Menu
حضارة

تقرير مراقب الكيان كأداة لترميم الردع المتآكل

بوابة الهدف

جنود الاحتلال - تعبيرية

كل جهد رسمي في أجهزة المنظومة الاستعمارية الصهيونية في فلسطين، له وظائف متعددة، هذا ينطبق بطبيعة الحال على التقرير الذي أعده "مراقب الدولة" في الكيان الصهيوني، والذي جاء ليُلبي مجموعة من الاحتياجات الخاصة بالكيان، بعضها يتصل فعلياً بحاجة هذا الكيان لإدراك الثغرات في منظومته ومحاولة إغلاقها، عملاً على إطالة أمد وجوده القسري وغير الطبيعي على أرض فلسطين التاريخية، وفي قلب المنطقة العربية.

ولكن القراءة المتزنة لعُمر الكيان القصير، يعطينا مؤشر عن أدوار أخرى لهذه التقارير، فعملية النشر بحد ذاتها تُعطي مؤشر أن جزء من الأدوار الوظيفية لهذه التقارير هي إعلامية وتتصل ببناء انطباعات الرأي العام داخل وخارج الكيان الصهيوني، أي طمأنة المستوطنين الصهاينة، والعمل على هز مركبات وقواعد الأمل لدى الجمهور العربي والفلسطيني التواق لهزيمة الكيان الصهيوني.

عادة ما تتعرض هذه التقارير لغربلة كبيرة قبل النشر، بذريعة الاحتياجات الأمنية المختلفة، وما يتم عرضه منها يأتي عادة على الاعتراف بـ"إخفاقات" ذات صلة بالاستعداد لهذه المعركة أو تلك، أو أداء المستوى السياسي أو التنسيق بين الأذرع المختلفة لآلة القتل والقمع الصهيونية، والمستوى السياسي في الكيان، ذلك دون الاعتراف بالحقيقة البديهية وهي أن لكل احتلال هناك مقاومة، إذا احسنت الصنع فهزيمة هذا الاحتلال محققة لا محال، وهنا لابد من نوع من القراءة الموضوعية لما نشره العدو بهذا الشأن.

يركز التقرير على إخفاق المستوى السياسي في تحديد أهداف واضحة للعدوان، في مسعى لتثبيت المقولة الصهيونية الإجرامية الأكثر رسوخاً لدى مستوطني الكيان

 "دعوا الجيش ينتصر"، فلا إمكانية حقاً لتحديد أهداف قابلة للتحقيق في مواجهة شعب قرر الصمود في وجه التطهير العرقي، وما لم يأخذه الكيان الصهيوني بالقوة لن يأخذه بمزيد من القوة كما يُخال لنخبة وعموم مستوطني هذا الكيان، وهذا ما يلزمنا بالعودة لحقيقة الحروب الصهيونية المختلفة والمتعددة على شعوب المنطقة بواقع كونها حملات استعمارية هدفت لتأديب السكان وردعهم عن المقاومة، وبتوصيف دقيق لاستراتيجية العدوان الصهيوني وصلبها هو ارتكاب المجازر بحق المدنيين بغية ردع الشعوب العربية عن التفكير في مقاومة هذا الاحتلال والتسليم بوجوده والتعامل معه، وهو الطابع الغالب لمعظم العمليات العسكرية الصهيونية منذ ما قبل نشوء الكيان، ارتكاب سلسلة من جرائم الحرب ضد المدنيين واستخدام تكتيكات الحصار والترويع والترهيب وعمليات القتل الجماعي للمواطنين المدنيين، وفي كل اصطدام لهذا الكيان مع قوة مقاتلة حقيقية جاهزة تمتلك إرادة القتال والحد الأدنى الضروري من أدواته، مُني الكيان الصهيوني بهزائم واضحة لا تقبل التأويل، هذا ما حدث فعلياً في عدوان 2006 على لبنان، وفي حروب الكيان الصهيوني الثلاثة على قطاع غزة، فجُل ما قام به جيش الكيان وآلته العسكرية في هذه الحروب هو القتل للمدنيين والتدمير للبنى التحتية على أمل استسلام الخصم، وهذا ما حدث في حصار بيروت، وهو أيضاً ما يفضحه تاريخ هذا الكيان في معركة الكرامة.

