن هذه النظم السياسية العربية تخشى أن تتحول المؤسسات الدينية إلى قوى يصعب السيطرة عليها، مع أنه بمجرد أن يتم الفصل عمليا ستنهار الهالة المصاحبة لها. ومع كل هذه الصعوبات ينبغي القول بأن أي عملية إصلاح محتملة لن يٌنظر لها بعين التقدير من جانب المجتمع العام نفسه. فالتصورات الذهنية التي يحملها قطاع عريض من المجتمع عن شيوخ المؤسسات الرسمية تحول دون القدرة على التمييز بين الإصلاح الحقيقي والرغبة في نفاق السلطة، أياً كانت.

وثالث الشروط الموضوعية لبناء خطاب ديني حديث في المستقبل هو بناء أخلاق للتواصل، تعتمد على ما طرأ على الواقع المعاصر من ثورة رقمية طالت إمكانية التخاطب. فلم يعد ممكنا توجيه الخطاب الديني لجماعة مخصوصة، فلا يوجد خطاب محصن من هذه الخصيصة. كل الخطابات مفتوحة على المشاع إلى حد يصعب معه هذا الفصل الذي يقيمه هابرماس بين المواطن ابن المجتمع العلماني والمواطن ابن الجماعة الدينية. الأمر الذي يفرض على عاتق منتجي الخطابات الوعى بتنوع المخاطبين، واحترام التنوع الثقافي للجمهور العام. فمن غير المقبول أن يوجه الخطاب لجماعة بعينها دون أن يدرك حالة المشاعية التي يحيا، مشاعية ليست محتملة، بل حالة وقائمة ومترسخة، ما يستوجب من منتجي الخطاب إذا أرادوا التشارك معا في مجتمع واحد، أن يحترموا حقوق المواطنة، بداية من الحقوق الشخصية، حتى الحقوق السياسية العامة.

 كذلك من الملاحظ على الخطاب الديني المعاصر هو الابتعاد عن أخلاقيات الإنشاء الحديثة، فالمؤلف الضمني لهذا الخطاب معني بمخاطب بعينه دون سواه حال توجهه للجمهور العام، وهو المخاطب المسلم دون غيره، بينما لو غير بوصلة الخطاب باتجاه المخاطبين المتعددين، ستتغير بالضرورة اللغة التي يستعملها، لتصبح لغة هجينة، لأنها في هذه الحالة، ستحمل بصمات المخاطبين المحتملين، بل وسيتغير المحتوى. إذ يفترض في الخطاب الديني أن يسعى لنيل إجماع محتمل، وهو في سعيه ذلك، سوف يدرك خصوصيات المخاطبين، وسوف يدرك أيضاً أن نيل هذا الإجماع هو أمر مرجأ، حتى وإن بدا مستحيلاً، وأن المخاطب هو مخاطب عاقل ورشيد وقادر على الفهم والتفهم، بل والمناقشة المبدعة والمهددة لبنية الخطاب الديني ذاته.

إن انطلاق أخلاق الخطاب الديني من القارئ واحترامه وتقديره أيا كان، سيجعل من هذا الخطاب خطابا مسئولا، خطابا لا يدعي القدرة المطلقة، ولا يصبح أمريا، إنما يتوجه إلى جمهوره في تواضع.

ورابع هذه الشروط الموضوعية هو تغيير ذهنية الداعية. إن تغيير الذهنية هذا يعني التفاعل الخلاق مع المعطيات الجديدة، مع منتجات العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والانسانية، من أصولها. إن هذا يتطلب من الداعية أن يدرك أن الدين شأن إنساني، قابل للفهم والتداول، ولأنه كذلك فهو جزء من التراث الحضاري الإنساني، ما يجعله عرضة للنقد، ولا يوجد إنسان أقدر على ادعاء امتلاكه حقيقة الدين. ولعلنا نلحظ أن هذا الشرط مرتبط بسابقيه. فادعاء امتلاك الحقيقة مقترن بالسلطة. كما نلحظ أيضاً أننا نشهد اليوم عبارات من قبيل "الدين المخطوف"، وغير ذلك من العبارات التي تعتبر رجال المؤسسة الدينية الرسمية هم ملاك الحقيقة الدينية دون غيرهم. ويمكن أن نضرب مثلاً على هذا بما نجده من صراع شيوخ المؤسسات الرسمية مع كل من المثقفين العموميين ورجال الدين من غير أبناء المؤسسة الرسمية. حيث يرفع دائماً داعي الكفاءة والأهلية، بينما لا تترك الفرصة للمتلقي ذاته ليقرر أين توجد الأهلية، ولدى من؟

