Menu
حضارة

قراءة في فيلم قاسم حول: بغداد خارج بغداد

مشهد من الفيلم

جمال شريف

تحت انغام البغي "شمخة" في أسطورة "كلكامش" وهي تداعب اوتار قيثارتها السومرية لتعزف عليها لحن الزمن الذي يمر على "كلكامش" اليما وهو يتابع تعفن جسد توأمه الروحي "انكيدو" بعد موته دون أن يدفنه فتركه ميتا في سريره في القصر، أدرك "كلكامش" ان مصيرا مثل هذا سيلقاه حتماً يوما، فترتسم على وجهه الحيرة والخوف والرعب الذي هدم كل غروره وكبريائه ليهرب فزعا الى الحانة السومرية خائر القوى لعله يجد فيها ما يشتت  خوفه وما يساوره من ارهاصات دمرت نفسيته،  فلاهم له في تلك اللحظة سوى الوصول إلى "اوتونابشتم" الخالد عله يحظى مثله بالخلود حتى لو تطلب ذلك عبور بحر الموت العميق. لكن "سيدروي" صاحبة الحانة بعد ان تقرأ ما سمم كيانه من هواجس، تدعوه للحياة ونبذ مخاوفه كي لاتستهلك عليه سني حياته، لكن هيهات ان يصحو "كلكامش" من نوبات هواجسه. وبدلا من حصوله على الخلود الجسدي فان تلك الهواجس هي من تنتصر وتذوب في كيانه لتخلد آلاف السنين في شخصيته التي توارثها العراقيون.  بتكتيك بنيوي سينمائي ذكي ومتقن، وعبر تكنيك متطور، زاوج قاسم حول مخرج فيلم "بغداد خارج بغداد" الزمن الماضي بالحاضر عندما إختصر الزمن بنفس الشخصيتين "كلكامش" و"سيدوري" عند ضفاف نهر دجلة الخالد حيث يلتقي نفس ممثل دور "كلكامش" بنفس ممثلة دور "سيدوري" صاحبة الحانة ليساعدها في عبور النهر في "زورقه – القفة" الغريبة. حينها يبحث كل عن الآخر في ماضيه وعما يراوده من مشاعر مبهمة في ان يكونا قد التقيا يوما في غابر الازمان وجدانيا وروحيا! ويستمر الحال فعدوى "كلكامش" في البحث عن الخلود وحمى هواجس الموت تنتقل الى الجسد العراقي عبر تلك المركبة النهرية المستديرة التي تدور في بحر دجلة الخالد كانها مركبة الزمن وهي تنقل ايقونات عراقيه  خالدة الى الضفة الاخرى من الزمن حصرا في بداية تاسيس الدولة العراقية الحديثة. هذه الشخصيات مثلها مثل "كلكامش" الذي ضاعت اخباره بعد ان رحل بعيدا عن ارض العراق سومر،  فكثير من مبدعي العراق اندثروا في صحارى الغربة ومنهم من عاش ومات غريبا في وطنه ضاعت فيه حتى قبورهم فاصبحوا نسيا منسيا. ففي العراق لا يحق لاحد ان يخلد سوى الالهة الحاكمة التي استأثرت بالحياة لوحدها دوما!  "اما انت ياكلكامش فاجعل كرشك ممملوءاً وكن فرحا مبتهجا ليل نهار، واقم الافراح في كل يوم وارقص والعب ليل نهار، واجعل ثيابك نظيفة زاهية، واغسل واستحم  في الماء، ودلل الطفل الذي يمسك بيدك، وافرح الزوجة التي في احضانك، وهذ هو نصيب البشر. لقد إستأثرت الألهة بالخلود وكتبت على البشر الفناء – سيدوري صاحبة الحانة في نصيحتها لكلكامش الخائف المنهار" هذا هو نصيبك. هذه الفسحة المسموح لك بها في ارض الرافدين. نعم مطلوب من كل "كلكامش" عراقي او من كل مبدع عراقي ان لايفكر! فهنالك من يفكر نيابة عنه! وعليه ان يعيش في كنف حياة فارغة قدمت له كي يشبع غرائزه بفضل تلك الالهة القبيحة (آلهة الأسطورة السومرية) المتوارثة حتى يومنا هذا! فيلم "بغداد خارج بغداد" يترجم في "ثيمته" الكبيره عبر استحضار لجزء من حياة