عنوان مركزي آخر يعرضه التقرير، وهو الإخفاق الأمني والاستخباري، ويعزو التقرير هذا الإخفاق لتنازع الصلاحيات بين الأجهزة الأمنية المختلفة داخل الكيان، وعدم إيصال هذه المعلومات للجيش والمستوى السياسي، وهو ذات التبرير المُستخدم في تقرير "فينوغراد" حول هزيمة عدوان تموز 2006، والحقيقة البديهية هنا أن كل أجهزة الاستخبارات في هذا العالم تصلها ملايين المعلومات  التي تحتاج للغربلة التقنية والبشرية والتحقق، وفقط في حالة الاختراقات العميقة لبنية الخصم يمكن لهذه الأجهزة الوصول لمعلومات يقينية حول نوايا هذا الخصم، وواقع الحال في هذا الجانب تحديداً أن المواجهة الاستراتيجية مع أي قوة مقاومة تحسمها بدرجة كبيرة قدرة هذه المقاومة على بناء منظومة محكمة وعصية على الاختراق، وما تعتبره المنظومة الصهيونية هنا إخفاق لَحظي، هو نتيجة طبيعية لغياب الإهمال والاختراق المؤثر في صفوف فصائل المقاومة، أي أن المنظومة الأمنية للكيان، والتي طالما تم ترويج الأساطير حول قدراتها، تعجز في حالة اتخاذ المقاومين لتدابير الأمن الضرورية والتحامهم بأبناء شعبهم، وما لا يدركه الكيان هنا أو يتعامى عن إدراكه هو بديهية أخرى مفادها أن زمن تجنيد الجنرالات العرب وتحقيق الاختراقات الأمنية الاستراتيجية قد ولّى، ففي حالة المقاومة نحن نتكلم عن بنية عقائدية متماسكة تؤمن بهزيمة الاحتلال، لا جيوش نظامية من مخلفات الاستعمار، عمل العديد من جنرالاتها كموظفين لا يؤمنون بشيء من حقوق شعوبهم وعدالة قضاياهم، في الواقع هذا ما تؤكده تجارب الحركة الأسيرة وصمود إبراهيم الراعي، وغيره من أبطال الشعب الفلسطيني في سجون الاحتلال أمام المحققين الصهاينة، وإثباتهم الواضح لزيف أسطورة الأمن الصهيوني، الذي يعرف كل شيء، فهذا العدو مهما كانت قدراته التقنية فهو لا يعرف إلا ما نمنحه له، بالإهمال أو الخيانة.

يعزو التقرير جزء من إخفاقات الحرب أيضاً لعدم وجود التقنيات اللازمة للتعامل مع مخاطر الأنفاق، باعتبارها مُعطى جديد، رغم أن هذا تحديداً ما يعلن الكيان شهرياً منذ عملية "محفوظة" مروراً بعملية "الوهم المتبدد" وحرب تموز حشده لطاقات تكنولوجية جديدة في مواجهته، الاحتلال يُفضل هنا في تقريره رد الإخفاق لمشكلة تقنية، والحديث عن غياب الأجهزة والمعدات الكفيلة بالتغلب على الأنفاق، وهو ما استبقه فعلياً بجملة من الإعلانات خلال الأسابيع الماضية عن استيراد معدات جديدة للتصدي لخطر الأنفاق، رغم عشرات الإعلانات السابقة خصوصاً منذ تموز 2006 عن وصول الأجهزة والحلول التقنية التي ستتكفل بمعالجة تحدي وتهديد الأنفاق، وذلك في إطار التعامي المستمر للتقرير عن كون الأنفاق هي معالجة المقاومة والشعوب المقهورة لخطر التفوق الجوي الكاسح للمنظومة الاستعمارية الغربية، منذ العدوان الأمريكي على فيتنام والمواجهة البطولية التي خاضها شعب فيتنام مستخدماً الأنفاق في تركيع الإمبراطورية الإمبريالية، وكسر عنجهية آلة حربها الدموية.

في هذه الشواهد وغيرها، يعمل التقرير على الإقرار بالإخفاقات الجزئية كبديل عن الإقرار بخلاصات أكثر واقعية، مفادها أنه لا أمن لمستوطني وجنود الاحتلال في أرض فلسطين وعلى أنقاض شعبها، وأن إرادة الشعوب بالصمود والقتال والانتصار ليست تحدي تقني، وأن مليارات الدولارات من الإنفاق العسكري، ومشاريع التطبيع والتركيع، ومشاريع غسل الوعي الفلسطيني لم تنجح في إفقاد الشعب الفلسطيني إرادته في الدفاع عن أرضه وحريته، وأن العجز المتواصل لآلة حرب الكيان في المواجهات المتكررة مع قوى المقاومة لن تغطيه المجازر الدموية التي ترتكبها هذه المنظومة بحق المدنيين، وأن زمن الانتصارات المجانية على جيوش عربية متهالكة ومخترقة قد ولّى، والأهم أن الدروس التي تقدمها الشعوب ومقاومتها حول آلية مواجهة آلات الحرب الاستعمارية موجودة ومتاحة وتقدم نموذج لمن يرغب بالتعلم، وأن هناك وصفة سحرية لهزيمة هذا العدو الجاثم على أرضنا بشكل نهائي، عمادها وحدة الشعب والتحامه بأرضه وقضيته ومواجهة هذا العدو بكل أدوات المقاومة الممكنة على كافة أشكالها.

ما واجهه الاحتلال في حرب غزة الأخيرة وفي حرب تموز ما هو إلا نذر يسير من قدرات الشعوب المعطلة، والإخفاق السياسي الحقيقي في عالمنا العربي يكمن في عجز النظم عن إبصار قدرات شعوبها، وإرادة المواجهة والحرية لدى هذه الشعوب.