على مدار الساعة
أخبار » تقارير و تحقيقات

عُمر الحكاية (الجزء الثالث): "الورقة" التي قلبت حياته

28 تشرين ثاني / فبراير 2017
عمر الحكاية
عمر الحكاية

غزة _ أحمد بدير _ خاص بوابة الهدف

سلسة "عُمر الحكاية" تأتي ضمن ملف خاص أعدته بوابة الهدف الإخبارية، في الذكرى الأولى لاغتيال المُناضل والقيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عُمر النّايف.

"أنا كنت سامعه كتير عن عُمر، بس ما شفته بحياتي ولا مرة، ويوم ما أجتْ إمو وطلبتني للزواج، فرحت كتير ووافقت بسرعة"، تقول زوجة الشهيد عُمر، رانيا النايف.

جاءت أسرة عُمر لطلب رانيا التي كانت تُقيم في جنين بالضفة المحتلة، للزواج من عُمر، وفي البداية أخبروا عائلتها أن عُمر مُقيم في سوريا، وأن الزواج سيكون بشكلٍ سري، فوافقت رانيا على كل شيء. بعد ذلك أخبروهم أنه مُقيم في بلغاريا، أيضاً وافقت رانيا. لكنّ عُمر رفض الزواج سراً، وطلب أن يكون علنياً بكافة طقوسه.

ذهبت والدته برفقة رانيا إلى العاصمة البلغارية صوفيا، وكان عُمر وشقيقه عاطف وزوجته وابنه في استقبالهم، وبتاريخ 18 يونيو 1995، تم عقد زواج عُمر على رانيا.

مُحباً للحياة

بدأت رانيا حياتها مع الشخص الذي "يدخل القلب بسرعة"، كما قالت عن أيامها الأولى مع عُمر. حياتهم كانت سعيدة وطبيعية، رُغم أنها كانت قلقة في البداية على زوجها من الاحتلال، خوفاً من أن يطارده.

كان عُمر كل صباح عند الساعة التاسعة، يتناول فطوره، ويبدأ يومه مُتوجهاً إلى عمله مع أخيه في التجارة، حتى ساعات المساء. دورة الحياة اليومية هذه، كان يُمارسها عُمر كل يوم ما عدا الأحد، الذي كان المفضلّ لدى الزوجين. فهو يوم العطلة والتنزّه.

هكذا استمرت العلاقة الجميلة السعيدة بينهما، حتى أنجبا طفلهما الأول، مُحمد.

مُحمد، الذي يبلغ اليوم من العُمر عشرين عاماً، يدرس الاقتصاد. عند ولادته، من منّا يمكن أن يتخيل كيف أصيب عُمر بحالةٍ هستيرية من الفرح، بالطبع لا أحد، لأنه لا أحد يُشبه عُمر.

لم يحتمل عُمر الانتظار الذي يمارسه الآباء العاديّون على باب قسم الولادة، فدخل إلى القسم بنفسه، ليرى طفله الأول. خرج الطبيب ليخبره بأن العملية تمت بنجاح، فما كان من عُمر إلا واحتضن الطبيب وقبله من شدة الفرح. 

بنفس الفرحة، استقبل عُمر طفلته ديانا، التي تبلغ اليوم 19 عاماً، أما الطفل الثالث أحمد (15 عاماً)، وُلد مع توأمه حمزة، لكنّ الأخير فارق الحياة بعد الولادة بعامين ونصف بسبب إصابته بمرض "الربو".

جنين حاضرة

أكمل عُمر حياته برفقه رانيا ومحمد وديانا وأحمد، ولم تخلُ جلسةٌ لعُمر: عائلية أو غيرها، من الحديث عن مسقط رأسه جنين، حتى أنه أصبح يُفكر بالعودة إليها سراً، كما خرج من فلسطين سراً.

كثرة حديثه عن جنين وعن فلسطين، أزعجت البعض؛ حتى أن أحدهم قال له مرةً "خلص بكفي تحكي عنها، فلسطين مش إلك لحالك!". عندما كان يجلس عُمر لمُتابعة التلفاز ويُشاهد ما يحصل في أزقة وقرى ومدن فلسطين، كان يغلي غضباً، ويقول لزوجته وأطفاله "المفروض أنا أكون هناك مش هان!".

حُب عُمر لفلسطين، كان سيدفعه للنزول إلى قطاع غزة في أحد الحروب التي مرّ بها، حتى أن جميع الفعاليات الوطنية التي كانت تُنظّم في بلغاريا، كان عُمر السبب في إنجاحها.

في أحد الأيام كانت ديانا ابنة عُمر، التي تشبه والدها بجمالها، تهتف في إحدى المُظاهرات التي خرجت نصرةً للقضية الفلسطينية. في مشهدٍ أسعد عُمر للغاية؛ فهذا ما يسعى له، أن يغرس حُب الوطن في أولاده. وبحسب رانيا، لم يستغرب الناس من محيطهم، مُشاركة ديانا التي لم تتجاوز (16عاماً) في التظاهرة، فهي ببساطة بنتُ عُمر.