بعض الشخصيات العراقية من المثقفين والتي تشترك في انها انتهت بنفس المصير وخرجت من الدنيا بذلك النفس الحزين المنكسر فنشعر ان أرواحهم لا تزال هائمة في دنيانا وكأنها تطالبنا بحق لها كانت قد فقدته في حياتها الارضية. فكان الفيلم عبارة عن هواجس واحاسيس ذاتية للمخرج "قاسم حول" التي ورثها عن "كلكامش" في ضفاف الاهوار وعبر عنها باسلوب شاعري يقترب كثيرا ويعبر  عن الواقعية الشعرية التي انفرد بها  الفيلم عن بقية الافلام العراقية. فانغام السكسفون ومروج اعشاب الهور وسكون الليل ومشاهد اختفاء القمر بين الغيوم وصوت الرياح وغزارة المطر التي تطرب جسد السياب في تابوته واصوات الطيور في تغريدها ونواحها، كلها جعلت من الفيلم قصيدة بصرية - سينمائية. ومن جهة اخرى فان استحضار "كلكامش" وعذاباته في الفيلم اعطاه بعدا اسطورياً تراجيدياً امتد لوقتنا هذا رغم اختلاف الزمان.  الفيلم على خلاف السينما العربية المثقلة بالكلام، إذ جاء خاليا من ثرثرة في الحوار، فالعبارات محكمة وسالكة في نفس الوقت تتناسب مع مضون وتوجهات الفيلم لاسيـٌما وان شخصيات الفيلم ذات بعد ثقافي كبير. اما بلاغة الصمت فكانت احدى سمات الفيلم في عدة مشاهد. فصمت السياب وهو يستمع لكلام سائق السيارة في طريقه الى الكويت بحيث لم ينطق سوى عبارة واحدة يحاججه بها بينما بقي صامتا طوال الطريق كصمته في تابوته في عودته ميتا الى الوطن. كذلك عبر عنه الحوار والجدل الصامت  بين "مسعودة عمارتلي" واختها الذي ينتهي باستسلام اختها و موافقتها على قص ظفيرتها لتخفي انوثتها في سعيها للخلود عبر اسطوانات "جقمقجي" لكنها تنتهي هي الاخرى نهاية ماساوية شانها شان كل مبدع عراقي فتتغرب في ميتتها مثلما تغربت في حياتها بكل معاناتها الانسانية والطبقية التي حرمتها من الارتباط بمن تحب. الفيلم يطرح رؤية فكرية للمخرج يحاكي احاسيس وخوالج الطبقة المثقفة والمبدعة  التي من الممكن ان تتفهم حكاية الفيلم بعيدا عن السرد القصصي التقليدي وبعيدا عن الحبكة المألوفة أكاديميا وبنائها وتصاعدها ومن ثم حلها لان الفيلم صرخة مدفونة في وجداننا بما ينتابنا من مخاوف وقلق على وطننا وانفسنا فلا يختلف الفيلم عن مسرحية صموئيل بيكيت " في انتظار غودو" أو مسرحية "الشريط الأخير" اومسرحية "كلهم اولادي" لآرثر ميلر وغيرها من روائع المسرح العالمي التي خلت تماما من العقدة القصصية بشكلها التقليدي والسائد، وهذا شأن كثير من التجارب السينمائية الهامة التي تجاوزت " الحدوتة" والبناء التقليدي. والتجارب العالمية والثقافية لا تحصى في محاولة الخروج عن المألوف ليس بصدد الإدعاء والتجاوز من أجل التجاوز، بل البحث في وسائل إستخدام لغة التعبير السينمائية. فتجربة "الليلة الأخيرة في مارينباد" للفرنسي "آلان رينيه" مثل واضح، وكذا أعمال تاركوفسكي التي ألغت الحدوتة، وتجربة شادي عبد السلام في "المومياء" مثال في التجاوز والشاعرية، وثمة تجربة للمخرج التركي "سوري الأصل" سمير أصلان في فيلم "الباحات السبع - 7 courtyards" ليس فيها بناء درامي يربطها سوى بناء شكلي، فيما فيلم "بغداد خارج بغداد" تربطه الفكرة، فكرة "غربة المثقف" العراقي التي