Menu
حضارة

باسل

بوابة الهدف

باسل الاعرج 2235

نعت فلسطين باسل الاعرج، وهو الذي لم ينعى إيمانه فيها قط، ولم يكفر بشعبها طرفة عين، ولم يكن في استشهاده يقارب غير ما أراد، لم يأخذ العدو باسل بقصف عشوائي او بأحد مجازره اليومية بحق شعبنا، بل استهدفه وهو يعلمه، وباسل يعلم هذا العدو وجيشه وينتظره ويتوثب للقاء، ولم تكن معركته الأخيرة فجيعة إنسانية بل ممارسة للوجود بكل معانيه أو كما قال "الثائر قاطع طريق بمشروع سياسي".

لم يكن الباسل قاطع طريق بل كان جسراً للقضية، إلتف حوله في حياته كل المؤمنين بالانتفاضة التي بشّر بها، وراهن عليها، وبالصراع مع العدو الذي رآه حتمية لا فكاك منها، وفي إستشهاده إلتحق الجميع بلحظة الاستشهاد، بمن في ذلك خصوم تلك الانتفاضة، ليعيد أهله وذويه لنا الدرس، حين ردوا بعض هؤلاء على أعقابهم، فهؤلاء معادين للمقاومة والانتفاضة، وأعداء لكل ما مثله باسل وشهداء شعبنا في حياتهم ومماتهم.

 إحالة الشهادة لفاجعة هو جريمة ترتكب أولاً بحق الشهيد وثانيا بحق القضية، ومقاربة فعل باسل لا يجب ان تكون إلا في سياق الإلتصاق بقضيته، قضية فلسطين، وقضية تحريرها، حتى آخر ذرة تراب فيها، وحتى آخر ذرة تراب عربي يحتله الكيان الصهيوني، فبتحية العروبة ودعنا البطل في وصيته، ليذكّرنا بالقضية الواحدة وبمواجهته لكل مشاريع تحويل هذه الأمة لطوائف، لكل محاولات نزع اللحم عن العظم، وبأولوية الصراع مع العدو الصهيوني.

وحين أطلق الشهيد صليات كلا الرشاشين، مشتبكاّ مع جنود الاحتلال كان يفتح اشتباك يأمل أن يدوم، ويدعونا للإلتحاق بفرصة الاشتباك مع هذا العدو، ويطلق ناره لا على جنود العدو فحسب، بل على كل تلك المنظومة التي توزع القهر والظلم والقتل في هذا العالم، فلم يرى الرجل يوما تناقضا بين هويته الوطنية وعروبته وأمميته.

لن نتقول على الشهيد شيء، ولا ندّعي القدرة على اختزال معاني الشهادة وما تركه الشهيد في بضعة سطور، ولكن من يستطيع أن ينكر أن استشهاده كان طلقة في وجه التنسيق الأمني، وفي وجه من اعتقله وعذبه حماية لأمن الاحتلال، وفي وجه من سيحاكمه الاسبوع القادم أمام محكمة رام الله بتهمة حيازة سلاح الشرف الذي قاتل به العدو الصهيوني حين أخفى من عذبوا باسل أسلحتهم ووجوهم على بعد بضعة أمتار من مكان استشهاده، ومعركته.

سيبقى باسل، فهو الذي عاش وسيعيش إنتفاضة وثورة، طيلة سنى حياته، وسيبقى المشروع السياسي الذي حمله، مشروع تحرير فلسطين عبر مواجهة عدوها حتى آخر رمق، ومشروع وفاء فلسطين لعروبتها، واخوتها مع المعذبين وضحايا نظام القهر العالمي الغربي، سيبقى باسل وستبقى اسئلته التي تركها لنا عنوان ودعوة للاشتباك مع هذا العدو حتى آخر رمق.

وستبقى البيئة التي أخرجت باسل تخرج أمثاله، في الولجة عروس فلسطين المزدانة بشهيدها، والتي قرر فيها أهلها وذويه خوض معركة جثامين الشهداء المحتجزة لدى العدو، إتصالا بمعركتهم الدائمة مع الاستيطان، والتي تمثل أحد العناوين التي تركها باسل للاشتباك مع العدو فيها، وقرر الأوفياء له من طلبة جامعة بيرزيت جعل استشهاده عنوان آخر للاشتباك مع العدو على خطوط التماس اليوم، وقرر أبناء مخيم نهر البارد جعلها عنوان لتشبثهم بعودتهم، وقرر أبناء حيفا ورام الله و غزة جعلها عناوين لاشتباكهم المستمر مع الاحتلال.

معركتنا اليوم ليس استعادة جثمان الشهيد فحسب، وليس استعادة ارض فلسطين، بل استعادة ذاتنا وهويتنا المسلوبة، والنهوض لنموت وقوفاً كالأحرار إذا لم نجد نصرنا الموعود، معركة تبدأ بالالتحام بكل ما قاتل لأجله الشهداء والاستمرار في قتالنا لهذا العدو، فهيهات منا الذلة، وهيهات منا الخنوع، وهيهات منا الاستسلام، لعدو نعرف إنه ليس إلاّ دعيٌ كاذب ولص مارق ومحض قاتل أثيم، غرته قوته وآلة حربه سيلقى بها أو دونها عما قريب مصرعه، ونهاية مشروعه الخبيث، فبقول الباسل " لا تبقى في الوادي الا حجارته".