بعد ذلك، اقترح عُمر على ابنته أن تتعلم الدبكة الفلسطينية، وحدث، لكنها لم تقف عند هذا الحد، فهي مُشاكسة كوالدها؛ شكّلت فرقةً كاملة للدبكة الشعبية الفلسطينية، وأصبحت تخترع حركات جديدة وتعلمها لأعضاء الفرقة، التي كان شقيقها مُحمد أحد أعضائها.

حمزة وسامر 

مرّت الأيام، واللحظات الجميلة، التي حُفرت في ذاكرة كل منهم. جمال هذه اللحظات اكتمل بخروج رفيقي عُمر من السجون الصهيونية، شقيقه حمزة ورفيقه سامر المحروم.

بتاريخ 11 أكتوبر 2011، توصلت المُقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، إلى صفقة تبادل أسرى مع الكيان الصهيوني، نتج عنها تحرّر (1027) أسيراً فلسطينياً مُقابل إفراج حركة حماس، عن الجندي الصهيوني جلعاد شاليط.

بدأت عملية التبادل بتاريخ الـ18 من ذات الشهر، خرج حمزة وبقية الأسرى. ثمّ تم نقلهم إلى قطاع غزة. وحينها بدأ حمزة بالتفكير بكيفية الوصول إلى شقيقه عُمر، ووصل.

كان اللقاء الأول بينهما، بعد قتل "إلياهو عميدي" بالعام 1986، ظلّ حمزة في بلغاريا لمدة شهرين، بعدها تزوج بذات الطريقة التي تزوج بها عُمر –فعروسه كانت أيضاً من جنين-، وفي آخر المطاف استقر حمزة في الأردن.

فيما بعد، أعادت قوات الاحتلال اعتقال سامر ضمن حملة، أعادت فيها اعتقال (60) أسيراً من المُحررين ضمن الصفقة، وهو ما أحزن رفيقه عمر.

يتذكر حمزة زيارته الأولى مع عمر لقبر شقيقه الكبير عاطف، في بلغاريا، عُمر ومن شدة حبّه لعاطف وحزنه على فراقه، لم يستطع الاقتراب من القبر، جلس حمزة بجواره، فيما ظلّ عُمر بعيداً.

مرّت الأيام بحلوها ومرها، حتى جاءت ساعة السكون التي أصابت عائلة عُمر، الذي كان مطلوباً للموساد "الاسرائيلي" لأكثر من عقدين.

منتصف ديسمبر 2015، أصدرت نيابة النقد العليا البلغارية، مُذكرة تُطالب عمر بتسليم نفسه للسلطات الأمنية في صوفيا، خلال (72) ساعة، ليتم بعدها تسليمه للسلطات "الاسرائيلية".

بعدها بيومين، وعند الساعة الواحدة ظهراً، كان الزوجان في العمل، شعر عُمر بقليلٍ من التعب فذهب للبيت ليرتاح. في هذه الفترة كانت ابنته ديانا في المستشفى بسبب وعكةٍ صحية. اتصلت بوالدتها وطلبت منها أن تأتِ لتُعيدها للمنزل، بعد أن أخبرها الأطباء أنها أصبحت بخير.

عند الساعة الثانية قُبيل العصر، اتصل محمد بأمه باكياً، وقال لها مُرتبكاً "في ورقة أجت على البيت، واسرائيل بدها بابا يرجع على السجن"، اتصلت رانيا بعُمر فوراً، فأكّد لها صحة الأمر، وأنه بالفعل استلم ورقة مفادها "لازم أسلّم حالي".

خرج عُمر من المنزل، بلا أي هاتف من هواتفه الثلاثة. وهُنا بدأت رحلة من القلق والمُطاردة من نوعٍ آخر، طالت عُمر وعائلته، فمنذ اللحظات الأولى لتسّلمه الورقة، بدأت تحركات غريبة مُريبة تحدث حول منزله، وكانت مجموعة من أفراد الشرطة البلغارية تقف بجانب سيارة ابنه محمد، تبيّن لاحقاً أنّهم سحبوا منها الأوراق الثبوتية منها، ظناً بأن عُمر سيستقلّها فور خروجه من المنزل، لكّنهم لم يعلموا أن عُمر أصبح خارجه.

مرّت ساعات قليلة، حتى عاد عُمر للمنزل برفقة مسؤول الأمن في السفارة الفلسطينية، ممدوح زيدان.

تبيّن لاحقاً أن المُهلة التي أعطيت لعُمر، أي الـ(72) ساعة، كانت كمين لإلقاء القبض على عُمر وتسليمه فوراً..

يتبع في الجزء الرابع: كواليس السفارة (1)

متعلقات
انشر عبر