يمكن أسقاطها على غربة كل مثقف هي "ثيمة الفيلم" ضمن تداخل سلس في البناء إذ لا تشعر بالإنتقال من حكاية إلى ثانية وكأنك في قصيدة شعر سينمائية ساحرة. لذا يعد الفيلم إضافة نوعية إلى السينما العراقية والعربية. وقد أضفى التصوير بكل تفاصيله من حركة الكاميرا إلى طبيعة العدسات المستعملة التي مزجت خبرة المخرج قاسم حول مع خبرة مدير التصوير شكيب رشيد والمصور أمين مجيد لتعطينا سحرا في الصورة أضاف لها اللون وطبيعيته  الباردة وتدرجاته اللونية قيمة فنية وجمالية إذ عمد المخرج إلى كل تلك التقنيات في اليونان حيث كان يقيم ردحا من حياته هناك قاربت العشر سنوات من سنوات غربته.  تتصاعد الرؤية وتنجلي اكثر في المشهد الاخير الذي اراده المخرج ان يجسد تداخل همومنا الشخصية والوطنية في وجداننا بما تفرزه من قلق على العراق "الوطن" ومصيره الذي لايختلف عن مصير ابنائه. هذا القلق الذي ترجمه حارس الآثار في تعبيره عن عجزه عن حماية الاُثار فلم يعد بمقدوره ان يقتل احداً ولم يعد يميز بين اللص والحارس ومن هو الغريب ومن هو ابن الوطن فهو يتخوف من ان يطلق رصاصة قد تصيب احد الشخصيات التاريخية التي تحوم ارواحها حول المكان فيرديه قتيلا مرة ثانية، فيرتكب ذنبا تاريخيا بعد ان اختلطت عليه الامور ولم يعد يفهم ما يحدث بين ما هو وهم وما هو حقيقي، فراح يتساءل بعمق وببساطة وعفوية معا "التاريخ رحل أخاف الجغرافيا ترحل " تلك المخاوف التي تؤرق العراقيين على مصير بلدهم المهدد بالرحيل ليصبح ترابا متناثراً كما "أنكيدو" يعبث الدود بكيانه!   الفيلم اضافة نوعية للسينما العراقية والعربية وللسينما بشكل عام، تألق فيه معظم الفنيين من تصوير وحركة الكاميرا الهادئة التي لم يبالغ فيها المخرج بل اكتفى باستخدام التنقلات حسب ما تقتضيه بنية الفلم. كان معظم الممثلين متشبعين وجدانيا بشخصياهم حتى رأينا شخصيات مقنعة رغم غرابتها علينا كمشاهدين. وكعادة قاسم حول في أفلامه فإنه يكاد أن يلغي الماكياج سوى لمسات أبدعت الماكييره في رسمها الذي لم نشعر بطبقة المكياج تتلالاء على جبين الممثلين كما حال الممثلين العرب في السينما العربية. واضح من مستوى الصورة أن الفيلم قد صور بكاميرا تحمل مواصفات حرفية عالية للتصوير السينمائي والدرامي، أحسن المخرج التعامل معها مستفيدا من كفاءتها التقنية يضاف إلى ذلك القيمة اللونية في ما يطلق عليه العمليات اللاحقة التي تمت في مخابر لونية رقمية عالية المستوى في أوربا حرصا من المخرج في انتاج فلم عراقي يحاكي في تقنيته الصورة القياسية في السينما العالمية. الفيلم الذي ينمو في حالة من الغموض الجميل الذي يحفز المتلقي بالبحث فيه هو فيلم واضح الرؤية الفكرية، وهنا يأتي عنوان الفيلم الذي يلخص لنا أن ثقافة العراق المداف عطائها الإبداعي بالحزن والإغتراب والخوف الوجودي والمكاني إنما هي في شكلها المعاصر صارت خارج المكان، خارج الوطن "العراق" التي تمثل بغداد قلب ذلك الوطن. ما عاد سوى الفراغ والخوف من الفراغ ممثلا بالمكان الذي بات خاويا ينتظر الرحيل فتشكل مقولة الحارس صرخة الأنتباه الكابوسية "التاريخ رحل. أخاف الجغرافيا ترحل"!


نقلاً عن: إيلاف