Menu
حضارة

طوق الإرهاب في سيناء

بوابة الهدف

اشتباكات في سيناء

قبل شهور قليلة من العدوان الصهيوني على غزة عام 2014 ناقش الجيش الصهيوني مجموعة من السيناريوهات، المتعلقة باحتمالية فقدان السلطات المصرية للسيطرة على سيناء، او قطاعات منها، ونشوء اوضاع حرجة تستدعي التدخل الصهيوني المتخيل بطلب مصري او دولي، او وجود حاجة لإجلاء "السياح" الصهاينة من مناطق شرم الشيخ وطابا.

اجراءات التدخل التي ناقشها السيناريو المذكور شملت عمليات بغطاء من المروحيات وسلاح الجو، وتدخل قوات خاصة، بجانب إدخال ما يعادل كتيبة للسيطرة لفترة غير محددة على مناطق محاذية لإيلات ضمن شبه جزيرة سيناء المصرية.

ما يستدعي استذكار هذا السلوك الصهيوني اليوم هو استمرار التهديد التكفيري المسلح في سيناء، واتخاذه لنمط جديد من التهديد يتمثل في استهداف المكون السكاني القبطي، كمقدمة لعمليات اوسع في مجال ترهيب السكان وافقادهم الثقة بدور الدولة المصرية وقدرتها على حمايتهم.

منذ إعادة الانتشار الصهيوني من الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية، أستعيد سياق قديم عن معادلة الامن القومي المصري، يتناول قطاع غزة كبوابة شرقية لمصر، وأحد مفاتيح الأمن القومي المصري، وبغض النظر عما آلت إليه مقاربات البعض المتطرفة لهذه المعادلة والتي أصبحت تتناول قطاع غزة كمصدر لتهديد الأمن القومي المصري، فإن الحرب الدائرة بين المجموعات المسلحة في سيناء والدولة المصرية، وتطوراتها الأخيرة، تضعنا امام ضرورة مقاربة هذا الملف، لا كملف متعلق بأمن كبرى الدول العربية من حيث الوزن والأهمية، ولكن بالأساس كضرورة حيوية لمستقبل الفلسطينيين.

وهذا يتطلب تلمس العديد من المدخلات الرئيسية:

قطاع غزة الذي اندحرت عنه قوات الاحتلال، كان نافذة فرصة فلسطينية حقيقية لإستعادة الاتصال بالعمق العربي الطبيعي عبر جمهورية مصر العربية، وسيناء التي اجتهد العدو الصهيوني في جعلها حاجز طبيعي في وجه هذا الاتصال استعادت دورها وامكانية نهوضها عبر الصلات المشتركة مع قطاع غزة،  وإن كانت الأنفاق التجارية وتلك المخصصة لامداد المقاومة، وحركة المسافرين المتقطعة عبر معبر رفح ليس الشكل الامثل لهذه العلاقة، إلاّ أنها أعطت مثال على الفرص المستقبلية المرتبطة بعودة هذا الاتصال لكلا الطرفين، ونشطت انماط معيشية وتجارية استفاد منها مجموع المواطنين المصريين في سيناء، وانقطاع هذا الاتصال، دون إيجاد بديل عنه تشرف عليه الدولة المصرية بشكل رسمي خلق حالة خلل في نمط معيشة اهالي سيناء، وضغوط هائلة على سكان قطاع غزة.
نشاط الجماعات التكفيرية المسلحة في سيناء يشكل تهديد حقيقي لأي اتصال مستقبلي بين قطاع غزة والعالم، وتطور هذا النشاط واستمراره يعني فرض طوق وحزام أمنى عازل تشكله هذه الجماعات على قطاع غزة.
تعمل هذه الجماعات بتكتيكات متعددة لافقاد الدولة المصرية وجودها على اراضي سيناء، او حصر هذا الوجود في مجموعة من المواقع العسكرية المحدودة تمهيدا لإسقاطها، بجانب العمل على تقويض ثقة السكان بقدرة الدولة المصرية وحضورها، ومحاولة تأليبهم عليها.
رغم القدرة الهائلة للجيش المصري من حيث العديد والعتاد كجيش تقليدي، الا انه كأي جيش نظامي يواجه صعوبات بالغة عند العمل ضد مجموعات تمتهن حروب العصابات، وتختلط بالمدنيين وتستخدم العوامل النفسية وتكتيكات الترهيب والاستفزاز والاستدراج، وهي ما اوقع الجيش في أخطاء يجب ألاّ يمنعنا تقديرنا لمصر، وجيشها، ان ننتبه لخطورتها على مسار المواجهة مع هذه الجماعات، وعلى مستقبل بوابة مصر الشرقية وبوابة فلسطين الوحيدة للعالم " خارج قبضة الاحتلال".
تدور المعركة في سيناء بين تشكيل إرهابي مكون من خليط من الوافدين والمتمردين المحليين، المختلطين بين السكان، وبين الجيش المصري وقوى الأمن، والنقطة الفارقة في هذه المعركة هي اجتذاب الاهالي والمواطنين، ودورهم لمصلحة الدولة المصرية.
ان الوجود الارهابي التكفيري في سيناء، لا تقتصر ادواره المستقبلية على سيناء، فهو مرشح بلا شك لاستهداف قطاع غزة، والتسلل له بطرق متعددة، وكذلك نحو تهديد الحواضر المدنية المصرية الكبرى (هناك عشرات الخطط والمحاولات من هذه المجموعات لاستهداف مدن ومنشآت حيوية في خط القناة).

ارتباطا بما سبق نحن أمام حقيقة أساسية، مفادها أنه لا أفق لمستقبل لقطاع غزة خارج سيطرة العدو الصهيوني إذا ما سقطت سيناء أو أجزاء منها بيد التكفيريين، وعصابات الموت المسلحة، وأن الطرف الرئيسي القادر على حسم المعركة ضد هذه المجموعات التكفيرية المسلحة، وقطع يدها في سيناء هم أهالي سيناء أنفسهم، وهو ما يتطلب مقاربة مختلفة، لا تقتصر على المعالجة الأمنية.

وفي مواجهة عدو من هذا النوع، أولاً يجب الاستناد للقوى والمكونات الاجتماعية الحقيقية في سيناء، دون مواربة او استعلاء على دور هذه المكونات، وبما يشمل مساهمة حقيقية وتشاركية من الجميع في مواجهة هذا التهديد الكفيل بالاطاحة بكل فرص المستقبل او الحياة الحرة الكريمة لاهلنا في سيناء او في غزة.

وأولى أولويات هذه المقاربة، هي استعادة العلاقة الطبيعية مع الشقيقة مصر، وتنسيق الادوار المطلوبة بخصوص التعامل مع الحالة التكفيرية في سيناء، بما يمنع استفادتها من اي ميزات تتعلق بجوارها لقطاع غزة، ومنع تسللها للقطاع أو بالعكس وتحويله لملعب خلفي لها.

تضحيات شهداء الجيش المصري والأمة العربية في حرب اكتوبر المجيدة، وعبر مسار الصراع الطويل مع الكيان الصهيوني، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني، هي التي على المحك فعلا، ولسنا نتكلم عن مواجهة مع عصابة ارهابية محلية تتكفل بها مجموعة شرطية، ولكن عن تهديد خطير قابل للتمدد ولتوسيع اهدافه، وهو ما يقتضي التصرف بمنطق الواجب والضرورة، وابصار الوقائع وبناء استراتيجيات حقيقية للتعامل معها.