ولعل من علامات تغير ذهنية رجل الدين هي قدرته على مغايرة الواقع وقيوده وفهمه. فمن الملاحظ مثلا أن بعض الخطابات الدينية تعول على الاستهلاك على حساب الإنتاج. ونجد هذه الإشكالية أوضح في الشكل السلفي الريعي للخطاب الديني. فهو شكل يتوافق مع النزعة الليبرالية الجديدة بادعائها أن الاستهلاك يؤدي إلى النمو الاقتصادي. فكلما امتلكت سوقاً كبيرة من المستهلكين كلما استقبلت شركات أكبر تدرك أن استثماراتها ستتجه لهذا الجمهور الواسع بتكلفة أقل. وفي الواقع فإن هذا النمط من الخطاب السلفي بشكله ومحتواه يدعم هذه التصورات القارة لليبرالية الجديدة. فمن ناحية يؤدي انتشار الأفكار السلفية بشأن العلاقات الزوجية إلى زيادة النسل، زيادة كبيرة، كما يؤدي كذلك إلى زيادة الاستهلاك. ويتم بناء على ذلك بناء التبريرات القادرة على إقناع جمهور المتلقين بضرورة زيادة النسل. فزيادة الذرية ضرورة ليكون المسلمون قوة، وحماية لهم عبر العالم في وقت الحرب، كما أن الزواج المتعدد مخرج لمواجهة العنوسة، كحل ضمن حزمة من الحلول في هذا السياق. كذلك يرى رجل الدين السلفي أن الاستهلاك ضرورة وليس الإنتاج فهؤلاء المنتجون الأصليون أنتجوها لصالح المسلمين ولفائدتهم، ولقد كرسهم الله لهذه المهمة المقدسة. ويمكن عند المعاينة الإثنوجرافية المتأنية للسلوك الذي ينتهجه أبناء هذا الخطاب، يمكن ملاحظة أن النهم هو السمة المميزة، ويغيب عامل الزهد والتقشف.

وخامس هذه الشروط الموضوعية وآخرها هو بناء لغة تواصل جديدة. فجزء من عملية الإصلاح تقع على عاتق المثقف العام ومدى قدرته على التفاعل الخلاق مع القضايا الدينية المعاصرة، وتفهمه لتفاعلات الحقل الديني والثقافي. فالمثقف العام بقدر ما هو مطالب بمتابعة الجهود المبذولة من قبل رجال الدين، ودراسة خطابهم ومشروعاتهم دراسة معمقة، ومسائلة تفاعلاتهم وممارساتهم، فهو مطالب أيضا بضرورة أن يسعى لترجمة أفكار رجال الدين التي يصعب على رجل الدين ترجمتها إلى لغة الخطاب العام، أو بالأدق أن يسعى جاهداً لبناء لغة مشتركة، وتذليل عقبات التواصل، والتشوهات الاصطلاحية والبلاغية، والقوالب الذهنية الجامدة، بحيث يمكن بناء لغة خالية من الأحكام المسبقة، والتجهيل، وادعاء الأفضلية والمعرفة. وهذا شرط شاق وعسير. فمن ناحية ينظر رجل الدين بعين الريبة والقلق لطروحات المثقف العام، ويعتبرها أحياناً زندقة أو شططاً أو تطرفاً، أو عملاً لجاهل، ومن جهة أخرى ينظر المثقف أحياناً لطروحات رجال الدين على أنها ركام غير صالح للاستعمال الآدمي، وخارج سياق التاريخ.

إن شرط التجديد هو عمل مشترك، ومسئولية مفروضة على صناع الثقافة، وليس عملاً يقع على عاتق رجال الدين فقط، لأنه دون وجود مثقف ناقد للتفكير الديني، ومدقق لمجمل الجهاز التصوري والمفاهيمي الديني، وواضع لوصف دقيق لخريطة الخطاب الديني وتجلياته المتنوعة التي يصعب حصرها بالكاد، يظل عمل المصلح الديني عملاً منقوصاً، وسباحة غير مأمونة ضد التيار. إذ يناط بالمثقف ألا يقف عند حدود نقل التجارب المغايرة في الإصلاح الديني، بل وأن يشارك فيه، وأن يسبر غور المشاريع السابقة للإصلاح والتعرف على أسباب تعافيها ونهوضها، وعلل اختفائها.

الهوامش

(1) على عبود المحمداوي، ما بعد العلمانية أو استنطاق الفهم الهابرماسي للمجتمعات المعاصرة، في: "في سؤال العلمانية: الإشكاليات التاريخية والآفاق المعرفية، إشراف وتقديم وتنسيق البشير ربوح، الجزائر، ابن النديم للنشر والتوزيع، 2015، ص 150.

 

متعلقات
انشر عبر