Menu
حضارة

لا تتأخر يا باسل..!

خالد جمعة - من (فيسبوك)

 نعرفُ ذلك يا أخي، فالخبر يتمدد على أرصفة الشوارع وفي قيعان أكواب الشاي، وحتى في نقيق الضفادع التي استيقظت هذا الصباح قلقةً وتعاني من غباش في الرؤيا، وهل هناك فرق بين الشهداء؟
 نعم، بعض الشهداء يقررون أن يكونوا أنداداً، لا يحتملون القفص، تماماً مثل عصفور الحكاية عند غسان كنفاني ، فليست كل العصافير مصممة على أن تحتمل القضبان، وليست كل القضبان قابلة لأن تحرس كل العصافير.
لماذا إذن هو مختلف؟ 
 لأنه كثير على وقت مثل هذا، وقت مهزوز مثل بندول ساعة خرفة، هناك أشخاص يستكثر الوقت نفسه عليهم، وهناك من يستكثرهم على نفسه، وباسل لطم الوقت على عينه فاخضرت، ولم يعد يرى بها، باسل لم يكن مؤذياً، لكنه أراد للوقت أن يعدّل من قامته المحنية، ويبدأ في زراعة الصبّار من جديد، بعد أن خلعوه من كل مكان.
لم تقل لماذا هو مختلف؟
 ألأنه كان وحده؟ والبطولة أن تموت وحيداً؟ ألأنه ظل يعدّ الطلقات التي تنفذ من بين يديه واحدة واحدة؟ والبطولة أن تصمد إلى الطلقة ما بعد الأخيرة؟ ألأنه لم يلمس مقبض الباب ولم يقرر أن يعطي الأعداء لمعةً واحدة يرونها في عينيه؟ نعم لأجل كل هذا، قرر أن لا يروا عينه إلا منطفئة من الخارج ومضيئة من الداخل كشمس في قطبٍ ثلجي، بيضاء والثلج أبيض.
هل انتهيت؟... بل لم أبدأ بعد!!!
 كان قارئاً، وكاتباً، ليس مثلنا بالتأكيد، نحن الذين نحيا على بطولات الآخرين، كتب مقالاً ذات يوم رشق عنوانه في أعيننا: عش نيصاً وقاتل كالبرغوث... لم يكتب هذا فقط، بل عاش وقاتل.
 واحد وثلاثون عاماً لم تكن تكفي ليقرأ كل الكتب التي يريد، لكنها كانت كافية لقراءة تضاريس الأرض حتى بطريقة بريل، ليعيد رسمها وكتابتها كفلسطيني خارج من تعريفات البطولة في الكتب، لم تكن رصاصة واحدة كافية للموت، فتحولت الرصاصة إلى قذيفة، تفتتت ففتتت معها كل تنظيرات الفصائل والأحزاب وتجمعات الحواري، ليترك وراءه فردة حذاء واحدة تقول كل شيء للجميع الذين سيصعدون سلم دمه قريباً درجة درجة، نقطة نقطة، إنه أمر مخجل تماماً ما سيحدث غداً بعد جنازتك يا باسل.
 لم اؤمن يوماً بفكرة البطل النموذجية، لكن البطل كما كنت أرى، أنه الشخص الذي يقوم في لحظة تاريخية ما بعمل ما يتوجب على أمة كاملة أن تعمله، لكنها لا تفعل ذلك، ومن هنا ينبثق البطل الفردي، الذي يقول ما لا يقوله الآخرون، ربما يخرج حرفان من فمه فيملآن معجماً، وربما يصمت لعشر ثوانٍ فيخترع لغةً، هذا لم يكن حكاية في كتاب الحكايات، ولم يكن صيداً في غابة الكلام، كان لحماً ودماً وأغنيات وكتب وصلوات وغابات وأولاد مدارس وكحل عيون البنات المراهقات، يعرفُ تماماً أين يموت، وأين يخلع عباءة الليل عن جلده ليضيء الجلدُ كسراجٍ قديمٍ زيته فكرة، وفتيلته خيارٌ واضحٌ، واليد التي تمسكه خشنة ومتشققة وحنونة.
 تعال إلى موعدك، لا تتأخر وتتحجج بالموت، فهذا ليس عذراً كافياً، فقد اشتريت لك الاسطوانات التي كانت تنقص مجموعتك الموسيقية، وأهدتني إحدى البنات كتاباً لك، وأمي صنعت لك المفتول بيديها المتعبتين، وأختي التي لا تخدم أحداً في العادة، نسجت لك بلوفراً شتوياً، وندمت لأنك لن تلبسه هذا الشتاء، وستضطر أن تنتظر الشتاء القادم لترتديه، سيبدو الأزرق المطعم بالأحمر جميلاً على قامة مثل قامتك، لكن مهما يكن، إياك أن تتأخر عن موعدك، لأنك تعرف أن واحدة من الأشياء القليلة التي تجعل أمي تفقد أعصابها، أن يتأخر مدعو على العشاء عن موعده.